كسوتي حبه ولو ... صرت في الناس عاريا ومع هذا فعيشه أنعم من عيش الملوك، وهكذا من لم يقف عند المطامع والآمال، هو في عداد الملوك، وإن كان من أرباب الفاقة والسلوك، وكان متخلقا بأخلاق /95/ النبوءة، سماحا بما في يده، غير متكلف بما في وسعه.
روي أنه كان مقيما بالشرف الأعلى فوفد إليه العلامة المجتهد الصدر محمد بن علي بن عمر الضمدي في جماعة من أصحابه وأهل جهاته، فتلقاه بالبشر والإنصاف:
وما البشر للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب
فنزل القاضي محمد عنده في أحسن نزل، يدخلون للآداب في أبواب، ويتعاطون كؤوس العلم أكوابا بعد أكواب.
حب الأديب على الأديب فريضة ... كمحبة الآباء للولدان
فإذا هما اجتمعا بسوح مرة ... كانا من الآداب في بستان
لا شيء أحسن منهما في مجلس ... يتعاوران جواهر الألحان
وأما هذان الإمامان، فما مجلسهما إلا مجمع البحرين ومطلع البدرين، ومن السعادة قران السعدين، ولما حضر الطعام جاء القاضي الحسين - رحمه الله - بميسوره، وقال متمثلا بأبيات القفال الشاشي:
أوسع رحلي على من نزل ... وإن لم يكن غير خبز وخل
فأما الكريم فيرضى به ... وأما اللئيم فمن لم أبل
فقال العلامة محمد بن علي(1):
ليس الكريم الذي تأتيك جفنته ... مملؤة ويكون الفيصل الفصلا
Page 171