Les avertissements et considérations sur les agglomérations et les vestiges
المواعظ و الإعتبار بذكر الخطط و الآثار
Maison d'édition
دار الكتب العلمية
Édition
الأولى
Année de publication
١٤١٨ هـ
Lieu d'édition
بيروت
•
Empires & Eras
Ottomans
ولد تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي بن عبد القادر العبيدي المقريزي في القاهرة سنة ٧٦٦ هـ / ١٣٦٣ م. تتلمذ على ابن خلدون وغيره. فبدأ دراساته بعلوم الشريعة وكان على خلاف أستاذه ابن دُقماق الحنفي، شافعيًا متعصبًا. أخذ علوم الحديث في القاهرة في عهد المراهقة ثم تلقى سائر العلوم. تولّى في القاهرة منصب القضاء ثم الاحتساب. هاجر إلى دمشق وتصدى للتدريس وشؤون الأوقاف في سنة ٨١١ هـ. وبعد عشر سنوات عاد إلى القاهرة ومن حينها قضى وقته بالتأليف في مجال التاريخ حيث كان شديد الحب بهذا العلم. وفي عام ٨٣٤ هـ سافر مع عائلته إلى الحج وبقي في الحجاز مدة تعرف فيها على السعودية والحبشة وهذا ما هو ظاهر في مؤلفاته التاريخية. وفي سنة ٨٣٩ هـ عاد من الحجاز إلى القاهرة وبقي فيها حتى سنة ٨٤٥ هـ وهي سنة وفاته.
كان المقريزي يتمتع بشخصية مرموقة بين سائر المؤرخين الإسلاميين المصريين من حيث دقته في الرواية ونشاطه الواسع وعمله الدؤوب وسعة دائرة أبحاثه ودراساته واهتمامه الفائق بالجانب الاجتماعي والإحصائيات السكانية التاريخية، ويمكن عدّه إلى حدّ ما مؤسسًا لمدرسة تاريخية كان لها ازدهارها في مصر آنذاك وبزغت منها أسماء مشرقة كالعيني وابن حجر من معاصري المقريزي، وأبي المحاسن، تلميذة وندّه بعد ذلك، والتنحاوي الذي كان متأخرًا عنه وغير متفائل به، ثم السيوطي وبالتالي ابن إياس الذي شهد الفتح العثماني.
كان المقريزي ولعًا بالتاريخ وخلافًا لسائر المؤلفين العرب، لم يكتب في أي مجال آخر سوى التاريخ.
Page inconnue
الجزء الاول
تقديم
بسم الله الرّحمن الرّحيم ها نحن أيها القارئ العربي العزيز نضع بين يديك كتابا جليلا من كتب تراثنا العربي ليكون لك عونا في التعرف على ماضي من سبقوا ووضعوا لبنة في بناء الحضارة العالمية، وفي مهد الحضارات وأمّ الدنيا مصر العزيزة.
هذا الكتاب، كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار والمعروف بالخطط المقريزية، نسبة لمؤلفه العلامة الجليل تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ.
والذي يؤرخ فيه لأمّ الدنيا مصر العزيزة خلال الفترة الممتدة من سنة عشرين للهجرة النبوية الشريفة وحتى سنة ست وتسعمائة. مبينا فيه ما للنيل العظيم من أثر في حياة مصر، متعرضا لمناخها وطقسها، مؤرخا للكيفية التي تمّ بها إنشاء كل من مصر والقاهرة. القاهرة التي اختط أساسها القائد جوهر من الطوب النيء، مبتدئا بحارات القاهرة وظواهرها معددا سبعا وثلاثين حارة مبينا كيفية بناءها ومن قام على هذا البناء منطلقا إلى ما لا يطلق عليه اسم حارة أو درب بل يسمّى خطا، وهي كثيرة وكل قليل تتغير أسماؤها وقد أورد ما تيسّر له منها فكانت ثلاثون خطا، مبينا ما كان عليه كل خط وما آل إليه ومن أمر بإنشائه ومن قام على إنشائه وأسباب إنشائه. منتقلا إلى ذكر الدروب والأزقة مبينا أسماءها التي كانت وماذا أصبحت وإلى من تنسب من الأشخاص وما فيها من محال ودكاكين، وكان عددها خمس وستون دربا وثمان أزقة. ثم يعدد الخوخ، والخوخة نافذة في باب كبير وعددها أربع عشرة خوخة. ثم ينتقل إلى الرحاب، والرحبة تعني الموضع الواسع والرحاب كثيرة لا تتغيّر إلّا بأن يبنى فيها وقد ذكر تسع وأربعون رحبة ثم ينتقل إلى ذكر الدور الهامة وعددها ست وخمسون دارا مسمّيا إياها بأسماء أصحابها. ثم ينتقل إلى ذكر الحمامات والقياسر والفنادق والخانات والأسواق والسويقات والحكر أو الأحكار، مترجما لها وللأمراء والسلاطين الذين عملوا على بنائها.
ثم ينتقل إلى الخلجان والقناطر والبرك والجسور التي تمّ بناءها لجرّ مياه النيل إلى الحارات والخطط.
1 / 3
ثم يؤرخ للملوك والسلاطين الذين تعاقبوا عليها منذ بناء قلعة الجبل مبتدئا بمن حكم من الأكراد، بدءا بالقائد أبو الحسن جوهر الذي قدم إلى إفريقيا بعساكر مولاه المعز لدين الله أبي تميم معدّ في سنة عشرين للهجرة، منتهيا بالملك الأشرف قانصوه الغوري الأشرفي قايتباي سنة ست وتسعمائة.
مترجما لحياتهم وكيفية وصولهم إلى السلطة وفتوحاتهم وغزواتهم وما قاموا به من خير أو شر لرعيتهم، وما بنوا وما هدموا وكان عددهم ست وخمسون سلطانا وملكا.
ثم انتقل إلى الجوامع ذاكرا بناتها والكيفية التي تمّ عليها البناء وعددها ثمان وثمانون جامعا. ثم ذكر مذاهب أهل مصر ونحلهم منذ افتتح عمرو بن العاص أرض مصر إلى أن صاروا إلى اعتقاد مذاهب الأئمة وما كان من الأحداث في ذلك.
ثم ذكر فرق الخليقة واختلاف عقائدها وتباينها، وفرق أهل الإسلام وانحصار الفرق المتهالكة في عشر طوائف هي: المعتزلة والمشبهة والقدرية والمجبرة والمرجئة والحرورية والبخارية والجهمية والروافض والخوارج، كما ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية.
ثم انتقل إلى ذكر المدارس ومن قام على بنائها والأوقاف الموقوفة عليها وما حلّ بها من تبدّل وتغير وعددها ثلاث وسبعون مدرسة. ثم انتقل إلى ذكر المساجد والمارستانات والخوانك والربط والزوايا والمشاهد والمقابر والقرافات ومساجد القرافات والجواسق والمصليّات والمعابد.
ثم انتقل إلى ذكر الملل غير الإسلامية الموجودة في مصر والقاهرة وهم اليهود والنصارى وذكر أحوالهم وكنائسهم ودياراتهم وما كان منهم وعليهم وما آلوا إليه من فرق وخلافات فيما بينهم ومع المسلمين.
ورغم كل ما يقدمه هذا العالم الجليل يعترف بتقصيره عن إتمام الكمال الذي لا يصله إلّا الله وحده.
ويختتم كتابه بحمد الله والاتكال عليه.
1 / 4
بسم الله الرّحمن الرّحيم
[مقدمة المؤلف]
الحمد لله الذي عرّف وفهم، وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم، وأسبغ على عباده نعما باطنة وظاهره، ووالى عليهم من مزيد آلائه مننا متظافرة متواترة، وبثهم في أرضه حينا يتقلبون، واستخلفهم في ماله فهم به يتنعمون، وهدى قوما إلى اقتناص شوارد المعارف والعلوم، وشوّقهم للتفنن في مسارح التدبر والركض بميادين الفهوم وأرشد قوما إلى الانقطاع من دون الخلق إليه، ووفقهم للاعتماد في كل أمر عليه وصرف آخرين عن كل مكرمة وفضيلة، وقيض لهم قرناء قادوهم إلى كل ذميمة من الأخلاق ورذيلة، وطبع على قلوب آخرين فلا يكادون يفقهون قولا، وثبطهم عن سبل الخيرات، فما استطاعوا قوّة ولا حولا، ثم حكم على الكل بالفناء ونقلهم جميعا من دار التمحيص والابتلاء إلى برزخ البيود والبلاء، وسيحشرهم أجمعين إلى دار الجزاء ليوفي كل عامل منهم عمله، ويسأله عما أعطاه وخوّله.
وعن موفقه بين يديه سبحانه وما أعدّ له لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. أحمده سبحانه حمد من علم أنه إله لا يعبد إلا إياه، ولا خالق للخلق سواه حمدا يقتضي المزيد من النعماء، ويوالي المنن بتجدّد الآلاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعبده ورسوله ونبيه وخليله سيد البشر وأفضل من مضى وغبر الجامع لمحاسن الأخلاق والسير، والمستحق لاسم الكمال على الإطلاق من البشر الذي كان نبيا وآدم بين الماء والطين، ورقم اسمه من الأزل في عليين، ثم تنقل من الأصلاب الفاخرة الزكية إلى الأرحام الطاهرة المرضية حتى بعثه الله ﷿ إلى الخلائق أجمعين، وختم به الأنبياء والمرسلين وأعطاه ما لم يعط أحدا من العالمين وعلى آله وصحابته والتابعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
وبعد، فإنّ علم التاريخ من أجل العلوم قدرا، وأشرفها عند العقلاء مكانة وخطرا، لما يحويه من المواعظ والإنذار بالرحيل إلى الآخرة عن هذه الدار والاطلاع على مكارم الأخلاق ليقتدى بها، واستعلام مذامّ الفعال ليرغب عنها أولو النهي، لا جرم إن كانت الأنفس الفاضلة به وامقة والهمم العالية إليه مائلة وله عاشقة. وقد صنف فيه الأئمة كثيرا، وضمّن الأجلّة كتبهم منه شيئا كبيرا، وكانت مصر هي مسقط رأسي، وملعب أترابي ومجمع ناسي، ومغنى عشيرتي وحامتي، وموطن خاصتي وعامّتي، وجؤجؤي الذي ربى جناحي
1 / 5
في وكره وعش مأربي فلا تهوى الأنفس غير ذكره لا زلت مذ شذوت العلم وآتاني ربي الفطانة والفهم أرغب في معرفة أخبارها وأحبّ الأشراف على الاغتراف من آبارها، وأهوى مسائلة الركبان عن سكان ديارها فقيدت بخطى في الأعوام الكثيرة، وجمعت من ذلك فوائد قل ما يجمعها كتاب، أو يحويها لعزتها وغرابتها أهاب إلّا أنها ليست بمرتبة على مثال ولا مهذبة بطريقة ما نسج على منوال، فأردت أن ألخص منها أنباء ما بديار مصر من الآثار الباقية، عن الأمم الماضية والقرون الخالية، وما بقي بفسطاط مصر من المعاهد غير ما كاد يفنيه البلى والقدم ولم يبق إلّا أن يمحو رسمها الفناء والعدم، وأذكر ما بمدينة القاهرة من آثار القصور الزاهرة، وما اشتملت عليه من الخطط والأصقاع، وحوته من المباني البديعة الأوضاع، مع التعريف بحال من أسس ذلك من أعيان الأماثل، والتنويه بذكر الذي شادها من سراة الأعاظم والأفاضل وأنثر خلال ذلك نكتا لطيفة، وحكما بديعة شريفة من غير إطالة ولا إكثار، ولا إجحاف مخل بالغرض ولا اختصار، بل وسط بين الطرفين، وطريق بين بين.
فلهذا سميته (كتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار)، وإني لأرجو أن يحظى إن شاء الله تعالى عند الملوك ولا ينبو عنه طباع العاميّ والصعلوك ويجله العالم المنتهي، ويعجب به الطالب المبتدي، وترضاه خلائق العابد الناسك، ولا يمجه سمع الخليع الفاتك ويتخذه أهل البطالة والرفاهية سمرا، ويعدّه أولو الرأي والتدبير موعظة وعبرا، يستدلون به على عظيم قدرة الله تعالى في تبديل الأبدال، ويعرفون به عجائب صنع ربنا سبحانه من تنقل الأمور إلى حال بعد حال، فإن كنت أحسنت فيما جمعت وأصبت في الذي صنعت ووضعت، فذلك من عميم منن الله تعالى وجزيل فضله وعظيم أنعمه عليّ، وجليل طوله، وإن أنا أسأت فيما فعلت وأخطأت إذ وضعت فما أجدر الإنسان بالإساءة والعيوب إذا لم يعصمه ويحفظه علام الغيوب:
وما أبرّئ نفسي أنني بشر ... أسهو وأخطىء ما لم يحمني قدر
ولا ترى عذرا أولى بذي زلل ... من أن يقول مقرّا أنني بشر
فليسبل الناظر في هذا التأليف على مؤلفه ذيل ستره إن مرّت به هفوة، وليغض تجاوزا وصفحا إن وقف منه على كبوة، أو نبوة فأيّ جواد وإن عنق ما يكبو، وأيّ عضب مهند لا يكل ولا ينبو لا سيما والخاطر بالأفكار مشغول، والعزم لالتواء الأمور وتعسرها فاتر محلول، والذهن من خطوب هذا الزمن القطوب كليل والقلب لتوالي المحن، وتواتر الإحن عليل:
يعاندني دهري كأني عدوّه ... وفي كل يوم بالكريهة يلقاني
فإن رمت شيئا جاءني منه ضدّه ... وإن راق لي يوما تكدّر في الثاني
1 / 6
اللهمّ غفرا ما هذا من التبرّم بالقضاء، ولا التضجر بالمقدور، بل إنه سقيم ونفثة مصدور يستروح أن أبدي التوجع والأنين، ويجد خفا من ثقله إذا باح بالشكوى والحنين:
ولو نظروا بين الجوانح والحشا ... رأوا من كتاب الحب في كبدي سطرا
ولو جرّبوا ما قد لقيت من الهوى ... إذا عذروني أو جعلت لهم عذرا
والله أسأل أن يحلي هذا الكتاب بالقبول عند الجلة والعلماء، كما أعوذ به من تطرّق أيدي الحساد إليه والجهلاء، وأن يهديني فيه وفيما سواه من الأقوال والأفعال إلى سواء السبيل، إنه حسبنا ونعم الوكيل وفيه جلّت قدرته لي سلوّ من كل حادث، وعليه ﷿ أتكل في جميع الحوادث، لا إله إلا هو ولا معبود سواه.
1 / 7
ذكر الرءوس الثمانية
اعلم أنّ عادة القدماء من المعلمين قد جرت أن يأتوا بالرؤوس الثمانية قبل افتتاح كل كتاب، وهي: الغرض والعنوان والمنفعة، والمرتبة، وصحة الكتاب، ومن أيّ صناعة هو وكم فيه من أجزاء، وأيّ أنحاء التعاليم المستعملة فيه فنقول:
(أما الغرض) في هذا التأليف فإنه جمع ما تفرّق من أخبار أرض مصر، وأحوال سكانها كي يلتئم من مجموعها معرفة جمل أخبار إقليم مصر وهي التي إذا حصلت في ذهن إنسان اقتدر على أن يخبر في كل وقت بما كان في أرض مصر من الآثار الباقية والبائدة ويقص أحوال من ابتدأها، ومن حلها وكيف كانت مصائر أمورهم وما يتصل بذلك على سبيل الاتباع لها بحسب ما تحصل به الفائدة الكلية بذلك الأثر.
(وأمّا عنوان هذا الكتاب) أعني الذي وسمته به فإني لما فحصت عن أخبار مصر وجدتها مختلطة متفرّقة فلم يتهيأ لي إذ جمعتها أن أجعل وضعها مرتبا على السنين لعدم ضبط وقت كل حادثة لا سيما في الأعصر الخالية، ولا أن أضعها على أسماء الناس لعلل أخر تظهر عند تصفح هذا التأليف فلهذا فرّقتها في ذكر الخطط والآثار، فاحتوى كل فصل منها على ما يلائمه ويشاكله، وصار بهذا الاعتبار قد جمع ما تفرّق وتبدّد من أخبار مصر، ولم أتحاش من تكرار الخبر إذا احتجت إليه بطريقة يستحسنها الأريب، ولا يستهجنها الفطن الأديب كي يستغني مطالع كل فصل بما فيه عما في غيره من الفصول، فلذلك سميته:
(كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) .
(وأما منفعة هذا الكتاب) فإنّ الأمر فيها يتبين من الغرض في وضعه، ومن عنوانه أعني أنّ منفعته هي أن يشرف المرء في زمن قصير على ما كان في أرض مصر من الحوادث والتغييرات في الأزمنة المتطاولة والأعوام الكثيرة، فتتهذب بتدبر ذلك نفسه وترتاض أخلاقه فيحب الخير ويفعله، ويكره الشرّ ويتجنبه، ويعرف فناء الدنيا فيحظى بالإعراض عنها، والإقبال على ما يبقى.
(وأما مرتبة هذا الكتاب) فإنه من جملة أحد قسمي العلم اللذين هما العقليّ والنقليّ، فينبغي أن يتفرّغ لمطالعته وتدبر مواعظه بعد إتقان ما تجب معرفته من العلوم النقلية والعقلية، فإنه يحصل بتدبره لمن أزال الله أكنة قلبه وغشاوة بصره نتيجة العلم بما صار إليه
1 / 9
أبناء جنسه بعد التخوّل في الأموال والجنود من الفناء والبيود، فإذا مرتبته بعد معرفة أقسام العلوم العقلية والنقلية ليعرف منه كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبل.
(وأما واضع هذا الكتاب ومرتّبه) فاسمه أحمد بن عليّ بن عبد القادر بن محمد، ويعرف بالمقريزيّ رحمه الله تعالى ولد بالقاهرة المعزية من ديار مصر بعد سنة ستين وسبعمائة من سني الهجرة المحمدية، ورتبته من العلوم ما يدل عليه هذا الكتاب وغيره مما جمعه وألفه.
(وأما من أيّ علم هذا الكتاب) فإنه من علم الأخبار وبها عرفت شرائع الله تعالى التي شرعها، وحفظت سنن أنبيائه ورسله، ودوّن هداهم الذي يقتدى به من وفقه الله تعالى إلى عبادته، وهداه إلى طاعته، وحفظه من مخالفته، وبها نقلت أخبار من مضى من الملوك والفراعنة وكيف حل بهم سخط الله تعالى لما أتوا ما نهوا عنه، وبها اقتدر الخليقة من أبناء البشر على معرفة ما دوّنوه من العلوم والصنائع، وتأتي لهم على ما غاب عنهم من الأقطار الشاسعة، والأمصار النائية وغير ذلك مما لا ينكر فضله، ولكل أمّة من أمم العرب والعجم على تباين آرائهم واختلاف عقائدهم أخبار عندهم معروفة مشهورة ذائعة بينهم، ولكل مصر من الأمصار المعمورة حوادث قد مرّت به يعرفها علماء ذلك المصر في كل عصر ولو استقصيت ما صنف علماء العرب والعجم في ذلك لتجاوز حدّ الكثرة، وعجزت القدرة البشرية عن حصره.
(وأما أجزاء هذا الكتاب فإنها سبعة): أولها: يشتمل على جمل من أخبار أرض مصر، وأحوال نيلها وخراجها وجبالها.
وثانيها: يشتمل على كثير من مدنها وأجناس أهلها.
وثالثها: يشتمل على أخبار فسطاط مصر ومن ملكها.
ورابعها: يشتمل على أخبار القاهرة وخلائقها وما كان لهم من الآثار.
وخامسها: يشتمل على ذكر ما أدركت عليه القاهرة وظواهرها من الأحوال.
وسادسها: يشتمل على ذكر قلعة الجبل وملوكها.
وسابعها: يشتمل على ذكر الأسباب التي نشأ عنها خراب إقليم مصر.
وقد تضمن كل جزء من هذه الأجزاء السبعة عدّة أقسام.
وأما أيّ أنحاء التعاليم التي قصدت في هذا الكتاب، فإني سلكت فيه ثلاثة أنحاء، وهي النقل من الكتب المصنفة في العلوم، والرواية عمن أدركت من شيخه العلم وجلة الناس، والمشاهدة لما عاينته ورأيته. فأما النقل من دواوين العلماء التي صنفوها في أنواع العلوم فإني أعزو كل نقل إلى الكتاب الذي نقلته منه لأخلص من عهدته، وأبرأ من جريرته فكثيرا ممن ضمني وإياه العصر، واشتمل علينا المصر صار لقلة إشرافه على العلوم وقصور
1 / 10
باعه في معرفة علوم التاريخ، وجهل مقالات الناس يهجم بالإنكار على ما لا يعرفه ولو أنصف لعلم أن العجز من قبله وليس ما تضمنه هذا الكتاب من العلم الذي يقطع عليه، ولا يحتاج في الشريعة إليه وحسب العالم أن يعلم ما قيل في ذلك ويقف عليه.
وأما الرواية عمن أدركت من الجلة والمشايخ فإني في الغالب والأكثر أصرح باسم من حدّثني إلا أن لا يحتاج إلى تعيينه، أو أكون قد أنسيته وقلّ ما يتفق مثل ذلك.
وأمّا ما شاهدته فإني أرجو أن أكون ولله الحمد غير متهم ولا ظنين، وقد قلت في هذه الرءوس الثمانية ما فيه قنع وكفاية، ولم يبق إلا أن أشرع فيما قصدت، وعزمي أن أجعل الكلام في كل خط من الأخطاط وفي كل أثر من الآثار على حدة ليكون العلم بما يشتمل عليه من الأخبار أجمع وأكثر فائدة وأسهل تناولا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وفوق كلّ ذي علم عليم.
(فصل): أوّل من رتب خطط مصر وآثارها، وذكر أسبابها في ديوان جمعه: أبو عمر محمد بن يوسف الكنديّ «١»، ثم كتب بعده القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعيّ «٢» كتابه المنعوت بالمختار في ذكر الخطط والآثار، ومات في سنة سبع وخمسين وأربعمائة قبل سني الشدّة، فدثر أكثر ما ذكر اه.
ولم يبق إلا يلمع وموضع بلقع بما حل بمصر من سني الشدّة المستنصرية من سنة سبع وخمسين إلى سنة أربع وستين وأربعمائة من الغلاء والوباء، فمات أهلها وخربت ديارها وتغيرت أحوالها، واستولى الخراب على عمل فوق من الطرفين بجانبي الفسطاط الغربيّ والشرقيّ. فأما الغربيّ فمن قنطرة بني وائل حيث الوراقات الآن قريبا من باب القنطرة خارج مدينة مصر إلى الشرف المعروف الآن بالرصد، وأنت مار إلى القرافة الكبرى. وأما الشرقيّ فمن طرف بركة الحبش التي تلي القرافة إلى نحو جامع أحمد بن طولون، ثم دخل أمير الجيوش بدر الجمالي مصر في سنة ست وستين وأربعمائة، وهذه المواضع خاوية على عروشها خالية من سكانها وأنيسها قد أبادهم الوباء والتباب، وشتتهم الموت والخراب ولم يبق بمصر إلا بقايا من الناس كأنهم أموات قد اصفرّت وجوههم وتغيرت سحنهم من غلاء الأسعار، وكثرة الخوف من العسكرية، وفساد طوائف العبيد والملحية، ولم يجد من يزرع الأراضي. هذا والطرقات قد انقطعت بحرا وبرّا إلا بخفارة وكلفة كثيرة، وصارت القاهرة
1 / 11
أيضا يبابا داثرة، فأباح للناس من العسكرية والملحية والأرض، وكل من وصلت قدرته إلى عمارة أن يعمر ما شاء في القاهرة مما خلا من دور الفسطاط بموت أهلها فأخذ الناس في هدم المساكن ونحوها بمصر، وعمروا بها في القاهرة، وكان هذا أوّل وقت اختط الناس فيه بالقاهرة.
ثم كان المنبه بعد القضاعي على الخطط والتعريف بها تلميذه أبو عبد الله محمد بن بركات النحويّ في تأليف لطيف نبه فيه الأفضل أبا القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي على مواضع قد اغتصبت وتملكت بعد ما كانت أحباسا ثم كتب الشريف محمد بن أسعد الجواني «١» (كتاب النقط بعجم ما أشكل من الخطط) نبه فيه على معالم قد جهلت وآثار قد دثرت، وآخر من كتب في ذلك القاضي تاج الدين محمد بن عبد الوهاب بن المتوّج «٢» (كتاب إيعاظ المتأمّل وإيقاظ المتغفل) في الخطط بيّن فيه جملا من أحوال مصر وخططها إلى أعوام بضع وعشرين وسبعمائة قد دثرت بعده معظم ذلك في وباء سنة تسع وأربعين وسبعمائة ثم في وباء سنة إحدى وستين ثم في غلاء سنة ست وسبعين وسبعمائة.
وكتب القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد «٣» الظاهر (كتاب الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة) ففتح فيه بابا كانت الحاجة داعية إليه، ثم تزايدت العمارة من بعده في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون بالقاهرة وظواهرها إلى أن كادت تضيق على أهلها حتى حل بها وباء سنة تسع وأربعين وسنة إحدى وستين ثم غلاء سنة ست وسبعين فخربت بها عدّة أماكن فلما كانت الحوادث والمحن من سنة ست وثمانمائة شمل الخراب القاهرة ومصر وعامّة الإقليم، وسأورد من ذكر الخطط ما تصل إليه قدرتي إن شاء الله تعالى.
1 / 12