L'Élu parmi les poèmes des poètes d'Al-Andalus
المختار من شعر شعراء الأندلس
Enquêteur
الدكتور عبد الرزاق حسين
Maison d'édition
دار البشير
Édition
الأولى
Année de publication
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٥ م
Lieu d'édition
عمان
المختار من شعر شعراء الأندلس
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ أبو القاسم علي بن منجب الصيرفي ابن سليمان: الحمد لله على سابغ نعمته، وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله.
ودراسة البلاغة تنقسم إلى نظم ونثر، وقد اختلف الناس في التفضيل بينهما، والذي نرغب أن يكون مذكرًا وبمحاسنه محاضرًا له منه على ما يسمعه. والعناية بما يعلقه ويجمعه، ومن جعل الحق مقصوده، والإنصاف مطلوبه، علم أن الفضائل ليست مخصوصة ببعض الأمكنة، ولا مقصورة على قديم الأزمنة، على أن الإقليم الرابع وإن كان أفضل من غيره، فذلك لا يوجب سلب الفضيلة مما سواه، ولا عدم الحسنة فيما عداه، فكل زمان لا يخلو من أفكار تستنبط، وقرائح تؤلف، وهذا لمن تأمله واضح، ولمن تدبره جلي.
ولقد وقفت للعصرين من شعراء الأندلس على ما لا عذر في جحد إحسانه، ولا حجة في ترك استحسانه، فرأيت أن أعلق في هذا الجزء ما تيسر لي: (وقال ابن عباذ وقد أمره أبوه أن يصف مجنًا فيه كواكب فضة:)
1 / 15
مجنٌ حكى صانعوه السماء ... لتقصر عنه طوال الرماح
وقد صوروا فيه شبه الثريا ... كواكب تقضي له بالنجاح
وقال في شمعة:
وشمعةٍ تنفي ظلام الدجى ... نفي أذى العدم عن الناس
ساهرتها والكأس يسعى بها ... من ريقه أشهى من الكاس
ضياؤها لاشك من وجهه ... وحرها من حر أنفاسي
وقال في وصف قصيدة:
إليك روضة فكر جاد منبتها ... ندى يمينك لا طل ولا مطر
جعلت ذكرك في أرجائها زهرا ... فكل أوقاتها للمجتني ثمر
وقال يستدعي عودًا للغناء:
غلب الكرى ودنت مطايا الراح ... واشتقن شدو حداتها النصاح
فابعث نشاط سؤومها وحسيرها ... بغناء حاديها أخي الإفصاح
ليقيم ذاك العود من رسم السرى ... ويعود في الأجسام بالأرواح
فنسير في طوق السرور ونهتدي ... لخفيهن بأنجم الأقداح
وقال في توديع بعض جواريه:
1 / 16
ساريتهم والليل غفلٌ ثوبه ... حتى تبدى للنواظر معلما
فوقفت ثم مودعًا وتسلت ... مني يد الإصباح تلك الأنجما
ولم تزل أيام المعتمد صافية من الكدر، محميةً من الغير إلى أن دهي من يوسف بن تاشفين بداهية خلعته عن سلطانه، وأزعجته عن أوطانه، فعاد من كان يمدحه راثيًا له ناعيًا، ومن كان يرجوه منتجعًا عليه باكيًا.
ومن سر أهل الأرض ثم بكى أسى ... بكى بعيونٍ سرها وقلوب
قال أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبانة: كنت بين يدي الرشيد بن المعتمد في مجلس أنسه، فورد الخبر بأخذ غرناطة في رجب
1 / 17
سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، فتفجع وتلهف، واسترجع وتأسف، وذكر قصر غرناطة، فدعونا لقصره بالدوام، ولملكه بتراخي الأيام، وأمر ذلك أبا بكر الإشبيلي بالغناء فغنى:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد
فاستحالت مسرته، وتجمعت أسرته، وأمر بالغناء من ستارته، فغنى:
إن شئت أن لا ترى صبرًا لمصطبر ... فانظر على أي حالٍ أصبح الطلل
فتأكد تطيره، واشتد اربداد وجهه وتغيره، وأمر مغنية أخرى بالغناء فغنت:
يا لهف نفسي على مالٍ أفرقه ... على المقلين من أهل المروات
إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما لست أملك من إحدى المصيبات
قال: فتلافيت الحال بأن قمت فقلت:
محل مكرمةٍ لا هد مبناه ... وشمل مأثرةٍ لا شته الله
البيت كالبيت لكن زاد ذا شرفًا ... أن الرشيد مع المعتد ركناه
ثاوٍ على أنجم الجوزاء مقعده ... وراحلٌ في سبيل السعد مسراه
حتمٌ على الملك أن يقوى وقد وصلت ... بالشرق والغرب يمناه ويسراه
بأسٌ توقد فاحمرت لواحظه ... ونائلٌ شب فاخضرت عذاراه
فلعمري لقد بسطت من نفسه، وأعدت عليه بعض أنسه، على أني وقعت فيما وقع فيه الكل، لقولي: البيت كالبيت، وأمر اثر ذلك بالغناء أبا بكر، فغنى:
ولما قضينا من منىً كل حاجةٍ ... ولم يبق إلا أن تزم الركائب
فأيقنا أن هذه الطير تعقب الغير.
1 / 18
وقد كان المعتضد عباد حين تصرمت أيامه، وتدانى حمامه استحضر مغنيًا يغنيه، ليجعل ما يبدأ به فالًا، وكان المغني السوسي فأول شعر قاله:
نطوي المنازل علمًا أن ستطوينا ... فشعشعيها بماء المزن واسقينا
فمات بعد خمسة أيام، وكان الغناء من هذا الشعر في خمسة أبيات. قال ابن اللبانة في كتاب"نظم السلوك في مواعظ الملوك في أخبار الدولة العبادية" أن طائفة من أصحاب المعتمد خامرت عليه، فأعلم باعتقادها وكشف له عن مرادها، وحض على هتك حرمها، وأغري بسفك دمها، فأبى ذلك مجده الأثيل، ومذهبه الجميل، وما خصه الله به من حسن اليقين وصحة الدين، إلى أن أمكنتهم الغرة، فانتصروا ببغاث مستنسر، وقاموا بجمع غير مستبصر، فبرز من قصره متلافيا لأمره، عليه غلالة ترف على جسده، وسيفه يتلظى في يده:
وذاك السيف راق وراع حتى ... كأن عليه شيمة منتضيه
1 / 19
كأن الموت أودع فيه سرًا ... ليرفعه إلى يومٍ كريه
فلقي على باب من أبواب المدينة فارسًا مشهورًا بنجدة، فرماه الفارس برمح التوى في غلالته، وعصمه الله تعالى منه، وصب هو سيفه على عاتق الفارس فشقه إلى أضلاعه، فخر صريعًا سريعًا، فرأيت القائمين عندما تسنموا الأسوار تساقطوا منها، وبعد ما أمسكوا الأبواب تخلوا عنها، وأخذوا على غير طريق، وهوت بهم ريح الهيبة في كمان سحيق، فظننا أن البلد من أقذائه قد صفا، وثوب العصمة علينا قد ضفا، إلى أن كان يوم الأحد الحادي والعشرون من رجب، فعظم الخطب في الأمر الواقع، واتسع الخرق فيه على الراقع، ودخل البلد من جهة واديه، وأصيب حاضره بعادية بادية، بعد أن ظهر من دفاع المعتمد وبأسه وتراميه على الموت بنفسه، بما لا مزيد عليه، ولا تناهى خلق من خلق الله إليه، فشنت الغارة في البلد، ولم يبق فيه على سبد لأحد ولا لبد، وخرج الناس عن منازلهم، يسترون عوراتهم بأناملهم، وكشف وجوه المخدرات العذارى، ورأيت الناس سكارى وما هم بسكارى ورحل بالمعتمد وآله، بعد استئصال جميع ماله، لم يصحب منه بلغة زاد، ولا بغية مراد، فأمضيت عزيمتي في أتباعه، فوصلت إليه بأغمات عقب ثقاف، استنقذه الله منه، فذكرت به شعرًا كان لي في صديق اتفق له مثل ذلك في الشهر بعينه من العام الماضي وهو الأمير أبو عبد الله بن الصفار وهو:
لم نقل في الثقاف كان ثقافًا ... كنت قلبًا به وكان شغافا
يمكث الزهر في الكمام ولكن ... بعد مكث الكمام يدنو قطافا
وإذا ما الهلال غاب بغيمٍ ... لم يكن ذلك المغيب انكسافا
إنما أنت درةٌ للمعالي ... ركب الدهر فوقها أصدافا
1 / 20
حجب البيت منك شخصًا كريمًا ... مثلما تحجب الدنان السلافا
أنت للفضل كعبةٌ ولو أني ... كنت استطيع لاستطعت الطوافا
وقال أبو بكر: وجرت بيني وبينه مخاطبات ألد من غفلات الرقيب، وأشهى من رشفات الحبيب، وأدل على السماح من فجر على صباح.
ما أخرج من شعره في مدة أسره، قال من قطعة:
أبى الدهر أن يفني الحياء ويندما ... وأن يمحو الذنب الذي قد تقدما
فان يتلقى وجه عتبي وجهه ... بعذرٍ فغشى صفحتيه التذمما
ستعلم بعدي من تكون سيوفه ... إلى كل صعبٍ من مراقيك سلما
سترجع إن حاولت دوني فتكةً ... بأخجل من خد المبارز احجما
وقال:
سلت علي يد الخطوب سيوفها ... فجذذن من جلدي الحصيف الأمتنا
ضربت بها أيدي الصروف وإنما ... ضربت رقاب الآملين بها المنى
يا آملي العادات من نفحاتنا ... كفوا فإن الدهر كف أكفنا
وقال من قصيدة يصف فيها الكبل:
تعطف في ساقي تعطف أرقم ... يساورها عضًا بأنياب ضيغم
وإني من كان الرجال بسيبه ... ومن سيفه في جنةٍ وجهنم
1 / 21
وطلب خباء من أهل يوسف يسافر به، فوعد بذلك، ثم أخلف عند حركته فقال:
هم أوقدوا بين جنبيك نارا ... أطالوا لها في حشاك استعارا
أما يخجل المجد أن رحلوك ... ولم يصحبوك خباءً معارا
تراهم نسوا حين جبت القفارا ... حنينًا إليهم وخضت البحارا
بعهد لزومٍ لسبل الوفاء ... إذا حاد من حاد عنها وجارا
وقلبٍ نزوعٍ إلى يوسفٍ ... فلولا الضلوع عليه لطارا
ويوم العروبة ذدت العدى ... وحطت الهدى وأبيت الفرارا
فررت هناك وإن القلو ... ب بين الضلوع لتأبى الفرارا
كأنك تحسبها نرجسًا ... تدير الدماء عليها عقارا
وقال:
قبح الدهر فماذا صنعا ... كلما أعطى نفيسًا نزعا
قد هوى ظلمًا بمن عاداته ... أن ينادي كل من يهوى لعا
من إذا قيل الخنا صمّ وإن ... نطق العافون همسًا سمعا
قل لمن يطمع في نائله ... قد أزال اليأس ذاك الطمعا
راح لا يملك إلا دعوة ... جبر الله العفاة الضيعا
وقال:
1 / 22
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا ... أسرك العيد في أغمات مأسورا؟
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلًا ... فردك الدهر منهيًا ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا
وتعرض له قوم من ملحفي أهل الكرية فقال:
سألوا اليسير من الأسير وإنه ... بسؤالهم لأحق منهم فاعجب
لولا الحياء وعزةٌ لخميةٌ ... طي الحشا لحكاهم في المطلب
وكان قد أبلى بلاءً حسنًا عند خلعه، فأشار عليه وزراؤه بالخضوع والاستعطاف فقال:
قالوا الخضوع سياسةٌ ... فليبد منك لهم خضوع
إن يسلب القوم العدى ... ملكي ويسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه ... لم تسلم القلب الضلوع
كم رمت يوم نزالهم ... ألا تحصنني الدروع
ما سرت قط إلى القتا ... ل فكان من أملي الرجوع
شيم الألى أنا منهم ... والأصل تتبعه الفروع
قوله: ما سرت قط إلى القتال من باب ما تمثل به أحد الخوارج في وقعة قديد أيام مروان بن محمد الجعدي.
1 / 23
وخارج أخرجه حب الطمع ... فر من الموت وفي الموت وقع
من كان ينوي أهله فلا رجع
وقال يرثي ولديه الفتح ويزيد:
يقولون صبرًا لا سبيل إلى الصبر ... سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري
أفتح لقد فتحت لي باب رحمةٍ ... كما بيزيد الله قد زاد في ذخري
هوى بكما المقدار عني ولم أمت ... فأدعى وفيًا قد نكصت إلى الغدر
ولو عدتما لاخترتما العود في الثرى ... إذا أنتما أبصرتماني في الأسر
أبا خالدٍ أورثتني البث خالدًا ... أبا النصر مذ ودعت ودعني نصري
وقال من قطعة يرثي بها سعدًا ابنه:
إذا كان قد أودى الزمان بمثله ... ولم يبق في عودٍ له طمعٌ بعد
فلا بترت بترٌ ولا قنيت قنى ... ولا زأرت أسدٌ ولا صهلت جرد
ولا زال ملدوغًا على سيد الحشا ... ولا انفك ملطومًا على ملكٍ خد
1 / 24