Exhortation des Croyants tirée de Revivification des Sciences de la Religion
موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين
Enquêteur
مأمون بن محيي الدين الجنان
Maison d'édition
دار الكتب العلمية
«لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا» وَعِلَاجُ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: الِاقْتِصَادُ فِي الْمَعِيشَةِ وَالرِّفْقُ فِي الْإِنْفَاقِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْقَنَاعَةِ، فَإِنَّ مَنْ كَثُرَ خَرْجُهُ وَاتَّسَعَ إِنْفَاقُهُ لَمْ تُمْكِنْهُ الْقَنَاعَةُ، وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ»، وَعَنْهُ ﷺ: «ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ: خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ» . وَعَنْهُ ﷺ: «الِاقْتِصَادُ وَحُسْنُ السَّمْتِ وَالْهَدْيُ الصَّالِحُ جُزْءٌ مِنْ بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» .
الثَّانِي: أَنْ يَتَحَقَّقَ بِأَنَّ الرِّزْقَ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَأْتِيَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَدَّ حِرْصُهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَعْرِفَ مَا فِي الْقَنَاعَةِ مِنْ عِزِّ الِاسْتِغْنَاءِ، وَمَا فِي الْحِرْصِ وَالطَّمَعِ مِنَ الذُّلِّ وَالْمُدَاهَنَةِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكْثُرَ تَأَمُّلُهُ فِي تَنَعُّمِ الْكَفَرَةِ وَالْحَمْقَى، ثُمَّ يَنْظُرَ إِلَى أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَيَسْتَمِعَ أَحَادِيثَهُمْ، وَيُطَالِعَ أَحْوَالَهُمْ، وَيُخَيِّرَ عَقْلَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُشَابَهَةِ الْفُجَّارِ أَوِ الْأَبْرَارِ، فَيَهُونُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَالْقَنَاعَةُ بِالْيَسِيرِ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَفْهَمَ مَا فِي جَمْعِ الْمَالِ مِنَ الْخَطَرِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي آفَاتِ الْمَالِ، وَيَتِمُّ ذَلِكَ بِأَنْ يَنْظُرَ أَبَدًا إِلَى مَنْ دُونَهُ فِي الدُّنْيَا، لَا إِلَى مَنْ فَوْقَهُ. فَبِهَذِهِ الْأُمُورِ يَقْدِرُ عَلَى اكْتِسَابِ خُلُقِ الْقَنَاعَةِ، وَعِمَادُ الْأَمْرِ الصَّبْرُ.
بَيَانُ فَضِيلَةِ السَّخَاءِ
اعْلَمْ أَنَّ الْمَالَ إِنْ كَانَ مَفْقُودًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَالُ الْعَبْدِ الْقَنَاعَةَ وَقِلَّةَ الْحِرْصِ، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَالُهُ الْإِيثَارَ، وَالسَّخَاءَ، وَاصْطِنَاعَ الْمَعْرُوفِ، وَالتَّبَاعُدَ عَنِ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ، فَإِنَّ السَّخَاءَ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَهُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ النَّجَاةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: «خُلُقَانِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: حُسْنُ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءُ، وَخُلُقَانِ يَبْغَضُهُمَا: سُوءُ الْخُلُقِ وَالْبُخْلُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ» .
وَعَنْهُ ﷺ: «إِنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ: بَذْلُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَحُسْنُ الْكَلَامِ» .
وَقَالَ «أنس»: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُسْأَلْ شَيْئًا عَلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا أَعْطَاهُ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ، فَأَمَرَ لَهُ
1 / 222