663

قلت: وقد أذكرتني هذه القضية بقضية لبعض العلماء، وهو عمرو القاضي، وهو القاضي ببيت أكلب من بلد بني فهم بن جابر بن عبيد الله بن قادم، وشواهد الحال أنه من المخترعة، ويحتمل أنه مطرفي، وكان شديد المحبة في الله والبغض فيه سبحانه، وكان طرفا من بلاد الزيدية /110/ ممتحنا بجهاد عدوهم ومخالفتهم بقلبه ولسانه، معملا في نصرة الحق وخذلان الباطل فكره، وكانت تصادفت(1) دياره ديار الإباضية، وهم أهل البغضاء لآل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ورأيهم صحة الإمامة في سائر الناس، فأراد موسى بن عيسى بن عبد الرحيم بن موسى بن هارون القاضي يعوق(2) من أعمال (شظب) أن يبايعه الناس إماما، ودعاهم إلى بيعة نفسه، وهو يومئذ أوسط الإباضية علما ورأيا وتدبيرا، ورئيس الجابرين؛ لأنه وسط(3) النسب في بني هلال بن عوف بن جابر، فأجابه الناس وساعدوه، وكان الكلائح كالقاعدة لتلك البلاد، وبها سوقهم الأعظم، ووقت لاجتماعهم لعقد البيعة الكلائح، فبلغ ذلك عمروا القاضي، وقد كان شديد الحرص على محو رسم الاباضية، وعلم أن هذا الاجتماع ينهض بصيتهم، فضاق لذلك ذرعا، وكان قد بايعه على مذهب الزيدية رجل من الإباضية من أهل شظب ينزل بالمركع من القارتين من رأس الجبل وهو من نفر يسمون بني المعصفر من بطن يقال لهم بنو أسد بن عوف بن جابر، فوقع عند هذا الرجل ما حدث في نفس عمرو من الاغتمام، فحضر الأسدي مجتمع القبائل بالكلائح وقد أجمع على العمل في تفريقهم بما أمكن، وهو لا يبالي لموسى بن عيسى صاحب هذه الدعوة لمنعه في قوم الأسدي، فلما دارت حلقة القوم في صحراء الوادي وابتدوا في الكلام أخذ حجرا فرمى به بينهم، وكان بين القبائل عداوات شديدة وذحول(4) ، فاقتتل القوم إلى الليل، ومالت الأفهوم ناحية، وقدم ناحية والشطبيون(1) (ناحية)(2)، وافترقت القبائل على حرب شديدة(3).

حمزة بن سليمان بن حمزة(4) [ - ق 6 ه ]

حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة النفس الزكية بن أبي هاشم - عليه السلام-.

قال القاضي العلامة علي بن نشوان: كان حمزة جامعا لخصال الخير من العفة والطهارة والسخاء والعلم وشرف النفس وحسن الخلق، له حفظ في أصول الفقه وبراعة في الشعر والفرائض وعلم الكلام والنجوم يعرف علومها ولا يقضى بأحكامها، وكان ممن يشار إليه لنصرة الدين وجهاد الظالمين، وكان كثير البركة أينما توجه، أصلح فانتقل من (ذيبين)، وهو وطن آبائه وقرارة أهله، فحل بمبين من نواحي حجة من مغارب همدان، فأحسن سياسة أهلها وتقريبهم(5) ورد الأكثر من مذهب الجبر إلى مذهب العدل والتوحيد.

روى الشريف الأجل إبراهيم بن يحيى بن الحسن الحمزي عن أبيه وأعمامه أنهم مجمعون على فضله وبركته ويقولون ما في شبابنا: يا بني حمزة أفضل منه، وروي بسند عن القاضي جعفر بن أحمد - رحمه الله - قال: تذاكرنا فضل الحمزة بن سليمان، فقال: هو رجل فاضل عالم كامل لو دعا إلى القيام بالحق أو إلى الجهاد في سبيل الله لأجبنا دعوته، واعتقدنا إمامته(6).

وروى السيد إبراهيم بن يحيى عن أبيه وعن الشريف حمزة بن جعفر، وعن كافة آبائه وأعمامه أنهم كانوا يقولون: كان حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة من أصلح أهل بيته وأفضلهم وأشدهم ورعا، وكان ممن يومأ إليه بالقيام، ولو قام لاستحق ذلك.

Page 200