Matlac Budur
مطلع البدور ومجمع البحور
قلت: وقولهما: قضيته مع المنصور مشهورة هي ما حاصله أن المنصور طلبه ذات ليلة قال الأعمش: ففكرت في نفسي، فقلت: ما دعاني في هذا الوقت لخير، ولكن عسى أن يسألني عن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فإن أخبرته قتلني، قال: فتطهرت ولبست أكفاني وتحنطت، ثم كتبت وصيتي ثم صرت إليه فوجدت عنده عمرو بن عبيد فحمدت الله على ذلك، فقال لي: ادن يا سليمان، فلما دنوت فاح له ريح الحنوط فقال: ما هذه الرائحة أصدقني وإلا قتلتك فصدقته فحوقل، ثم قال: تعرف يا سليمان ما اسمي، فأخبرته أنه عبد الله الطويل بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، قال: صدقت، فأخبرني بالله وبقرابتي من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كم رويت في علي من فضيلة من جميع الفقهاء؟ وكم يكون؟ قلت: يسيرا يا أمير المؤمنين، قال: علي ذلك، قلت: عشرة آلاف، قال: فقال يا سليمان لأحدثنك في فضائل علي - عليه السلام- حديثين(1) يأكلان كل حديث رويته عن جميع الفقهاء فإن حلفت لي ألا ترويه لأحد من الشيعة حدثتك، فقلت: لا أحلف، ولا أخبر بهما أحدا، فقص له المنصور الحديثين في سياق قصة طويلة هي موجودة في كتب الحديث، ذكرها الحاكم في (الجلاء) وحميد في (الحدائق)، وفي آخر الحديث أنه لما ورد الشام وأهله كلهم نواصب اجتمع برجل محب لأمير المؤمنين له شأن عظيم فتهاداه هو وأخواه وأحد الأخوين كان منحرفا عن أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - وكان إماما لقوم، وكان إذا أصبح لعن عليا - كرم الله وجهه - ألف مرة كل غداة وأنه لعنه يوم الجمعة أربعة آلاف مرة فغير الله ما به من نعمة، فتاب، وصار يحب عليا، وواعده الشيخ الذي قدم عليه أولا ليتصل بأخويه فوافق أحدهما فأجازه عشرة آلاف درهم، ثم واعده لغده إلى مسجد يصلي فيه أخوهما الذي كان يلعن (عليا)(2) أمير المؤمنين، قال: فلما أصبحت في الغد قصدت المسجد فتشابهت علي الطريق فسمعت إقامة الصلاة في مسجد، فقلت: والله لأصلين مع هؤلاء القوم، فنزلت عن البغلة ودخلت المسجد فوجدت رجلا قامته مثل قامة صاحبي، قلت: لعله يعني الأخ الأول ويحتمل الثاني فصرت عن يمينه، فلما صرنا في ركوع وسجود إذا عمامته قد رمى بها من خلفه فتفرست في وجهه فإذا وجهه وجه خنزير ورأسه وخلفه ويداه ورجلاه، فلم أعلم ما صليت وما قلت في صلاتي متفكرا في أمره، وسلم الإمام وتفرس في وجهي وقال: أنت الذي أتيت أخي بالأمس فأمر لك بكذا وكذا؟ قلت: نعم، فأخذ بيدي وأقامني فلما رآنا أهل المسجد /163/ تبعونا فقال للغلام: أغلق الباب ولا تدع أحدا يدخل علينا، ثم ضرب بيده إلى قميصه فإذا جسده جسد خنزير فقلت: يا أخي ما هذا الذي آرى بك؟ قال: كنت مؤذن القوم وكنت كل يوم إذا أصبحت ألعن عليا ألف مرة بين الأذان والإقامة، قال: فخرجت من المسجد ودخلت داري هذه، وهو يوم جمعة وقد لعنته أربعة آلاف مرة، ولعنت أولاده فاتكأت على الدكان فذهب بي النوم فرأيت في منامي كأنما أنا بالجنة قد أقبلت فإذا علي فيها متكئ والحسن والحسين معه متكئين، بعضهم ببعض مسرورين تحتهم مصليات من نور وإذا أنا برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - جالس والحسن والحسين قدامه وبيد الحسن كأس فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - للحسن: اسقني. فشرب، ثم قال للحسين: اسق أباك عليا. فشرب، ثم قال للحسن: اسق الجماعة. فشربوا، ثم قال: اسق المتكئ على الدكان.
Page 313