La Récompense et le Bon Au-delà
المكافأة وحسن العقبى
بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرنا أبو محمد عبد الله الفرغاني، قراء مني عليه، قال: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن يوسف الكاتب، قراءة مني عليه، قال:
شدد الله فكرك، وأحسن أمرك، وكفاك مهمك
إن أشد على الممتحن من محنته، عدوله في سعيه عن مصلحته، وتنكبه الصواب في بغيته، ولكل وجهة من الجدوى مأتى تستنزل به عوائدها، ويقرب معه ما استصعب منها، يستثيره حسن الروية، [ويهدي إليه] صالح التوفيق.
وقد رأيتك لا تزيد من رغبت إليه -فيما تحدوه على برك، وتحثه لما أغفل من أمرك- على نص مكارم من سلف. وترى أنه يهش إلى مساجلتهم، فلا تبلغ في هذا أكثر من إحراز الفضيلة للمرغوب إليه، ولا توجد في الراغب فضيلة تحثه على شفيع قصده. ولو عدلت عن مكارم من رغب إليه، إلى حسن مكافأة من أنعم عليه، لكانت لك ذرائع يمت بها الراغب، توجد المرغوب إليه سبيلا إلى الإنعام، وتفسح أمله في مواترة الإحسان.
ولم يؤت الجود من مأتى هو أغمض من مغادرة حسن المكافأة. ولو أنعمت النظر فيها: لوجدتها أقوى الأسباب في متع القاصد، وحيرة الطالب. ولو كانت توجد مع كل فعل استحقها، لآثر الناس قاصديهم على أنفسهم، ولجروا على السنن المأثورة عنهم.
Page 3
[وقد كتبت لك] في هذه الرسالة أخبارا -في المكافأة على الحسن والقبح، تنعم الخاطر وتقرب بغية الراغب- مما سمعناه ممن تقدمنا، وشاهدناه بعصرنا، وبالله التوفيق.
Page 4
[1] المكافأة على الحسن
1 - حدثني أبو محمد يحيى بن الفضل، عن عبد العزيز بن خالد الأموي، عن أبيه خالد، قال: أخبرني محارب بن سلمة كاتب خالد القشري:
((أن ديوانبان خالد أخرج من ديوانه وثيقة على بعض المتضمنين فدفعها إليه ببر تعجله منه لله فدعا به خالد وأمر بقطع يده بين يديه، فقال له: ((استبقني، أصلح الله الأمير!))، فقال: ((وما يكون من مثلك؟))، فقال له: ((إن لم يقدر في الزمان رفعتي إلى منزلتك، فلا تأمنه على حطك إلى منزلتي، فيكون مني ما تحمده!))، فقال خالد: ((أطلقوه ففيه عظيم!)).
فلم يمض حول حتى ورد العراق يوسف بن عمر متوليا لعمله فحبسه في حجرة من ديوانه، ووكل بباب الحجرة جماعة. فتدسس الديوانبان حتى دخل في جملتهم، وتلطف للجماعة حتى رأسها بالخبرة وحسن المداخلة. وتحرم خالد طعام يوسف بن عمر -خوفا من أن يكون مسموما- فطوى.
وتأمل من ذلك الديوانبان، فجعل في منديل نظيف ما يكف جوعته من طعام قد تأنق فيه، ودخل إليه كالمتجسس عن حاله، فقال له: ((أنا الديوانبان الذي عفوت عنه، وهذا طعام تأمن فيه ما تخافه من غرة)). فأقام أياما يأتيه من طرائف الأطعمة والفواكه ما ينسى به وحشته، ويكف فاقته، ثم دخل إليه فقال: ((ليس هذا الذي أفعله مقدار ما يقتضيه إحسانك إلي؛ وقد استأجرت الدار التي في هذه الحجرة، وأحضرت قوما أثق بهم من حذاق النقابين، حتى نقبت سربا إلى موضعك، ولم يبق إلا أن تركض بعض بلاط هذا المجلس ركضة فتفضي إلى السرب.
وقد أعددت في الدار نجيبين أحدهما لك والآخر لي)).
فلما صلى الديوانبان العصر أغلق الباب، ومضى إلى الموضع المكترى، وركض خالد الموضع وخرج من السرب، وركبا نجيبيهما وحثا المسير. فما فطن بخالد إلا في غد ذلك اليوم، فطلبته الخيل والنجب ففاتها. ولم يزل يوضع في البلاد حتى لحق مسلمة بن عبد الملك، فشفع له إلى هشام ورده إلى عمله.
Page 5
2 - وحدثني هارون بن ملول، قال:
((كنت عند أحمد بن خالد الصريفي -وهو يتولى الخراج بمصر، ووجوهها عنده، وقد أكب على حاصل ما استخرج في أمسه، وهو يقابل به ثبت المصادرة-، فقال لصاحب حمالته: ((ما أرى اسم فلان المتضمن في هذا الحاصل، وقد صادرنا بالأمس على خمس مائة دينار؟)) فقال: ((ما صح له شيء!)) فقال: ابعث إليه من يسحبه صاغرا حتى يحمله على خطة المطالبة))، فقال له رجل من المتضمنين يعرف بما شاء الله بن مرزوق: ((الخمس المائة -أيدك الله- تصح لهذا الرجل في هذه العشية إن شاء الله، إن أعفى مما قد أمرت به فيه))، فقال: ((هي عليك؟))، فقال: ((نعم!))، فتقدم إلى صاحب الحمالة ألا يعرض له، فالتفت إلي ما شاء الله فقال: ((تعرف هذا الرجل؟))، فقلت: ((نعم! ومن العجب ألا تعرفه!))، فقال: ((يا أخي أمر في رجل يجري مجرانا في معاشنا بما لم أطق والله احتماله، وعندي ضعف ما طولب به، وكانت صيانته أحب إلي مما حويته. فإذا لقيته فعرفه أني أورد المال عنه لئلا يورد المال مضعفا)).
وانصرفت من مجلس أحمد بن خالد، فلقيت الرجل في طريقي، وهو مجدود، فسألته عن خبره وأخبرته الخبر، فقال: ((يا أخي! وما في هذا من #8# الفرج؟ إنما انتقلت من غم إلى رق! ومتى أقضي إلى هذا الرجل إحسانه إلي؟ والله لوددت أن أمر السلطان نفذ في، ولم أتحمل هذه العارفة منه!)).
قال أحمد بن يوسف، فقال لي هارون: ((وحضرت [موت] ما شاء الله بن مرزوق بعد هذا بأربع سنين -في الوقت الذي توفي- فاتفق أن كان إلى جانبي رجل قد ألقى بعض ردائه على وجهه، وهو يعج بالبكاء والشهيق، ثم كشف وجهه فكان الرجل الذي أورد ما شاء الله عنه الخمس مائة الدينار. فقال: ((من الوصي من جماعتكم))، فقال له الوصي: ((هأنذا!))، فقال: ((عندي لهذا الرجل رحمه الله ألفا دينار وخمس مائة دينار، فقلت له: ((حدثت بينكما معاملة بعدي؟))، فقال: ((لا والله، ولكنها الخمس مائة الدينار، صرت بها إليه عند تيسرها فقال: ((وما [أبغي بها]؟ تكون عندك إلى أوان حاجتي إليها)). فسألته [الإذن] في شغلها. فقال: ((هو مالك، اعمل به ما شئت)) فلم تزل تنمي وتزيد حتى بلغت هذا المقدار. فقال هارون: ((ووجدت ما خلفه ما شاء الله لبنات كن معه شيئا نزرا، فجبرهن الله بذلك المال)).
Page 7
3 - وحدثني أحمد بن دعيم -وكان من خاصة قواد أحمد بن طولون- بعد أن ترك الديوان، وحسن انقطاعه إلى الله، قال: ((قلدني أحمد بن طولون الصعيد الأوسط. وخرج عليه سوار أبو عبد الرحمن العمري، فكتب إلي يستخبرني عن حاله، فأعلمته ضعف يده، وانتشار أمره لقلة المال. وقبضت على رئيس من الأعراب اتهمته بمكاتبته وأنهيت خبره إليه. فكتب إلي أحمد بن #9# طولون: يأمرني بحمل الأعرابي، [وجمع ] ما قدرت عليه من النجب، والشخوص إليه؛ ليقف من مشافهتي على مالا تبلغه المكاتبة. فامتثلت أمره.
فما سرت مرحلة حتى لحق بي وجوه تجار العمل، ومعهم شاب أعرابي، وقالوا لي: ((جئناك في أمر هذا الأعرابي المحمول، فإن معنا من يبذل في إطلاقه خمس مائة دينار))؛ فقلت لهم: ((قد أنهيت أمره إلى الأمير!))؛ فقال الأعرابي الذي معهم: ((فخذ الخمس مائة على أن تجعلني مكانه))؛ قلت: ((أفعل)). فأحضرت الأعرابي؛ وكان من عشيرتي؛ فقلت له: ((والله لقد كنت مغموما بك حتى سرني خلاصك!))؛ قال: ((بماذا تخلصت؟ فقلت: ((بذل لي رجل خمس مائة دينار على أن يكون بمكانك وأطلقك!)).
فقال: ((ومن هذا الرجل؟))؛ فأحضرته إياه. فلما رآه قال: ((امض لشأنك))، ثم التفت إلي فقال: ((يحسن بشيخ مثلي أن يتربح في المعروف؟ هذا رجل لقيته وقد أكبت عليه خيل لتسلبه ثيابه وما كان معه، ففرقتها عنه حتى تخلص، فرام أن يخلصني بحصوله في موضع لا يخرج منه أخرى الليالي، و[هو] غرم ثقيل على مثله. والله هذا مما لا أقبله ولا أركن إليه))، فقلت له: ((انصرف في حفظ الله فقد رضي الرجل))، فقال: ((والله لئن أمضيت هذا لألحقنك، ولأخبرن الأمير بصنيعك))، فتوقفت، وبكى الأعرابي فقال: ((إذا كان محبس الأمير على ما تصف، وليس ترجو خلاصا منه؛ فما أعمل في عارفتك عندي؟ وأنا أنشدك الله لما قبلت مني ما بذلته وأعظم منه؛ وأزلت هذه العارفة عن عنقي؛ فإن عارا ونقيصة على الكريم أن يموت وعليه دين من ديون المعروف))؛ فقال له: ((إذا رأيت رجلا أحاطت به خيل تريغ سلبه فذدتها عنه؛ فقد #10# كافأت عارفتي؛ انصرف مصاحبا)). فعرض عليه ما معه من المال؛ فقال: ((ما بي إليه حاجة!))، فأكب على رأسه ورجليه يقبلها ويبكي؛ فأبكى جماعتنا.
فلما دخلت على أحمد بن طولون شافهته من خبر العمري بما سره؛ وعرضت عليه النجب؛ فقال: ((حسنة والله))؛ فقلت: ((معي أيها الأمير ما هو أحسن من هذا)). وحدثته الحديث. فأحضر الأعرابي وخلع عليه وأثبته في ديوانه، وأمرني بإنفاذ رسولي معه في الأعرابي الآخر، فلما وافى خلع عليه وأثبته. فلم يزالا في خاصته إلى وفاته.
Page 8
4 - وحدثني موسى بن مصلح المعروف بأبي مصلح -وكان هذا من الثقات عند أحمد بن طولون-.
أن أحمد كان يراعي أمر المحبوس حتى يمضي له حول، فإذا جازه لم يذكره. وكان يقول لي سرا: ((إذا تبينت من رجل براءة ساحة فسهل عليه واستأمرني؛ فإني أستعمل التشدد للضرورة إليه)).
قال موسى بن مصلح: ((وكان في الحبس رجل قد زاد على سنتين منقطعا إلى الله برغبته؛ لا يسألنا شيئا من أمره؛ وهو يكب على الصلاة والتسبيح والتضرع إلى الله.
فقلت له يوما: ((الناس يضطربون في أمورهم؛ ويسألوني إطلاق الرقعة إلى ذوي عناياتهم؛ وأنت خارج عن جملتهم؟))، فجزاني خيرا. ورق قلبي عليه وكبر في نفسي محله، فخلوت به وقلت له: ((لو استجزت إطلاقك بغير إذن لفعلت؛ ولكن استعن بي في أمرك)). فقال: ((والله ما أعرف في هذا البلد #11# غير أبي طالب الخليج- وكان هذا الرجل يتولى شرطتي أحمد بن طولون بمصر -ولو وصلت إليه سرا؛ أو برسالة مع من يفهم، لرجوت تسهيل أمري)) فقلت له: ((والله لآتين في أمرك ما أخطر به على نفسي. أنا أطلقك سرا على أن توثقني بأيمان محرجة أنك لا تهرب عني ولا تخفرني))، فقال: ((إذا كنت عندك بمنزلة من يشك فيه؛ فلا حاجة لي بإخراجك إياي)). فوافقته -من غير يمين ارتهنته بها- على أن يقيم ثلاثة أيام، فأطلقته ليلة الجمعة، وفارقته على أن يصير إلي ليلة الاثنين.
فلما كان سحر يوم السبت، وافاني كما فتحت باب السجن، فلما دخل سجد وحمد الله، وقال لي: ((بعثت إلى أبي طالب الخليج امرأة من أهلنا وطويت عنه إطلاقي، وسألته أن يلطف في أمري فوعد بذلك، وخلف المرأة حتى ترجع إلي بالجواب. وركب إلى الأمير عشية الجمعة، فأقام إلى قريب من العتمة، ثم انصرفت إلى المرأة فقالت: ((وافى أبو طالب الأمير وهو مغموم، فقال لي: ((كلمته فيه فقال: ((والله لقد أذكرتني رجلا يحتاج إلى عقوبة!))، ثم تقدم إلى رجل أن يصير بك إليه عند جلوسه في يوم السبت، ووجه إلي أن أرجع إلى الله عز وجل في أمرك، فليتني لم أتكلم فيك!)). فسحرت -مع ما تيقنته في أمري- خوفا أن يأتيك رسوله فلا يجدني، فيلحقك مكروه منه. ورأيت كل ما يوعدني به أسهل علي من أن أخفر ظنك بي، وتقديرك لي)).
فما ترجل النهار حتى وافى الرجل فتسلمه مني. وحضرت الدار -وقد #12# أحضره أحمد بن طولون، ومجلسه بين الخاص والعام - فلما رآه بكته بالإجلاب عليه في الثغر، فاعتذر بعذر قبله، ولقيه بالرأفة، بضد ما خفته عليه، وأطلقه فكان من آثر إخواني عندي إلى أن فرقت الأيام بيني وبينه)).
Page 10
5 - وحدثني عمي إسحاق بن إبراهيم، قال:
((انتظرت أبا عبد الله الواسطي -كاتب أحمد بن طولون- في داره، حتى رجع من عند أحمد بن طولون. فأوصل إليه بعض الحجاب ثبت من وقف بالباب، فرأى فيه إسماعيل بن أسباط فسأل عنه. فقيل له: ((وقف بالباب طويلا وانصرف)). فقال: ((إن هذا الرجل ممن عمر هذه المنزلة مدة طويلة، ولست أشك أن مجيئه لحاجة له، ومن الجميل أن أركب إليه فأقتضيه حوائجه، وأبلغ فيها محبته)). ثم ركب وسرت معه، حتى دخلنا دار إسماعيل بن أسباط -وهي التي ملكها الشير بعده-، فرأينا دارا عارية من الستور والفرش، وتأملنا من فيها من الحشم على حال سيئة. فاستقبله إسماعيل بالشكر والدعاء له، فقال له الواسطي: ((إنه لا فرق بينك الساعة عندي في المرتبة التي كنت فيها. ومن جمالنا فيما أفضى إلينا أن نحسن فيه خلافة من تقدمنا، وأن نراهم كالآباء المستحقين البر من أولادهم))، وسأله عن حاجته، فقال: ((أخبرك بها بعد أن أحدثك بشيء يدل على أن المعروف ينفع عند مستحقه من غير المستوجبين له)).
((كانت لي -أيدك الله- دار خيل نحو المنظر، وكنت أركب إليها في غداة الليلة التي أعاقر فيها إخواني. فركبت إليها يوما فألفيت في الصحراء، جمعا من العامة، وقد ضاقت بهم، ومعهم عامل المعونة. واستقبلتني امرأة قد هتكت #13# سترها، وكشفت شعرها، فقالت: ((يا سيدي! أخي ، وواحدي، وكافلي، يعرض على القتل الساعة!)). فعدلت إلى صاحب المعونة وسألته عن حال الناس، فقال: ((اجتمعنا لضرب خناق بالسوط))، فقلت له بحضرة الناس: ((ما حق هذا إلا الإحراق بالنار، وأنا أكتب فيه إلى السلطان))، فأعلن الجميع بالدعاء لي، وانصرفوا. فسألته البعثة بالخناق إلي، فوعدني بذلك في المساء. فلما صليت عشاء الآخرة أنفذ إلي منه شابا مكفهر الوجه لا تخفى قسوته، فقلت له: ((أما تستحي من الله وتخافه في طعمتك؟))، فقال: ((يا سيدي! أنا أشهد الله أني لا أعاود هذا الفعل أبدا))، فأوصيته بخير، وأضفت إليه من أخرجه عن البلد في حال ستر)).
((وأقمنا بعد ذلك سنين، وتقاصرت أمورنا وتغيرت أحوالنا بتقليد إسحاق بن تميم علينا. فلما بلحنا بما نطالب به، أشخصني وأخي أحمد إلى الحضرة، فطالبنا الوزير بما لفقه ابن تميم علينا، فشكونا إليه شدة اختلالنا، فقال: فلان!)) فوافاه رجل بمنزلة أثيرة عنده: غليظ الطبع، كريه الوجه، تتأمل الشر في سجاياه، فقال: ((استخرج من هذين مائة ألف دينار اليوم)).
فانتزعنا من بين يديه بفظاظة أيقنتنا بالهلكة، ثم صار بنا إلى حجرة له في دار الوزير، فسألنا عن بلدنا ونسبتنا، فلما سمع ((أسباط)) سكن فوره ورق قلبه، وقال: ((من تكونون من إسماعيل؟)) فقلت: ((أنا إسماعيل!)) فبكى وأنكب على رأسي ورجلي، وقال لي: ((يا سيدي أتعرفني؟)) قلت: ((لا))، قال: ((أنا الخناق الذي أطلقتني بمصر! ووالله ما خنقت أحدا بحمد الله بعد إطلاقي، ولكن شراسة طبعي عدلت بي عن الزهادة إلى ما دون الخنق، وهو استخراجي للوزير الأموال بالتعذيب، وقد وجد عندي فيه ما لم يجده عند غيري)). ثم طعن في تلك الحجرة فأخرج إلي صندوقا يحمله غلامان، فقال: ((في هذا من #14# المال والحلي ما نكتفي به، فقوموا بنا حتى نهرب لئلا يقع بكم باس)). فأعلمته أنا نخاف في الهرب تتبع الولد والأهل: فرجع إلى الوزير يبكي بين يديه ويحدثه محلنا -كان- وما أوليناه، فعجب الوزير من رقته علينا، لما وقف عليه من فظاظته، وكان -شهد الله- أقوى الأسباب في دفع المطالبة عنا .
((ثم سأل أبا عبد الله الواسطي -بعد هذا الحديث- حوائج وقع بها في مجلسه، ووكل بها متنجزا من خاصته، ولم تزل ألطافه تعتاده إلى أن توفي)).
Page 12
6 - وحدثني يوسف بن إبراهيم والدي، قال: حدثني إبراهيم بن المهدي عن إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه:
أنه كان مع أبي عبد الله محمد بن علي -أبي الخلفاء- برصافة هشام بعد وفاة أبي محمد علي بن عبد الله، وأنه أقام ثلاثة أشهر برصافة هشام لا يأذن له هشام عليه، إلى أن بلغ أبا عبد الله إجماع مسلمة القدوم على هشام، #15# فتلقاه على أميال من الرصافة، وشكى إليه جفوة هشام وتأخيره الإذن عليه. فقال له مسلمة: ((أرجو أن يزول هذا بقدومي))، وأمره أن يقيم بباب هشام إذا دخل عليه مسلمة، ولا يريم ما أقام مسلمة عنده؛ فأقام أبو عبد الله إلى وقت زوال الشمس.
قال عيسى بن علي: فخرج مسلمة إليه، فقال له: ((قوض رحلك أبا عبد الله! فما لك عند الرجل من خير! لأني خاطبته في أمرك -بعد ما تقضى سلامي عليه-: ((محمد بن علي بن عبد الله على شابكة رحمه برسول الله صلى الله عليه وسلم، يقيم ثلاثة أشهر ببابك فلا يؤذن له عليك؟)). فقال: ((أله عنه أبا سعيد))، فأمسكت حتى حضر الطعام، فأعلمته أني لا أستجيز الأكل وإنه قائم على الباب! فغضب غضبا زاد به حوله، وقال: ((يسمي ابنيه عبد الله وعبد الله، ويرجو بهذا أن يليا الخلافة، ثم يطمع في خير مني! والله لولا ماسة رحمه برسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعت من وسطه شبرا)).
ثم عانق أبا عبد الله، قال: ((رسولي إليك صائر)). فرجع أبو عبد الله إلى رحله فقوضه، وبقي في حيرة لعجزه عما ينهضه. ووافاه رسول مسلمة يقول: ((لم أقدر في سفري هذا طول اللبث، وأشهد الله أني ما حملت معي إلا ألفا وثلاثمائة دينار، وقد وجهت إليك بالألف، وخلفت الثلاثمائة لنفقتي)) قال إبراهيم بن المهدي: فحدث بهذا الحديث الرشيد في حديثة الموصل فبكى، وقال: ((وصلت أبا سعيد رحم، والله لا دخلت الرقة حتى أقضي عارفته عندنا!)). فلما وافينا حصن مسلمة، أحصى من فيه من ولده الذكور والإناث فوجدهم أربعين، فأمر لهم بأربعين ألف دينار)).
Page 14
7 - وحدثني أحمد بن وليد، قال:
((ودعت إسحاق بن نصير العبادي في بعض خرجاتي إلى بغداد، فأخرج إلي ثلاثة آلاف دينار وقال: ((إذا دخلت بغداد، فادفع ألف دينار إلى ثعلب، وألف دينار إلى المبرد، وصر إلى قصر وضاح فانظر إلى أول دكان للوراقين، فإنك تجد صاحبها -إن كان حيا لم يمت- قد شاخ، فاجلس إليه وقل له: ((إسحاق بن نصير يقرأ عليك السلام: وهو الغلام الذي كان يقصدك كل عشية -راجلا من دار الروميين- بدراعة وعمامة ونعل رقيقة. فيستعير منك الكتاب بعد الكتاب، فإذا اقتضيته كراء ما نسخ منه قال: ((اصبر علي إلى الصنع)). فإذا استقرت معرفتي في نفسه دفعت إليه هذه الألف الدينار وقلت له: ((هذه ثمرة صبرك علي)).
قال لي أحمد بن وليد: فلما دخلت بغداد -ودفعت الألفي دينار إلى ثعلب والمبرد-، مضيت إلى قصر وضاح، فألفيت الدكان التي وصف لي قفرا ليس فيه كتاب، ورأيت فيها الشيخ الذي وصفه لي في حال رثة وثياب خلقة، وقد أفضى به الأمر إلى التوريق للناس. فجلست إليه وسألته عن حاله، فقال: ((يا أخي! ما ظنك بحال: ما تتأمله في أحسن ما فيها؟)) ثم خرجنا إلى المسألة إلى أشياء #17# كان فيها خبر إسحاق بن نصير، فقال: ((قد كان يجيئني من دار الروميين غلام -ووصفه- فأسمح له بالنسخة بعد النسخة -يقال له: ((إسحاق))، وكان يعدني في كل شيء يأخذه إلى الصنع، وأخبرت أنه وقع بنواحي مصر وما حصل لي منه شيء!؟ فأخرجت الألف الدينار وقلت له: يقول لك: ((هذه ثمرة صبرك))، فكاد والله يموت فرحا. فقلت له: ((ليست دراهم وهي دنانير!)). وانصرفت عنه وهو أحسن من في سوقه حالا.
قال لي أحمد بن وليد: واجتزت بعد ذلك فرأيت دكانه معمورة، وهو متصدر فيها على أحسن حال وأوفاها)).
Page 16
8 - وكان بنحو دار العنقود شيخ يتنخس في الدواب -يعرف بابن الزنق- قد لحق بمصر أكابرها، ورأيته في أيام أحمد بن طولون قد علت سنه، وضعف عن التصرف. وكان له ابن أخت -خفيف الروح، مقبول الصورة، حلو الألفاظ، يتنخس في الدواب -فخف على قلب القاسم بن شعبة. وكان شعبة من أكابر أصحاب أحمد بن طولون، ومات في طاعته، فرد إلى القاسم ابنه إحدى الشرطتين بمصر. فانصرف ابن أخت ابن الزنق من عند القاسم وقد خلع عليه دراعة خز من تحتها جبة ملحم، فنظر إليها خاله ابن الزنق، فقال: ((ما هذه الخلعة الرائعة؟))، فقال: ((خلعها علي القائد!))، يريد القاسم بن شعبة. فقال: ((يا بني! إن كنت تصبر على التدلي معه في محنه، كما تتدلى في نعمه، وإلا فاعتزله، ولا تفضحنا بالقعود عنه في نوائبه))، فقال: ((أرجو أن يصونه الله وما أنعم عليه به، من نائبة تلحقه، أو مكروه يقع به))، فقال: ((وأنا أرجو هذا أيضا له، ولكن ينبغي أن لا تنسى نصيبه منك في الشدة، كما عني بك في النعمة)).
واتصل بأحمد بن طولون عن القاسم بن شعبة شيء أنكره، فحبسه ووكل بداره جماعة، واختفى النخاس في دار خاله. فسأله بعد يومين عن سبب ملازمته المنزل، فقال: ((وجدت علة))، إلى أن اتصل الخبر بالشيخ، فدخل إلى ابن أخته فقال: ((قبحك الله! سرقت معروف هذا القائد، وخليته يقارع شجوه بمحنته؟!)). وأسرج حمارا له وركبه، وجيرانه يناشدونه الله ألا يفعل، فقال: والله القتل أحسن مما أتى به هذا الوغد)).
ثم قصد دار القاسم بن شعبة -وعليها جماعة من الموكلين وأصحاب الأخبار، فوقف على الباب فقال: ((كيف حال القائد أبي محمد أيده الله؟))، فقالوا: ((امض يا شيخ))، فقال: ((ما أمضي حتى أبلي عذرا! هذا رجل قد لزمتني له عارفة، وهذا أوان قضائها)). فوقع خبره إلى أحمد بن طولون فأحضره، وقال: ((ما كنت تعمله للقاسم بن شعبة؟))، قال: ((أولاني في بعض أقاربي جميلا، فانتصبت الساعة لما يحتاج إليه؛ وما أحق الأمير أن يفضلني بحسن المكافأة عن طاعة والده ، فقد كان مشهورا بها!)).
فحدثني أبو العباس الطرسوسي. أن أحمد بن طولون قال له في هذا المجلس: ((ما أحسن ما اهتدى هذا الشيخ إلى إذكاري بحق قاسم وعطفني عليه!)). ثم أحضر القاسم بن شعبة وخلع عليه خلعة رضى، وصرفه إلى منزله، وعدل الشيخ ولم يدخل معه داره؛ وانصرف إلى بيته وقد قام بما قعد عنه ابن أخته.
Page 17