632

عيسى النعمي - رضي الله عنه -(1)، كان عالما عاملا، حاويا لعديد المفاخر، جامعا لحميد المآثر، قد توسم فيه أهل زمانه الدعوة، وكان من أهل الورع الشحيح الذي لا يلحق على طريقة والده في الورع، وإن كان فيما أحسب قدم الحسين في العلم أثبت، ومما أظنه أثر عنه في الورع أنه لم يشرب من ألبان أهل المخلاف السليماني؛ لأنه وقع من بعض أمرائها قديما نهب لإبل توالدت في المخلاف، وكان مولعا بالفقيه العلامة محمد بن علي بن عمر، وحق له ذلك، ووقعت بينه - رحمه الله - وبين السيد العلامة علي الناصر(2) القادم إلى اليمن مراجعات، وكان السيد الحسين - رضي الله عنه - يذكر عائشة - رضي الله عنها - فيرضي عنها، فيتعب لذلك السيد علي ويقول له: حق لك أن ترعى غنما(3) العلم في صدر هذا الشيخ، يريد ابن عمر غضبا على السيد - رحمه الله - وإلا فمحله في العلم مكين، وترضية السيد الحسين ليست لجهله بخروج عائشة على أمير المؤمنين وفعلها ما لا يليق بالدين، لا سيما بعد قول الله - عز وجل - لأمهات المؤمنين: ?وقرن في بيوتكن? [الأحزاب:33]، وتحذيره صلى الله عليه وآله (وسلم)(4) لها أن تكون الخارجة على وصيه - كرم الله وجهه- /93/ وإنما السيد - رضي الله عنه - مستند إلى ما رواه الإمام المهدي (- عليه السلام-)(5) عن الأكثر من صحة توبتهم، ورواه السيد صارم الدين في فصوله(6) فقال: قد تاب الناكثون على الأصح، ثم قال في الهامش: هذا مذهب المؤيد بالله، وحكاه القاضي زيد عن الهادي، وذكر مثل هذا في الهداية(7) ، وقال الديلمي في عقائده(1): إنها صحت توبة الزبير وطلحة وعائشة، وفي شرح ابن أبي الحديد: أما أصحاب الجمل فإنهم عندنا هالكون إلا طلحة والزبير وعائشة؛ لأنهم تابوا، ولولا التوبة كانوا في النار(2)، وأما الشام وصفين فإنهم هالكون، عند أصحابنا من أصحاب النار، وذكر الإمام عز الدين في معراجه(3) ذلك، ومن جملة ما قال: ولا شك عند أحد من المسلمين المنصفين في أن قتالهم لأمير المؤمنين هفوة وعثرة من أسوأ العثرات، فنعوذ بالله من الخذلان، وكيد الشيطان، وقد ذهب الأكثر من القاطعين بخطئهم إلى أنها قد صحت توبتهم، وأن الله سبحانه قد تدراكهم بألطافه، وتلافاهم بحسن سابقتهم، فروي من توبة عائشة أنها قالت: إذا ذكرت يوم الجمل أخذت مني هاهنا - وأشارت إلى حلقها - وأنها قالت: يا ليتني مت قبل ما كان من شأن عثمان، وقالت: وددت أني ثكلت عشرة من ولد الحارث بن هشام وأني لم أسر مسيري الذي سرت فيه، وروي أنها كانت إذا ذكرت خروجها بكت، وقالت: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا.

وللسيد - أعاد الله من بركته - أشعار منها قصائد نبوية قريت بالحجرة الشريفة نحو قصيدته التي أولها:

دعها تحن إلى العقيق وترزم ... فبها من الأشواق شيء يؤلم

وقد سمعت من قصائده كثيرا، لكني لم أعتن بالنقل، وهذه القصيدة نبوية أنشدنيها الفقيه المحب (......)(4) السبعي - بالسين المهملة بعدها باء موحدة من أسفل بعدها عين مهملة - الشافعي من صبيا، وكتبها لي بخطه:

هذه الدار فاتئد يا حادي ... فانخ ظافرا بنيل المراد عفر الخد من ثراها عسى تذهب ال ... أيام منه وساوس الأحقاد

Page 168