625

ومن وقاره وحلمه ما أخبرني به السيد الكامل عز الدين محمد بن صلاح بن علي بن جحاف - أمتع الله بمساعيه الحميدة - أنه لما اجتمع الجند بمدينة تعز بعد موت مولانا الحسن - رضي الله عنه - كان من العسكر كلام في التقديم والتأخير للأسماء، كما جرت عادة أرباب الديوان، وكانت قلوب العساكر الحسنية مائلة عن مولانا الحسين - عليه السلام- فهم يتطلبون المعاذير لشق العصا، وكان الجميع عسكرا جرارا واسع العدة، لو نجم بينهم أي شيء فنيت خلائق، وكان عدد رزقهم في الشهر نحو ستة وثلاثين ألفا أو قريب من ذلك، فلم يجد مولانا الحسين بدا من العدد، ولكن مع عزيمة وشدة شكيمة فأمر أهل النجدة من العسكر الخاصة بحضور الديوان، ومن تكلم بكلمة تفرق القلوب أمضوا فيه ما يراه، فبينا هم في ذلك وإذا بشاب من الأهنوم /88/ من آل حجاب(1) حميد المسعى والأثر قتل أبوه بين يدي مولانا الحسين فتجاوز ذلك الشاب الحد ولم يقف عند الكلام، بل أخذ قلما وطمس اسمه في الدفتر والكاتب وابن الإمام والناس ينظرون، فقام مولانا الحسين على صفة الراكع في الصلاة واستمر مليا ثم عاد لمجلسه وقال للكاتب: هات اسما غير اسمه، ولم يقل لذلك الشاب شيئا، فلما خلا السيد عز الدين محمد بن صلاح بابن الإمام، وكان خالصته وبطانته، فقال: ظننا أنكم يا مولانا تبطشون بفلان لتجاوز(2) الحد، فقال: قمت ذلك القيام الذي رأيت، ووزنت حسناته وسيئاته في قلبي، فرجحت حسناته، ألا ترى أنه جالد وقاتل في البستان عند جده على حداثة سنه ونكأ العدو؟ ألا ترى أن أباه قتل بين يدي بغلتي، فمتى أجزيه؟ وهذه منقبه لا يعرفها إلا من عرف ذلك المقام، وما كان يقتضيه الحال ولله دره.

وكان شجاعا في الغاية، ولقد أخبرنا الشيوخ بصعدة أيام قتاله للأروام بساحتها أيام والده - عليه السلام- أنه جاء من ناحية المشرق من بين الجبل والترك بصعدة خيلهم ورجالهم، فمضى إلى ناحية (تلمص) على حصان أدهم لابسا ثيابا يغيظ الأعداء، وبين يديه خادم يحمل الرمح، فمر من عند مسجد (فليتة) بوقار تام، كأنه يمشي إلى الزفاف والأروام نواكس الأذقان حتى مضى إلى بعض المسافة نحو(1) تلمص، وخرجت الخيل تطلبه وهو لا يلتفت، فلما قربوا منه قبض الرمح من خادمه، وعاد فانقلبوا صاغرين، وهذه مناقب لو استوفيناها ضاق الرحب لكنا نكتفي بالإشارة والقليل يشير إلى الكثير.

وكان في علم المعقول في محل لا ينتهى إليه وسائر علوم القرآن، وأما المنطق وأصول الفقه فهو الغاية التي ما وراءها وشاهد ذلك كتابه (الغاية)(2) وشرحها (الهداية) (3)، فقد جمعت غرائب الفن وعجائبه، ونقلها بعض علماء الأقاليم تعجبا من أسلوبها وكثرة التحقيق فيها، وممن علق بها شيخنا الشيخ أحمد بن أحمد الشابي القيرواني المالكي القادم في شعبان من شهور سنة أربع وخمسين وألف سنة، وأقام بصنعاء وكان(4) سابقا في العلوم مطلعا على مصنفات العلماء، فلم يزل متعجبا من هذا الكتاب، واعتنى بملكه، وتعجب من شرح القاضي زيد، والبحر الزخار، ولعلنا نذكر شيئا من أحوال الشيخ المذكور تبعا لذكر غيره، فإنه أحد شيوخنا والحمد لله.

Page 160