Mushriq al-Shamsayn wa Ikseer al-Sa'adatayn
مشرق الشمسين وإكسير السعادتين
هذا هو كتاب مشرق الشمسين و إكسير السعادتين الملقب بمجمع النورين ومطلع النيرين للمحقق العلامة والمدقق الفهامة سعيد الدارين ذي الرياستين الشيخ البهائي عليه رحمة الباري بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا بأنوار كتابه المبين ووفقنا لاقتفاء سنة نبينا محمد سيد الأولين والآخرين وكرمنا بالاقتداء بآثار أهل بيته الأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين أما بعد فإن أفقر العباد إلى رحمة ربه الغني محمد المشتهر ببهاء الدين العاملي وفقه الله للعمل في يومه لغده قبل أن يخرج الأمر من يده يقول وأن جماعة من فضلاء أخوان الدين وعظماء أخلاء اليقين الذين تكثرت في نشر العلوم الدينية مساعيهم وتوفرت على إشاعة أحاديث أهل بيت النبوة دواعيهم قد التمسوا مني مع قلة بضاعتي وكثرة إضاعتي تأليف أصل يحتوي على خلاصة ما تضمنه أصولنا الأربعة التي عليها في هذه الأعصار أعني الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار من الأحاديث الصحيحة الواردة في الأحكام الشرعية عن العترة الطاهرة النبوية ليكون قانونا يرجع إليه الديانون من الفرقة الناجية الإمامية ودستورا يعول عليه المجتهدون في استنباط أمهات المطالب الفرعية وأن أبذل غاية جهدي في أن لا يشذ عني شئ من صحاح الأحاديث الأحكامية وأن أوشح صدور مقاصده بتفسير ما ورد فيها من الآيات الكريمة الفرقانية فأجبت بعون الله تعالى مسئولهم وحققت بتوفيقه مأمولهم فجاء هذا الكتاب ولله الحمد والمنة جامعا بين أحكام الكتاب والسنة فهو جدير بأن يسمى مشرق الشمسين وإكسير السعادتين وحري بأن يلقب بمجمع النورين ومطلع النيرين وحقيق بأن يكتبه الكرام البررة في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة وأسئل الله سبحانه التوفيق لإتمامه والفوز بسعادة اختتامه وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وسيلة إلى الفوز بالنعيم المقيم وقد رتبته على أربعة مناهج كترتيب كتابي الكبير الموسوم بالحبل المتين وقدمت أمام المقصود مقدمات تفيد زيادة بصيرة للطالبين ومن الله استمد وعليه أتوكل وبه استعين مقدمة عرف الحديث بأنه كلام يحكي قول المعصوم أو فعله أو تقريره ويرد على عكسه النقض بالمسموع من الإمام المعصوم غير محكي عن معصوم آخر والتزام عدم كونه حديثا تعسف وكيف يصح أن يقال إنه لم يسمع أحد عن النبي صلى الله عليه وآله حديثا أصلا إلا ما حكاه عن معصوم
Page 268
كنبي أو ملك فالأولى تعريفه بأنه قول المعصوم أو حكاية قوله أو فعله أو تقريره ويرد عليه وعلى الأول انتقاض عكسهما بالحديث المنقول بالمعنى إن أريد به حكاية القول بلفظه وطردهما بكثير من عبارات الفقهاء في كتب الفروع إن أريد ما يعم معناه ويمكن الجواب باعتبار قيد الحيثية في الحكاية وتلك العبارات إن اعتبرت من حيث كونها حكاية قول المعصوم فلا بأس بدخولها وإن اعتبرت من حيث كونها حكاية عما أدى إليه اجتهادهم فلا بأس في خروجها والخبر يطلق على ما يرادف الحديث تارة وعلى ما يقابل الانشاء أخرى وتعريفه على الأول بكلام يكون لنسبته خارج في أحد الأزمنة الثلاثة كما فعله شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه ما ينطبق على الثاني لا على الأول لانتقاضه طردا بنحو زيد إنسان وعكسا بالأحاديث الإنشائية كقوله ص صلوا كما رأيتموني أصلي اللهم إلا أن يجعل قول الراوي قال النبي ص مثلا جزء من الحديث ويضاف إلى التعريف قولنا يحكى الخ وهو كما ترى والسنة أعم من الحديث لصدقها على نفس الفعل والتقرير واختصاصه بالقول لا غير والحديث القدسي ما يحكي كلام الله تعالى ولم يتحد بشئ منه كقوله ع قال الله تعالى الصوم لي وأنا أجزي به تبصرة قد استقر اصطلاح المتأخرين من علمائنا رضي الله عنهم على تنويع الحديث المعتبر ولو في الجملة إلى الأنواع الثلاثة المشهورة أعني الصحيح والحسن والموثق بأنه إن كان جميع سلسلة سنده إماميين ممدوحين بالتوثيق فصحيح أو إماميين ممدوحين بدونه كلا أو بعضا مع توثيق الباقي فحسن أو كانوا كلا أو بعضا غير إماميين مع توثيق الكل فموثق وهذا الاصطلاح لم يكن معروفا بين قدمائنا قدس الله أرواحهم كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم بل كان المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه أو اقترن بما يوجب الوثوق به والركون إليه وذلك أمور منها وجوده في كثير من الأصول الأربعمأة التي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتصلة بأصحاب العصمة سلام الله عليهم وكانت متداولة لديهم في تلك الأعصار مشتهرة فيما بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار ومنها تكرره في أصل أو أصلين منها فصاعدا بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة ومنها وجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم كزرارة ومحمد بن مسلم والفضيل بن يسار أو على تصحيح ما يصح عنهم كصفوان بن يحيى ويونس بن عبد الرحمن وأحمد بن محمد بن أبي نصر أو على العمل بروايتهم كعمار الساباطي و نظرائه ممن عدهم شيخ الطائفة في كتاب العدة كما نقله عنه المحقق في بحث التراوح من المعتبر ومنها اندراجه في أحد الكتب التي عرضت على أحد الأئمة عليهم سلام الله فأثنوا على مؤلفها ككتاب عبيد الله الحلبي الذي عرض على الصادق عليه السلام وكتاب يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان المعروضين على العسكري عليه السلام ومنها أخذه من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها سواء كان مؤلفوها من الفرقة الناجية الإمامية ككتاب الصلاة لحريز بن عبد الله السجستاني وكتب بني سعيد وعلي بن مهزيار أو من غير الإمامية ككتاب حفص بن غياث القاضي والحسين بن عبيد الله السعدي وكتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري وقد جرى رئيس المحدثين ثقة الإسلام محمد بن بابويه قدس الله روحه على متعارف المتقدمة
Page 269
في إطلاق الصحيح على ما يركن إليه ويعتمد عليه فحكم بصحة جميع ما أورده من الأحاديث في كتاب من لا يحضره الفقيه وذكر أنه استخرجها من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع وكثير من تلك الأحاديث بمعزل عن الاندراج في الصحيح على مصطلح المتأخرين ومنخرط في سلك الجنان والموثقات بل الضعاف وقد سلك على ذلك المنوال جماعة من أعلام علماء الرجال فحكموا بصحة حديث بعض الرواة الغير الإمامية كعلي بن محمد بن رياح وغيره لما لاح لهم من الفرائض المقتضية للوثوق بهم والاعتماد عليهم وإن لم يكونوا في عداد الجماعة الذين انعقد الإجماع على تصحيح ما يصح عنهم تبيين الذي بعث المتأخرين نور الله مراقدهم على العدول عن متعارف القدماء ووضع ذلك الاصطلاح الجديد هو أنه لما طالت المدة بينهم وبين الصدر السالف وآل الحال إلى اندراس بعض كتب الأصول المعتمدة لتسلط حكام الجور والضلال والخوف من إظهارها وانتساخها وانضم إلى ذلك اجتماع ما وصل إليهم من كتب الأصول في الأصول المشهورة في هذا الزمان فالتبست الأحاديث المأخوذة من الأصول المعتمدة بالمأخوذة من غير المعتمدة واشتبهت المتكررة في كتب الأصول بغير المتكررة وخفى عليهم قدس الله أرواحهم كثير من تلك الأمور التي كانت سبب وقوع القدماء بكثير من الأحاديث ولم يمكنهم الجري على أثرهم في تمييز ما يعتمد عليه مما لا يركن إليه فاحتاجوا إلى قانون تتميز به الأحاديث المعتبرة عن غيرها والموثوق بها عما سواها فقرروا لنا شكر الله سعيهم ذلك الاصطلاح الجديد وقربوا إلينا البعيد ووصفوا الأحاديث الموردة في كتبهم الاستدلالية بما اقتضاه ذلك الاصطلاح من الصحة و الحسن والتوثيق وأول من سلك هذا الطريق من علمائنا المتأخرين شيخنا العلامة جمال الحق والدين الحسن بن المطهر الحلي قدس الله روحه ثم إنهم أعلى الله مقامهم ربما يسلكون طريقة القدماء في بعض الأحيان فيصفون مراسيل بعض المشاهير كابن أبي عمر وصفوان بن يحيى بالصحة لما شاع من أنهم لا يرسلون إلا عمن يثقون بصدقه بل يصفون بعض الأحاديث التي في سندها من يعتقدون أنه فطحي أو ناووسي بالصحة نظرا إلى اندراجه فيمن أجمعوا على تصحيح ما يصح عنهم وعلى هذا جرى العلامة قدس الله روحه في المختلف حيث قال في مسألة ظهور فسق إمام الجماعة إن حديث عبد الله بن بكير صحيح وفي الخلاصة حيث قال إن طريق الصدوق إلى أبي مريم الأنصاري صحيح وإن كان في طريقه أبان بن عثمان مستندا في الكتابين إلى إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنهما وقد جرى شيخنا الشهيد الثاني طاب ثراه على هذا المنوال أيضا كما وصف في بحث الردة من شرح الشرايع حديث الحسن بن محبوب عن غير واحد بالصحة وأمثال ذلك في كلامهم كثير فلا تغفل تتميم لا ريب إنه لا بد في حصول الوثوق بقول الراوي من كونه ضابطا أي لا يكون سهوه أكثر من ذكره ولا مساويا له وهذا القيد لم يذكره المتأخرون في تعريف الصحيح واعتذر الشهيد الثاني طاب ثراه عن عدم تعرضهم لذكره بأن قيد العدالة مغن عنه لأنها تمنعه أن يروي من الأحاديث ما ليس مضبوطا عنده على الوجه المعتبر واعترض عليه بأن العدالة إنما تمنع من تعمد نقل غير المضبوط عنده لا من نقل ما يسهو عن كونه غير مضبوط فيظنه مضبوطا
Page 270
وقد يدفع أن مراده رحمه الله أن العدل إذا عرف من نفسه كثرة السهو لم يجتزء على الرواية تحرزا عن إدخال ما ليس من الدين فيه وأنت خبير بأن لقائل أن يقول إنه إذا كثر سهوه فربما يسهو عن أنه كثير السهو فيروي والحق أن الوصف بالعدالة لا يغني عن الوصف بالضبط فلا بد من ذكر المزكي ما ينبئ عن اتصاف الراوي به أيضا ونعم ما قال العلامة رفع الله درجته في النهاية من أن الضبط من أعظم الشرائط في الرواية فإن من لا ضبط له قد يسهو عن بعض الحديث ويكون مما يتم به فائدته ويختلف الحكم به أو يسهو فيزيد في الحديث ما يضطرب به معناه أو يبدل لفظا بآخر أو يروي عن النبي ص ويسهو عن الواسطة أو يروي عن شخص فيسهو عنه ويروي عن آخر انتهى كلامه فإن قلت فكيف يتم لنا الحكم بصحة الحديث بمجرد توثيق علماء الرجال رجال سنده من غير نص على ضبطهم قلت إنهم يريدون بقولهم فلان ثقة أنه عدل ضابط لأن لفظ الثقة مشتق من الوثوق ولا وثوق بمن يتساوى سهوه وذكره أو يغلب سهوه على ذكره وهذا هو السر في عدولهم عن قولهم عدل إلى قولهم ثقة تبيان ذهب أكثر علمائنا قدس الله أرواحهم إلى أن العدل الواحد الإمامي كاف في تزكية الراوي وأنه لا يحتاج فيها إلى عدلين كما يحتاج في الشهادة وذهب القليل منهم إلى خلافه فاشترطوا في التزكية شهادة عدلين واستدل على ما ذهب إليه الأكثر بوجهين الأول ما ذكره العلامة طاب ثراه في كتبه الأصولية وحاصله أن الرواية تثبت بخبر الواحد وشرطها تزكية الراوي وشرط الشئ لا يزيد على أصله وبعبارة أخرى اشتراط العدالة في مزكي الراوي فرع اشتراطها في الراوي إذ لو لم تشترط فيه لم تشترط في مزكيه فكيف يحتاط في الفرع بأزيد مما يحتاط في الأصل فإن قلت مرجع هذا الاستدلال إلى القياس فلا ينهض علينا حجة قلت هو قياس بطريق الأولوية وهو معتبر ظاهرا عندنا فإن قلت للخصم أن يقول كيف يلزمني ما ذكرتم من زيادة الفرع على الأصل والحال أني أشترط في الرواية ما لا تشترطونه من شهادة عدلين بعدالة راويها ولا أكتفي بشهادة العدل الواحد قلت عدم قبول تزكية عدل واحد زكاه عدلان واشتراطه فيها التعدد مع قبول رواية عدل واحد زكاه عدلان واكتفائه فيها بالواحد يوجب عليه ما ذكرنا الثاني أن آية التثبت أعني قوله تعالى إن جائكم فاسق بنبأ فتبينوا كما دلت على التعويل على رواية العدل الواحد دلت على التعويل على تزكيته أيضا فيكتفي به في جميع الموارد إلا فيما خرج بدليل خاص وهو غير حاصل هنا واستدل على اشتراط التعدد في التزكية بأمرين الأول أن الأخبار بعدالة الراوي شهادة فلا بد فيها من العدلين وجوابه أما أولا فبمنع الصغرى فإنها غير بينة ولا مبنية وهلا كانت تزكية الراوي كأغلب الأخبار في أنها ليست شهادة كالرواية وكنقل الإجماع وتفسير مترجم القاضي وأخبار المقلد مثله بفتوى المجتهد وقول الطبيب بإضرار الصوم بالمرض وإخبار أجير الحج بإيقاعه وإعلام المأموم الإمام بوقوع ما شك فيه وإخبار العدل العارف بالقبلة لجاهل العلامات إلى غير ذلك من الأخبار التي اكتفوا فيه بخبر الواحد وأما ثانيا
Page 271
فبمنع كلية الكبرى والسند قبول شهادة الواحد في بعض المواد عند بعض علمائنا بل شهادة المرأة الواحدة في بعض الأوقات عند أكثرهم الثاني أن اشتراطهم عدالة الراوي يقتضي توقف قبول روايته على حصوله العلم بها وإخبار العدل الواحد لا يفيد العلم بها وجوابه أنك إن أردت العلم القطعي فمعلوم أن البحث ليس فيه وإن أردت العلم الشرعي فحكمك بحصوله من رواية العدل الواحد وعدم حصوله من تزكيته تحكم وكيف يدعي أن الظن الحاصل من أخباره بأن هذا قول المعصوم أو فعله أقوى من الظن الحاصل من أخباره بأن الراوي الفلاني إمامي المذهب أو واقفي أو عدل أو فاسق ونحو ذلك تتمة ولعلك تقول بتساوي الظنين في القوة والضعف ولكنك تزعم أن الظن الأول اعتبره الشارع فعولت عليه وأما الآخر فلم يظهر للشأن الشارع اعتبره فيقال لك كيف ظهر عليك اعتبار الشارع الظن الأول إن استندت في ذلك إجماع فالخلاف الشايع في العمل بأخبار الآحاد يكذب ظنك كيف وجمهور قدمائنا على المنع منه بل ذهب بعضهم إلى استحالة التعبد (قد يستدل أيضا بأن اعتبار التعدد أحوط للتعبد به عن احتمال العمل بما ليس بحديث وعورض بأن اعتبار عدم التعدد أحوط للتعبد به عن احتمال عدم العمل هو حديث فلذلك طوينا كشحا عن ذكر هذا الاستدلال منه ره) به كما نقله عنهم المرتضى رضي الله عنه وإن استندت فيه إلى ما يستدل به في الأصول على حجية خبر الواحد فاقرب تلك الدلائل إلى السلامة آية التثبت وقد علمت أنها كما تدل على اعتبار الشارع الظن الأول تدل على اعتباره الظن الثاني من غير فرق ولقد بالغ بعض أفاضل المعاصرين قدس الله روحه في الإصرار على اشتراط العدلين في المزكى نظرا إلى أن التزكية شهادة ولم يوافق القوم على تعديل من أنفرد الكشي أو الشيخ الطوسي أو النجاشي أو العلامة مثلا بتعديله وجعل الحديث الصحيح عند التحقيق منحصرا فيما توافق اثنان فصاعدا على تعديل رواته ويلزمه عدم الحكم بجرح من تفرد هؤلاء بجرحه وهو يلتزم ذلك ولم يأت على هذا الاشتراط بدليل عقلي يعول عليه أو نقلي تركن النفس إليه ولعلك قد أحطت خبرا بما يتضح به حقيقة الحال ومع ذلك فأنت خبير بأن علماء الرجال الذين وصلت إلينا كتبهم ففي هذا الزمان كلهم ناقلون تعديل أكثر الرواة من غيرهم وتوافق الاثنين منهم على التعديل لا ينفعه في الحكم بصحة الحديث إلا إذا ثبت أن مذهب كل من ذينك الاثنين عدم الاكتفاء في تزكية الراوي بالعدل الواحد ودون ثبوته خرط القتاد بل الذي يظهر خلافه كيف لا و العلامة مصرح في كتبه الأصولية بالاكتفاء بالواحد والذي يستفاد من كلام الكشي والنجاشي والشيخ وابن طاوس وغيرهم اعتمادهم عليه في التعديل والجرح على النقل عن الواحد كما يظهر لمن تصفح كتبهم فكيف يتم لمن يجعل التزكية شهادة أن يحكم بعدالة الراوي بمجرد اطلاعه على تعديل اثنين من هؤلاء له في كتبهم وحالهم ما عرفت مع أن شهادة الشاهد لا يتحقق بما يوجد في كتابه نعم لو كان هؤلاء الذين كتبهم في الجرح والتعديل بأيدينا في هذا الزمان ممن شهد عند كل واحد منهم عدلان بحال الراوي أو كانوا من الذين خالطوا رواة الحديث واطلعوا على عدالتهم لتم الدست والله سبحانه أعلم بحقايق الأمور تبصرة المكتفون من علمائنا في التزكية بالعدل الواحد الإمامي يكتفون به في الجرح أيضا ومن لم يكتف به في التزكية لم يعول عليه في الجرح وما يظهر من كلامهم في بعض الأوقات من الاكتفاء في الجرح بقول غير الإمامي محمول أما على الغفلة عما قرروه أو عن كون الخارج مجروحا كما وقع في الخلاصة من جرح أبان بن عثمان
Page 272
بكونه فاسد المذهب تعويلا على ما رواه الكشي عن علي بن الحسن بابن فضال أنه كان من الناووسية مع أن ابن فضال فطحي لا يقبل جرحه لمثل أبان بن عثمان ولعل العلامة طاب ثراه استفاد فساد مذهبه من غير هذه الرواية وإن كان كلامه ظاهرا فيما ذكرناه وقد اشتهر أنه إذا تعارض الجرح والتعديل قدم الجرح وهذا كلام مجمل غير محمول على إطلاقه كما قد يظن بل لهم فيه تفصيل مشهور وهو أن التعارض بينهما على نوعين الأول ما يمكن الجمع فيه بين كلامي المعدل والجارح كقول المفيد قدس الله روحه في محمد بن سنان أنه ثقة وقول الشيخ طاب ثراه أنه ضعيف فالجرح مقدم لجواز اطلاع الشيخ على ما لم يطلع عليه المفيد الثاني ما لم يمكن الجمع بينهما كقول الجارح أنه قتل فلانا في أول الشهر وقول المعدل أني رأيته في آخره حيا وقد وقع مثله في كتب الجرح والتعديل كثيرا كقول ابن الغضائري في داود الرقي أنه كان فاسد المذهب لا يلتفت إليه وقول غيره أنه كان ثقة قال فيه الصادق (ع) أنزلوه مني منزلة المقداد من رسول الله (ص) فهيهنا لا يصح إطلاق القول بتقديم الجرح على التعديل بل يجب الترجيح بكثرة العدد وشدة الورع والضبط وزيادة التفتيش عن أحوال الرواة إلى غير ذلك من المرجحات هذا ما ذكره علماء الأصول منا ومن المخالفين وظني أن إطلاق القول بتقديم الجرح في النوع الأول غير جيد ولو قيل فيه أيضا بالترجيح ببعض تلك الأمور لكان أولى وقد فعله العلامة في الخلاصة في مواضع كما في ترجمة إبراهيم بن سلميان حيث رجح تعديل الشيخ والنجاشي له على جرح ابن الغضائري وكذلك؟ إسماعيل بن مهران وغيره لكن ما قرره طاب ثراه في نهاية الأصول يخالف فعله هذا حيث لم يعتبر الترجيح بزيادة؟ العدد في النوع الأول من التعارض معللا بأن سبب تقديم الجارح فيه جواز اطلاعه على ما لم يطلع عليه المعدل وهو لا ينتفي بكثرة العدد ولا يخفى أن تعليله هذا يعطي عدم اعتباره في هذا النوع الترجيح بشئ من الأمور المذكورة و للبحث فيه مجال كما لا يخفى تبصرة المعتبر حال الراوي وقت حال الأداء لا وقت التحمل فلو تحمل الحديث طفلا أو غير إمامي أو فاسقا ثم أداة في وقت يظن أنه كان مستجمعا فيه الشرائط القبول قبل ولو ثبت أنه كان في وقت غير إمامي أو فاسقا ثم تاب ولم يعلم أن الرواية عنه هل وقعت قبل التوبة أو بعدها لم تقبل حتى يظهر لنا وقوعها بعد التوبة فإن قلت إن كثيرا من الرواة كعلي بن أسباط والحسين بن بشار وغيرهما كانوا أولا من غير الإمامية ثم تابوا و رجعوا إلى الحق والأصحاب يعتمدون على حديثهم ويثقون بهم من غير فرق بينهم وبين ثقات الإمامية الذين لم يزالوا على الحق مع أن تاريخ الرواية عنهم غير مضبوط ليعلم أنه هل كان بعد الرجوع أو قبله بل بعض الرواة ماتوا على مذاهبهم الفاسدة من الوقف وكانوا شديدي التصلب فيه ولم ينقل رجوعهم إلى الحق في وقت من الأوقات أصلا والأصحاب يعتمدون عليهم ويقبلون أحاديثهم كما قبلوا حديث علي بن محمد بن رياح وقالوا أنه صحيح الرواية ثبت معتمد على ما يرويه وكما قيل المحقق في المعتبر رواية علي بن أبي حمزة عن الصادق عليه السلام معللا بأن ذلك تغييره إنما كان في زمن الكاظم (ع) فلا يقدح فيما قبله وكما حكم العلامة في المنتهى بصحة حديث إسحاق بن جرير وهؤلاء الثلاثة من رؤساء الوقفية قلت المستفاد من تصفح كتب علمائنا المؤلفة في السير والجرح والتعديل أن أصحابنا
Page 273
الإمامية رضي الله عنهم كان اجتنابهم عن مخالطة من كان من الشيعة على الحق أولا ثم أنكر إمامة بعض الأئمة عليهم السلام في أقصى المراتب وكانوا يحترزون عن مجالستهم والتكلم معهم فضلا عن أخذ الحديث عنهم بل كان تظاهرهم لهم بالعداوة أشد من تظاهرهم بها للعامة فإنهم كانوا يلاقون العامة ويجالسونهم وينقلون عنهم ويظهرون لهم أنهم منهم خوفا من شوكتهم لأن حكام الضلال منهم وأما هؤلاء المخذولون فلم يكن لأصحابنا الإمامية ضرورة داعية إلى أن يسلكوا معهم على ذلك المنوال وسيما الواقفية فإن الإمامية كانوا في غاية الاجتناب لهم والتباعد منهم حتى أنهم كانوا يسمونهم بالممطورة أي الكلاب التي أصابها المطر وأئمتنا عليهم السلام لم يزالوا ينهون شيعتهم عن مخالطتهم ومجالستهم ويأمرونهم بالدعاء عليهم في الصلاة ويقولون أنهم كفار مشركون زنادقة وأنهم شر من النواصب وإن من خالطهم وجالسهم فهو منهم وكتب أصحابنا مملوءة بذلك كما يظهر لمن تصفح كتاب الكشي وغيره فإذا قبل علماؤنا وسيما المتأخرون منهم رواية رواها رجل من ثقات أصحابنا عن أحد هؤلاء وعولوا عليها وقالوا بصحتها مع علمهم بحاله فقبولهم لها وقولهم بصحتها لا بد من ابتنائه على وجه صحيح لا يتطرق به القدح إليهم ولا إلى ذلك الرجل الثقة الراوي عمن هذا حاله كأن يكون سماعه منه قبل عدوله عن الحق و قوله بالوقف أو بعد توبته ورجوعه إلى الحق أو أن النقل إنما وقع من أصله الذي ألفه واشتهر عنه قبل الوقف أو من كتابه الذي ألفه بعد الوقف ولكنه أخذ ذلك الكتاب عن شيوخ أصحابنا الذين عليهم الاعتماد ككتب علي بن الحسن الطاطري فإنه وإن كان من أشد الواقفية عنادا للإمامية إلا أن الشيخ شهد له في الفهرست بأنه روى كتبه عن الرجال الموثوق بهم وبروايتهم إلى غير ذلك من المحامل الصحيحة والظاهر أن قبول المحقق طاب ثراه رواية علي بن أبي حمزة مع شدة تعصبه في مذهبه الفاسد مبني على ما هو الظاهر من كونها منقولة من أصله وتعليله رحمه الله يشعر بذلك فإن الرجل من أصحاب الأصول وكذا قول العلامة بصحة رواية إسحاق بن جرير عن الصادق ع فإنه ثقة من أصحاب الأصول أيضا وتأليف أمثال هؤلاء أصولهم كان قبل الوقف لأنه وقع في زمن الصادق ع فقد بلغنا عن مشايخنا قدس الله أرواحهم أنه كان من دأب أصحاب الأصول أنهم إذا سمعوا من أحد الأئمة عليهم السلام حديثا بادروا إلى إثباته في أصولهم لئلا يعرض لهم نسيان لبعضه أو كله بتمادي الأيام وتوالي الشهور والأعوام والله أعلم بحقايق الأمور تبصرة دأب ثقة الإسلام رحمه الله في كتاب الكافي أن يأتي في كل حديث بجميع سلسلة السند بينه وبين المعصوم عليه السلام ولا يحذف من أول السند أحدا ثم إنه كثيرا ما يذكر في صدر السند محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان وهو يقتضي كون الرواية عنه بغير واسطة فربما ظن بعضهم أن المراد به الثقة الجليل محمد بن إسماعيل بن بزيع وأيدوا ذلك بما يعطيه كلام الشيخ تقي الدين حسن بن داود رحمه الله حيث قال في كتابه إذا وردت رواية عن محمد بن يعقوب عن محمد بن إسماعيل ففي صحتها قولان فإن في لقائه له إشكالا فتقف الرواية لجهالة الواسطة بينهما وإن كانا مرضيين معظمين انتهى والظاهر أن ظن كونه ابن بزيع من الظنون الواهية ويدل على ذلك وجوه الأول أن ابن بزيع من أصحاب أبي الحسن الرضا عليه السلام وأبي جعفر الجواد عليه السلام وقد أدرك عصر الكاظم ع وروى عنه كما ذكره علماء الرجال
Page 274
فبقاؤه إلى زمن الكليني مستبعد جدا الثاني أن قول علماء الرجال أن محمد بن إسماعيل بن بزيع أدرك أبا جعفر الثاني عليه السلام يعطي أنه لم يدرك من بعده عليه السلام من الأئمة صلوات الله عليهم فإن مثل هذه العبارة إنما يذكرونها في آخر إمام أدركه الراوي كما لا يخفى على من له أنس بكلامهم الثالث أنه رحمه الله لو بقي إلى زمن الكليني نور الله مرقده لكان قد عاصر ستة من الأئمة عليهم السلام وهذه مزية عظيمة لم يظفر بها أحد من أصحابهم صلوات الله عليهم فكان ينبغي لعلماء الرجال ذكرها وعدها من جملة مزاياه رضي الله عنه وحيث إن أحدا منهم لم يذكر ذلك مع أنه مما تتوفر الدواعي على نقله علم أنه غير واقع الرابع أن محمد بن إسماعيل الذي يروي عنه الكليني بغير واسطة يروي عن الفضل بن شاذان وابن بزيع كان من مشايخ الفضل بن شاذان كما ذكره الكشي حيث قال إن الفضل بن شاذان كان يروي عن جماعة وعد منهم محمد بن إسماعيل بن بزيع الخامس ما اشتهر على الألسنة من أن وفاة ابن بزيع كانت في حياة الجواد عليه السلام السادس أنا استقرينا جميع أحاديث الكليني المروية عن محمد بن إسماعيل فوجدناه كلما قيده بابن بزيع فإنما يذكره في أواسط السند ويروي عنه بواسطتين هكذا محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل بن بزيع وأما محمد بن إسماعيل الذي يذكره في أول السند فلم نظفر بعد الاستقراء الكامل والتتبع التام بتقييده مرة من المرات بابن بزيع أصلا ويبعد أن يكون هذا من الاتفاقيات المطردة السابع أن ابن بزيع من أصحاب الأئمة الثلاثة أعني الكاظم والرضا والجواد عليهم السلام فيجمع منهم سلام الله عليهم أحاديث متكثرة بالمشافهة فلو لقيه الكليني لكان ينقل عنه شيئا من تلك الأحاديث التي نقلها عنهم سلام الله عليهم بغير واسطة لتكون الواسطة بينه وبين كل إمام من الأئمة الثلاثة عليهم السلام واحد فإن قلة الوسائط شئ مطلوب وشدة اهتمام المحدثين بعلو الإسناد أمر معلوم ومحمد بن إسماعيل الذي يذكره في أوائل السند ليس له رواية عن أحد المعصومين سلام الله عليهم بودن واسطة أصلا بل جميع رواياته عنهم عليهم السلام إنما هي بوسائط عديدة فإن قلت للمناقشة في هذه الوجوه مجال واسع كما يناقش في الأول بأن لقاء الكليني من لقى الكاظم عليه السلام غير مستنكر لأن وفاته عليه السلام سنة ثلاث وثمانين ومائة ووفات الكليني سنة ثمان وعشرين وثلثمأة وبين الوفاتين مأة وخمس وأربعون سنة فغاية ما يلزم تعمير ابن بزيع إلى قريب مأة سنة وهو غير مستبعد وفي الثاني نمنع كون تلك العبارة نصا في ذلك فلو سلم فلعل المراد بالإدراك الرواية لا إدراك الزمان فقط وفي الثالث بأن المزية العظمى رؤية الأئمة عليهم السلام والرواية عنهم بلا واسطة لا مجرد المعاصرة لهم من دون رؤية ولا رواية فيجوز أن يكون ابن بزيع عاصر باقي الأئمة عليهم السلام لكنه لم يرهم قلت أكثر هذه الوجوه وإن أمكنت المناقشة فيه بانفراده لكن الإنصاف أنه يحصل من مجموعها ظن غالب يتاخم العلم بأن الرجل المتنازع فيه ليس هو ابن بزيع وليس الظن الحاصل منها أدون من سائر الظنون المعول عليها في علم الرجال كما لا يخفى على من خاض في ذلك الفن ومارسه والله أعلم إذا تقرر ذلك فنقول الذي وصل إلينا بعد التتبع التام أن اثني عشر رجلا من الرواة مشتركون في التسمية بمحمد بن إسماعيل سوى محمد بن إسماعيل بن
Page 275
بزيع وهم محمد بن إسماعيل ابن ميمون الزعفراني ومحمد بن إسماعيل بن أحمد البرمكي الرازي صاحب الصومعة ومحمد بن إسماعيل بن خيثم الكناني ومحمد بن إسماعيل الجعفري ومحمد بن إسماعيل السلحي وقد يقال البلخي ومحمد بن إسماعيل الصيمري العمي ومحمد بن إسماعيل البندقي النيسابوري ومحمد بن إسماعيل بن رجبا الزبيدي الكوفي ومحمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي ومحمد بن إسماعيل المخزومي المدني ومحمد بن إسماعيل الهمداني ومحمد بن إسماعيل بن سعيد البجلي أما محمد بن إسماعيل بن بزيع فقد عرفت الكلام فيه وأما من عدا الزعفراني والبرمكي من العشرة الباقين فلم يوثق أحد من علماء الرجال أحدا منهم فإنهم لم يذكروا من حال الكناني والجعفري إلا أن لكل منهما كتابا ولا من حال الصيمري والبلخي إلا أنهما من أصحاب أبي الحسن الثالث عليه السلام ولا من حال البندقي إلا أنه نقل حكاية عن الفضل بن شاذان ولا من حال الزبيدي والجعفي والمخزومي والهمداني والبجلي إلا أنهم من أصحاب الصادق عليه السلام وبقاء أحدهم إلى عصر الكليني أبعد من بقاء ابن بزيع وقد حكم متأخروا علمائنا قدس الله أرواحهم بتصحيح ما يرويه الكليني عن محمد بن إسماعيل الذي فيه النزاع وحكمهم هذا قرينة قوية على أنه ليس أحدا من أولئك الذين لم يوثقهم أحد من علماء الرجال فبقي الأمر دائرا بين الزعفراني والبرمكي فإنهما ثقتان من أصحابنا لكن الزعفراني ممن لقي أصحاب الصادق عليه السلام كما نص عليه النجاشي فيبعد بقاؤه إلى عصر الكليني فيقوى الظن في جانب البرمكي فإنه مع كونه رازيا كالكليني فزمانه في غاية القرب من زمانه لأن النجاشي يرويه عن الكليني بواسطتين وعن محمد بن إسماعيل البرمكي بثلاث وسائط والصدوق يروي عن الكليني بواسطة واحدة وعن البرمكي بواسطتين والكشي حيث أنه معاصر للكليني يروي عن البرمكي بواسط وبدونها وأيضا فمحمد بن جعفر الأسدي المعروف بمحمد بن أبي عبد الله الذي كان معاصرا للبرمكي توفي قبل وفاة الكليني تقريب من ست عشرة سنة فلم تبق مزية في قرب زمان الكليني من زمان البرمكي جدا وأما روايته عنه في بعض الأوقات بتوسط الأسدي فغير قادح في المعاصرة فإن الرواية عن الشيخ تارة بواسطة وأخرى بدونها أمر شايع متعارف لا غرابه فيه والله أعلم بحقايق الأمور تبيين قد يدخل في أسانيد بعض الأحاديث من ليس له ذكر في كتب الجرح والتعديل بمدح ولا قدح غير أن أعاظم علمائنا المتقدمين قدس الله أرواحهم قد اعتنوا بشأنه وأكثروا الرواية عنه وأعيان مشايخنا المتأخرين طاب ثراهم قد حكموا بصحة روايات هو في سندها والظاهر أن هذا القدر كاف في حصول الظن بعدالته وذلك مثل أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد فإن المذكور في كتب الرجال توثيق أبيه رحمه الله وأما هو فغير مذكور بجرح ولا تعديل وهو من مشايخ المفيد رحمه الله والواسطة بينه و بين أبيه رحمه الله والرواية عنه كثيرة ومثل أحمد بن محمد بن يحيى العطار فإن الصدوق يروي عنه كثيرا وهو من مشايخه والواسطة بينه وبين سعد بن عبد الله ومثل الحسين بن الحسن بن أبان فإن الرواية عنه كثيرة وهو من مشايخ محمد بن الحسن بن الوليد والواسطة بينه وبين الحسين بن سعيد والشيخ عده في كتاب الرجال تارة في أصحاب العسكري عليه السلام وتارة فيمن لم يرو وينص عليه بشئ ولم نقف على توثيقه إلا في غير بابه في ترجمة محمد بن أورمه و الحق أن عبارة الشيخ هناك ليست صريحة في توثيقه كما لا يخفى على المتأمل ومثل أبي الحسين علي بن أبي جيد فإن
Page 276
الشيخ رحمه الله يكثر الرواية عنه سيما في الاستبصار وسنده أعلى من سند المفيد لأنه يروي عن محمد بن الحسن بن الوليد بغير واسطة وهو من مشايخ النجاشي أيضا فهؤلاء وأمثالهم من مشايخ الأصحاب لنا ظن بحسن حالهم وعدالتهم وقد عددت حديثهم في الحبل المتين وفي هذا الكتاب والصحيح جريا على منوال مشايخنا المتأخرين ونرجوا من الله سبحانه أن يكون اعتقادنا فيهم مطابقا للواقع وهو ولي الإعانة والتوفيق واعلم أنه قد يعبر عن بعض الرواة باسم مشترك يوجب الالتباس على بعض الناس ولكن كثرة الممارسة تكشف في الأغلب عن حقيقة الحال فمن ذلك العباس الذي يروي عنه محمد بن علي بن محبوب فإنه كثيرا ما يقع مطلقا غير مقرون بفصل مميز ولكنه ابن معروف الثقة القمي ومن ذلك حماد الذي يروي عنه الحسين بن سعيد فإنه ابن عيسى الثقة الجهني ومن ذلك العلاء الذي يروي عن محمد بن مسلم وقد يقال العلا عن محمد من غير تقييد بابن مسلم والمراد به ابن رزين الثقة ومحمد الذي يروي عنه هو ابن مسلم ومن ذلك أحمد بن محمد فإنه مشترك بين جماعة يزيدون على الثلاثين ولكن أكثرهم إطلاقا وتكررا في الأسانيد أربعة ثقات ابن الوليد الفتى وابن عيسى الأشعري وابن خالد البرقي وابن أبي نصر البزنطي فالأول يذكر في أوائل السند والأوسطان في أواسطه و الأخير في أواخره وأكثر ما يقع الاشتباه بين الأوسطين ولكن حيث أنهما معا ثقتان لم يكن في البحث عن تعيينه فائدة يعتد بها وأما البواقي فأغلب ما يذكرون مع قيد مميز والنظر فيمن روى عنهم ورووا عنه ربما يعين الممارس على استكشاف الحال ومن ذلك ابن سنان فإنه يذكر كثيرا من غير فصل مميز يعلم به أنه عبد الله الثقة أو محمد الضعيف ويمكن استعلام كونه عبد الله بوجوه منها أن يروي عن الصادق عليه بغير واسطة فإن محمدا إنما يروي عنه (ع) بواسطة ومنها أن يروي عن الصادق عليه السلام بتوسط عمر بن يزيد أو أبي حمزة أو حفص الأعور فإن محمدا لا يروي عنه عليه السلام بتوسط أحد من هؤلاء ومنها أن ابن سنان الذي يروي عنه النضر بن سويد أو عبد الله بن المغيرة أو عبد الله الرحمان بن أبي نجران أو أحمد بن محمد بن أبي نصر أو فضالة أو عبد الله بن جبلة فهو عبد الله لا محمد وابن سنان الذي يروي عنه أيوب بن نوح أو موسى بن القاسم أو أحمد بن محمد بن عيسى أو علي بن الحكم فهو محمد لا عبد الله وكثرة تتبع الأسانيد وممارستها تعين على رفع الاشتباه في كثير من المواضع واعلم أنه قد يختلف كلام علماء الرجال في ترجمة الرجل الواحد فيظن سبب ذلك اشتراكه وقد وقع ذلك جماعة منهم ابن داود ره في غير واحد كمحمد بن الحسن الصفار وغيره بل منهم العلامة قدس الله روحه في علي بن الحكم وغيره وقد يكون الرجل متعددا فيظن أنه واحد كما وقع له طاب ثراه في إسحاق بن عمار فإنه مشترك بين اثنين أحدهما من أصحابنا والآخر فطحي كما يظهر على المتأمل فلا بد من إمعان النظر في ذلك والله ولي التوفيق وقد يلتبس توثيق الرجل بتوثيق غيره كما وقع له أيضا طاب ثراه في ترجمة حمزة بن بزيع حيث وصفه في الخلاصة بأنه من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم كثير العمل نظرا إلى ما يوهمه كلام النجاشي والحال أن هذه الأوصاف في كلام النجاشي أوصاف محمد بن إسماعيل بن بزيع لا أوصاف عمه حمزة كما ذكرناه في حواشينا على الخلاصة وقد اشتبه توثيق الابن بتوثيق الأب وبالعكس لإجمال في العبارة كعبارة النجاشي في ترجمة الحسن بن علي بن النعمان ولذلك عد بعد أصحابنا كالعلامة في المنتهى والمختلف حديثه في الحسان اقتصارا على المتيقن وبعضهم عده في الصحاح لندرة توثيق الرجل في غير بابه والله ولي التوفيق خاتمة
Page 277