بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
إذا وجد المختصون في علم ما فائدة ومتعة حين يخلون بأنفسهم إلى تراجم من سبقهم في هذا العلم، فإن متعتهم بتاريخ العلم نفسه أحفل وأعظم.
إننا نثني عادة على من يؤلف كتابا في حياة عالم، إذ يتيح لنا أن نعايشه فنعاين جده ودأبه، ونلذ نضاله لكشف الغامض ودفع العلم إلى الأمام ولو خطوة، ونجد الأسوة في استهانته بالعراقيل والمعوقات، ووقوفه للزمان والحساد والخصوم والجاهلين، وإن في حياة كل عالم من هذا لنصيبا؛
لذلك نشكر لهذا المؤلف ما يسر لنا من لذائذ سامية.
لكن المسهم في تاريخ العلم لا يحصل على الشكر والثناء في وقت قصير، وقد يقتضيه سطر واحد يخطه في تاريخ العلم من الجهد وطول العمل ما لم يعانه المؤلف الأول في مجلد. ومن ظن أن حياة باحث تفي بتاريخ علم فقد ظن باطلا، إنما يتم ذلك بتضافر جهود الباحثين في أجيال متلاحقة: يتسلم كل جيل تراث من قبله ويعمل في دأب وروية ليتقدم به قليلا أو كثيرا. وموضوعنا في هذه الدراسة: من تاريخ النحو العربي.
وبعد، فماذا يراد من كلمة "مذهب" أو "مدرسة" حين يقال في علوم اللغة العربية: مذهب البصريين أو مدرسة الكوفيين؟
1 / 3
إن نظرة فاحصة في دراسات المحدثين تقودنا إلى الشك في بعض ما عدوه من المسلمات انسحابا على أذيال بعض القدماء ممن تكلم في النحو والنحاة.
لقد أدار هؤلاء التصنيف على البلدان فقالوا: "نحاة الكوفة" و"نحاة البصرة" و"نحاة بغداد" حين ألفوا في الطبقات. فساق هذا -مع تساهل كبير- إلى أن قيل فيما بعد: "مذهب البصريين" و"مذهب الكوفيين" و"مذهب البغداديين".
وقد حان الوقت لتصحيح هذه التسمية، فالأقدمون ومن تأثر بنظرتهم من المحدثين جعلوا البصريين أهل القياس؛ لأن من ضبطه منهم كثيرون جدا ولهم فيه عناية بالغة، على حين عدوا الكوفيين أهل سماع؛ لأنهم سجلوا كل ما سمعوا، وأراغوا القياس عليه فلم يحكموه إحكام الأولين وإن أربوا عليهم في السماع مقدارا لا ضبطا وجودة.
هذه الصفحات محاولة في وضع الأمور في نصابها حيال ما يسمى بالمدارس أو بالمذاهب النحوية من جهة، ووقفة تاريخية فاحصة متروية عند نشأة هذا الفن من جهة أخرى.
والفن أو العلم كائن حي يخضع لما يخضع له الأحياء من سنن الحياة: يبدأ جنينا فرضيعا فطفلا فيافعا ففتى فشابا ...
وحول نشأة النحو بعض غموض اجتهدت في جلائه بما لدي من أضواء، ممتحنا الأخبار والروايات، متحريا فيها ما يشبه الحق وطبيعة الأشياء؛ حتى إذا اطمأننت إلى نتيجة أثبتها بعد امتحانها، ضاربا صفحا عن سطحيات وعناوين وتهاويل كثيرة يسميها أصحابها دراسات، الموضوع منها والمترجم سواء.
ورأيت أن ألحق بهذه الدراسة نصوصا مختارة لستة مؤلفين عظام في هذا الفن، تقوم كتبهم معالم في طريقه الطويلة، مع موجز من تراجمهم كما
1 / 4
وردت في "بغية الوعاة" للسيوطي مع اختصار أحيانا، وتعريف يسير بكتبهم التي اخترنا منها نصا أو أكثر١، بحيث تتبين للمطالع ملامح واضحة من الطريق الذي شقه النحو على مدى العصور. وسيعجب القارئ حين يرى أنه بدأ بقمة شامخة هي كتاب سيبويه، ثم أخذ ينحدر مع الزمان ...
ظاهرة غريبة لا أعرف لها مثيلا في تاريخ العلوم والفنون.
ولئن أسعف هذا الملحق من يبتغي النظرة العجلى، فإنه لن يغني بحال عن الدراسة الشخصية المتوسعة المتأنية التي يجب أن يقوم بها مستقلا الباحث أو الطالب الجامعى: إمعان في الآثار وتأن في استنباط النتائج، وصبر على ما يتطلبه البحث من جهد ووقت.
والله المسئول أن يأخذ بأيدينا ويسدد خطانا في خدمة العلم الخالص، متعلمين ومعلمين.
بيروت: الجامعة اللبنانية "قسم اللغة العربية"
سعيد الأفغاني
١ مراعين في اختيارها حاجة الدارسين في شهادة "فقه اللغة العربية" في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.
1 / 5
توطئة تاريخية
مدخل
...
توطئة تاريخية:
جاء الإسلام واللغة العربية مستكملة أدوات التعبير، ولها تراث أدبي حافل مفصح عن شتى المشاعر الوجدانية والاجتماعية، قد اتفقت الكلمة على الاعتداد بهذا التراث والإعجاب به منذ عصر الجاهلية حتى اليوم.
والعرب أمة فصاحة وبلاغة تتأثر بالبيان الرفيع والجملة الوجيزة الموحية، وكانت أسواق العرب في جاهليتها قد قامت بالاصطفاء من لغات القبائل١، وأخذ الشعراء والبلغاء أنفسهم بما أجمعوا على استحسانه منها حتى تنافسوا في ذلك وأصبحت هذه اللغة المصطفاة هي المتفق على التعبير بها عما يخالج النفوس من أغراض وأحاسيس. وصرنا نسمع شبه هذا الإجماع على سلامة لغة قبائل الجزيرة والطعن بلغات أهل السواحل؛ لمخالطتهم الأجانب في الأسفار والتجارات.
١ انظر في كتابنا "أسواق العرب في الجاهلية والإسلام" فصل سوق عكاظ.
1 / 7
فلما كانت الفتوحات واختلاط العرب الفاتحين بالشعوب التي كانت تحت سيطرة الفرس والبيزنطيين والأحباش، ودخول كثير من هؤلاء في الإسلام، واضطرارهم إلى تعلم ما استطاعوا من العربية، وكان بين العرب الفاتحين وهؤلاء الشعوب اختلاط وأخذ وعطاء، تسرب الفساد إلى لغة كثير من العرب وبدأ يسمع لحن في التخاطب، قليلا في الأول ثم أخذ في الانتشار حتى لفت إليه أنظار المسئولين وغيرهم من أهل الحل والعقد.
يعتبر اللحن الباعث الأول على تدوين اللغة وجمعها وعلى استنباط قواعد النحو وتصنيفها؛ فقد كانت حوادثه المتتابعة نذير الخطر الذي هب على صوته أولو الغيرة على العربية والإسلام، ولا بأس من عرض تاريخي سريع لبعض أحداثه المتتابعة:
بوادر اللحن:
بدأ اللحن قليلا خفيفا منذ أيام الرسول على ما يظهر، فقد لحن رجل بحضرته فقال: "أرشدوا أخاكم؛ فإنه قد ضل" ١ والظاهر أيضا أنه كان معروفا بهذا الاسم نفسه "اللحن" بدليل أن السيوطي روى عن رسول الله ﷺ قوله: "أنا من قريش ونشأت في بني سعد، فأنى لي اللحن"٢ وقد كان أبو بكر
١ الخصائص لابن جني ٢/ ٨ "مطبعة دار الكتب المصرية ١٩٥٠". وروي في إرشاد الأريب عن عبد الله بن مسعود ١/ ٨٢.
٢ المزهر للسيوطي ٢/ ٣٩٧ طبعة "دار إحياء الكتب العربية، القاهرة "بعناية محمد أحمد جاد المولى ورفيقيه"، ورواه السيوطي في الجامع الصغير عن الطبراني، وقد ضعفه المحدثون.
1 / 8
الصديق يقول: "لأن أقرأ فأسقط أحب إلي من أن أقرأ فألحن".
فإذا بلغنا عهد عمر رأينا المصادر تثبت عددا من حوادث اللحن. فتذكر أن١ عمر مر على قوم يسيئون الرمي فقرعهم فقالوا: "إنا قوم متعلمين" فأعرض مغضبا وقال: "والله لخطؤكم في لسانكم أشد علي من خطئكم في رميكم" سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رحم الله امرأ أصلح من لسانه" وورد إلى عمر كتاب أوله: "من أبو موسى الأشعري" فكتب عمر لأبي موسى بضرب الكاتب٢ سوطا. والأنكى من ذلك تسرب اللحن إلى قراءة الناس للقرآن، فقد قدم أعرابي في خلافة عمر فقال: "من يقرئني شيئا مما أنزل على محمد؟ " فأقرأه رجل سورة براءة بهذا اللحن:
"وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسولِهِ ... "٣ فقال الأعرابي: "إن يكن الله بريئا من رسوله، فأنا أبرأ منه" فبلغ عمر مقالة الأعرابي فدعاه فقال: يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة ... وقص القصة فقال عمر: "ليس هكذا يا أعرابي" فقال: "كيف هي يا أمير المؤمنين؟ " فقال: ﴿أن اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ فقال الأعرابي: "وأنا أبرأ ممن برئ الله ورسوله
١ إرشاد الأريب ١/ ٦٧ مطبوعات دار المأمون، والأضداد لابن الأنباري ص٢٤٤ طبع حكومة الكويت.
٢ هو أبو الحصين بن أبي الحر العنبري كما في وفيات الأعيان "٥/ ٩٩"، وكان أبو موسى قد استكتبه بعد زياد.
٣ سورة التوبة ٩/ ٣.
1 / 9
منهم". فأمر عمر ألا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة١. ولعمر تنسب تلك المقولة المأثورة: "تعلموا العربية؛ فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة"٢.
ومر عمر برجلين يرميان فقال أحدهما للآخر: "أسبت" فقال عمر: "سوء اللحن أشد من سوء الرمي"٣ فجعل إبدال الصاد سينا من اللحن.
وتكاد قصة بنت أبي الأسود تكون المعْلم المشهور في تاريخ النحو: فقد دخل عليها أبوها في وقدة الحر بالبصرة فقالت له: "يا أبت، ما أشدُّ الحر! " رفعت "أشد" فظنها تسأله وتستفهم منه: أي زمان الحر أشد؟ فقال لها: "شهرا ناجر".
فقالت: "يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك"٤.
١ نزهة الألباء ص٧، وتهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ٧/ ١١٠ مطبعة الترقي بدمشق ١٣٥١هـ، وانظر الخصائص لابن جني ٢/ ٨ وعيون الأخبار، وانظر مراتب النحويين ص١٨. هذا وروايات اللحن في هذه الآية لا تتفق على وتيرة، فمنها ما يجعل هذه القصة في زمن زياد، وأن زيادا هو الذي طلب من أبي الأسود وضع شيء يقيم عوج الألسنة اللاحنة، فأبى أبو الأسود، فبعث زياد رجلا يقعد له بطريقه، وأمره أن يقرأ شيئا من القرآن ويتعمد اللحن، فقرأ: ".. أن الله بريء من المشركين ورسولِهِ.." بالجر، فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال: "عز وجه الله، إن الله لا يبرأ من رسوله" ثم رجع من فوره إلى زياد فقال: "يا هذا قد أجبتك إلى ما سألت". انظر كتاب "الف باء" للبلوي ١/ ٤٦، ولا يبعد الجمع بين الروايات.
٢ إرشاد الأريب ١/ ٧٧ وفي ص"٧٨" أن الزهري كان يقول: "ما أحدث الناس مروءة أحب إلي من تعلم النحو". هذا وقد زعموا أن عمر بن الخطاب كان يضرب أولاده على اللحن ولا يضربهم على الخطأ "ص٧٩" وأن ابنه عبد الله كذلك "ص٨٩".
٣ البخاري في "الأدب المفرد" ص٢٢٧.
٤ وتتمة الخبر في الأغاني للأصفهاني "١١/ ١٠١": أنه دخل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين ذهبت لغة العرب لما خالطت العجم، وأوشك أن تطاول عليها زمان أن تضمحل" وأخبره خبر ابنته ... فأملى عليه: إن الكلام كله =
1 / 10
ونتقدم خطوة في الزمن فيقص علينا ابن قتيبة أن رجلا دخل على زياد فقال له: "إن أبينا هلك وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا" فقال زياد: "ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع من مالك"، وأن أعرابيا سمع مؤذنا يقول: "أشهد أن محمدا رسولُ الله" فقال: "ويحك، يفعل ماذا؟ "١.
وأن أعرابيا دخل السوق "فسمعهم يلحنون فقال: سبحان الله! يلحنون ويربحون، ونحن لا نلحن ولا نربح! "٢.
وروى الجاحظ أن "أول لحن سمع بالبادية: هذه عصاتي "بدل عصاي" وأول لحن سمع بالعراق: حيِّ على الفلاح "بكسر الياء بدل فتحها""٢.
ثم شاع في العصر الأموي حتى تطرق إلى البلغاء من الخلفاء والأمراء كعبد الملك والحجاج، والناس يومئذ تتعاير به، وكان مما يسقط الرجل في المجتمع أن يلحن، حتى قال عبد الملك وقد قيل له: "أسرع إليك الشيب": "شيبني ارتقاء المنابر مخافة اللحن"٣. وكان يقول: "إن الرجل يسألني الحاجة فتستجيب
= لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، وهذا القول أول كتاب سيبويه. ثم رسم أصول النحو كلها فنقلها النحويون وفرعوها. ا. هـ قلت: هذه إحدى روايات مشهورة في أولية النحو، وبعد صفحة نجد أبا الفرج يروي عن ابن أبي الأسود قوله: "أول باب وضعته في النحو: التعجب".
وفي الحادث الذي حفز أبا الأسود على وضع ما وضع روايات عدة، قد يأتي بعضها في بحث الخلاف، وانظر واحدة يرويها الزبيدي في كتابه طبقات النحويين واللغويين ص١٥ وفي النفس شيء من نسبة الأولية في وضع النحو، وسائر العلوم لعلي بن أبي طالب.
١ عيون الأخبار ٢/ ١٥٩، ومر أبو عمرو بن العلاء بالبصرة فإذا أعدال مطروحة مكتوب عليها: "لأبو فلان" فقال: "يا رب يلحنون، ويرزقون" إنباه الرواة ٢/ ٣١٩.
٢ البيان والتبيين ٢/ ٢١٩.
٣ مخطوطة الظاهرية من تاريخ دمشق لابن عساكر رقم ٢٢ تاريخ ج٥ الورقة ٤٩٠/ ١.
1 / 11
نفسي له بها، فإذا لحن انصرفت نفسي عنها"١ وكان يرى اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس٢.
والحجاج على أنه من الخطباء الأبيناء البلغاء، كان في طبعه تقزز من اللحن أن يقع منه أو من غيره، فإذا وقع منه حرص على ستره وإبعاد من اطلع عليه منه، ذكروا أنه سأل يحيى بن يعمر الليثي: "أتسمعني ألحن على المنبر؟ " فقال يحيى: "الأمير أفصح الناس إلا أنه لم يكن يروي الشعر" قال: "أتسمعني ألحن حرفا؟ " قال: "نعم، في آي القرآن" قال: "فذاك أشنع؛ وما هو؟ " قال تقول:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ ٣ تقرؤها "أحبُّ" بالرفع، فأنف الحجاج أن يطلع له رجل على لحن، فبعث به إلى خراسان٤. وكان الحجاح يعجب بفصاحة يحيى هذا فسأله يوما: "أخبرني عن عنبسة بن سعيد: أيلحن؟ " قال: "كثيرا" قال: "أفأنا ألحن؟ " قال: "لحنا خفيفا" قال: "كيف ذلك؟ " قال: تجعل "أن، إن" و"إن، أن" ونحو ذلك. قال: "لا تساكني ببلد، اخرج"٤، وكان الرجل إذا أراد أن يفلت من عمل
١ من رسالة للجاحظ في صناعة القواد، ص٢٦٠ "رسائل الجاحظ" جمع السندوبي.
٢ عيون الأخبار ٢/ ١٥٨، ومن قول ابنه مسلمة: "اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه".
٣ سورة التوبة ٩/ ٢٤.
٤ تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ٤/ ٦٥ "روضة الشام ١٣٣٢هـ" وطبقات النحويين واللغويين ص٥.
ذكر ابن قتيبة: أن الحجاج أمَّ قوما فقرأ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ وقرأ في آخرها: =
1 / 12
للحجاج عاذ باللحن فنجا١.
وهؤلاء تطرق إليهم قليل من اللحن لبعدهم عن قومهم في الجزيرة، مع أنهم نشئوا فيها وترعرعوا واكتهلوا، فلما كان من بعدهم عظم فشو اللحن فيهم حتى كان من أعظم المصائب في نفس عبد الملك أن ابنه الوليد لَحَّانة، وأنه أخذه بتعلم العربية فلم يفلح. ونقلوا عن عبد العزيز بن مروان الأمير الأموي المعروف وهو أخو عبد الملك لحنا، على أن عبد العزيز هذا وهو من أفصح الناس كان يعطي على العربية ويحرم على اللحن، حتى قدم عليه زوار من أهل المدينة وأهل مكة من قريش فجعل يقول للرجل منهم: "من أنت؟ " فيقول: "من بني فلان" فيقول للكاتب: "أعطه مائتي دينار" حتى جاءه رجل من بني عبد الدار فقال: "من أنت؟ " فقال: "من بنو عبد الدار" فقال: "تجدها من جائزتك" وقال لكاتبه: أعطه
= "أن ربهم بهم يومئذ خبير" بفتح همزة "أن" ثم تنبه على اللام في ﴿لَخَبِيرٌ﴾ وأن "أن" قبلها لا تكون إلا مكسورة، فحذف اللام من ﴿لَخَبِيرٌ﴾ فقرأ: "أن ربهم بهم يومئذ خبير" عيون الأخبار ٢/ ١٦٠. ومع هذا فقد روي عن الأصمعي قوله: أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل: الشعبي وعبد الملك والحجاج بن يوسف وابن القرية، والحجاج أفضلهم. أمالي الزجاجي ص١٥.
١ في إرشاد الأريب "١/ ٨٧": بعث الحجاج إلى والي البصرة: أن اختر لي عشرة ممن عندك، فاختار رجالا منهم كثير بن أبي كثير وكان رجلا عربيا، قال كثير: فقلت في نفسي: "لا أفلت من الحجاج إلا باللحن". فلما أدخلنا عليه دعاني فقال: "ما اسمك؟ " قلت: "كثير" قال: "ابن من؟ " فقلت: "ابن أبا كثير" فقال: "عليك لعنة الله وعلى من بعث بك، جئوا في قفاه" فأخرجت.
1 / 13