Questions répondues par Ibn Hajar al-Asqalani

مسائل أجاب عنها الحافظ ابن حجر العسقلاني

Enquêteur

أبو عبد الرحمن عبد المجيد جمعة الجزائري

Maison d'édition

دار الإمام أحمد للنشر والتوزيع والصوتيات

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م

Lieu d'édition

القاهرة - مصر

مَسَائل أجَابَ عَنها
الحَافظُ ابن حَجر العَسقَلاني ﵀
تحقيق
أبي عبد الرحمن عبد المجيد جمعة عفا الله عنه

1 / 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أمّا بعد، فإنّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهُدى هُدى محمّد ﷺ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.

1 / 5

وبعد، فإنّ من طرق التعليم النافعة طرح الأسئلة على أهل العلم للإجابة عنها عملا بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]،
وقد ثبت في الصحيح (١) أنّ جبريل أتى النبي ﷺ، وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأجابه النبي ﷺ عن ذلك، وقال في الأخير: "إنّه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم".
وقد دأب على هذا أهل العلم، فكان تلاميذهم حريصين على سؤال مشايخهم في مختلف أبواب العلم، وتدوين ذلك في كراريس لتحفظ فتاويهم، ويعمّ نفعها.
ومن هؤلاء الأعلام، شيخ الإسلام أحمد بن عليّ بن محمّد الكناني المصري الشافعي، الشهير بابن حجر العسقلاني، المتوفّى سنة ٨٥٢ هـ، فريد عصره، وإمام وقته، فقد كان قبلة يتوجّه إليه العلماء من كلّ الأمصار والأقطار، حتى ذاع صيته، واشتهر في الآفاق، وقد أذن له بالإفتاء بعض شيوخه كالحافظ العراقي والحافظ البلقيني وولده (٢)، ثمّ تولّى منصب الإفتاء بدار العدل سنة إحدى عشرة وثمانمائة (٨١١ هـ) (٣)، وقد وصف فتاويه تلميذه الحافظ السخاوي ﵀ فقال: "وأمّا فتاويه فإليها النهاية في الإيجاز، مع حصول الغرض، لا سيما المسائل التي لا نَقْلَ فيها، فإنّه كان من أحسن علماء عصره فيها تصرّفًا، لا يجارى فيها، ولا يمارى، يجرجها على

(١) أخرجه مسلم (١) من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه البخاري (٥٠) من حديث عمر ﵁ بنحوه.
(٢) انظر "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" للحافظ السخاوي (١/ ٢٧١).
(٣) انظر المرجع السابق (٢/ ٦٠٠).

1 / 6

القوانين المحرّرة بالدلائل المعتبرة، وهو فقيه النفس، وكان يكتب في كلّ يوم غالبًا على أكثر من ثلاثين فُتيا" (١)، وقال
البُقاعي: "وكانت فتاويه وأماليه كالشمس في الإشراق" (٢)، ولهذا كان الناس لا يعوّلون إلاَّ على فتاويه، قال القاضي قطب الدين الخيضري: "المعوّل عند المشكلات عليه، ولا تركن النفس إلاّ إلى كلامه، ولا يعتمد الناس إلاّ على فتواه" (٣)؛ ومع ذلك لم تجمع هذه الفتاوى في مؤلف مفرد، بل بقيت منثورة في مكتبات تلاميذه، لا سيما تلميذه البار الحافظ السخاوي ﵀، فقد نقل بعض هذه الفتاوى في بعض مصنّفاته" بل عقد فصلًا في ذكر نبذة من فتاويه المهمّة، في كتابه "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر"، وكان قد همّ بإفرادها في مصنّف مفرد.
وقد رام أ. د. عبد الرحيم بن محمد أحمد القشقري -الأستاذ بقسم الحديث، بكلّيّة الحديث الشريف، بالجامعة الإسلامية، بالمدينة النبوية- جمع هذه الفتاوى من مكتبات العالم، كمكتبات العربية السعودية، وسوريا، وتركيا، ومصر، والمغرب، وتونس، ومكتبات إسبانيا، فتمكّن من جمع عشرين مجموعة مختلفة، في الحديث وعلومه، والفقه وأصوله، وشيئا من التفسير والعقيدة، طبع منها عشر مجموعات بمكتبة أضواء السلف - الرياض، فجزاه الله خيرا؛

(١) المرجع السابق (٢/ ٦١٤).
(٢) المرجع السابق (١/ ٣٢١).
(٣) المرجع السابق (١/ ٣٣٢).

1 / 7

ولكنّه لم يهتد إلى الجزائر ليقف على كنوزها، ويطّلع على أسرارها.
وقد وقفت -فضل الله وتوفيقه- على نسخة خطّية من فتاوى الحافظ ابن حجر ﵀ بالمكتبة الوطنية بالجزائر، وهي برقم: (٢٦٣٢)، وتقع ضمن مجموعة برقم (١٠)، وكتبت بخطّ مغربي، مع استعمال اللون الأحمر.
ولا يشكّ أحد في صحّة نسبة هذه الرسالة إلى الحافظ، ويدلّ عليه أمور، منها:
أنَّه ورد اسم الحافظ ابن حجر في الجواب الأوّل، حيث قال: قاله وكتبه أحمد بن علي بن حجر الشافعي عفا الله عنه.
الثاني: الجواب الثاني، كتب بخطّ الشريف الجزري، ونقله هو من خطّ الحافظ.
الثالث: نقل بعض هذه الفتاوى تلميذه الحافظ السخاوي في كتابيه: "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر"، و"المقاصد الحسنة"، وقد نبّهت على ذلك في موضعها.
الرابع: أحال الحافظ ﵀ بعض هذه الفتاوى إلى بعض كتبه، فقال: وقد بسطته في الكلام على كتاب الأذكار. وهو كتاب: "نتائج الأفكار في تخريج أحادث الأذكار"، طبع منه ثلاثة أجزاء، بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، بمطبعة دار ابن كثير. دمشق - بيروت.
هذا، وقد قمت بنسخ الرسالة حسب قواعد الإملاء المعمول بها، وخرّجت أحاديثها، وعلّقت عليها، ونبّهت على التصحيف الواقع فيها، بحسب بضاعتي المزجاة، والله المستعان، وعليه التكلان.

1 / 8

وفي الختام، أسأل الله العظيم أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم.
وكتب
أبو عبد الرحمن عبد المجيد جمعة
الجزائر: ٢٢ ربيع الأول ١٤٢٦ هـ

1 / 9

الورقة الأولى من المخطوط

1 / 10

الحمد لله
سئل حافظ عصره، وإمام وقته، الشيخ شهاب الدين بن حجر الشافعي العسقلاني (١) عن رجل قال: ورد "الظَالِمُ عَدْلُ اللهِ في أَرْضِهِ، يَنْتَقِمُ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ يَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ" (٢)، فقال له آخر: الذي سمعناه ورد: "الظالم عبد الله في أرضه، ينتقم من الناس، ثمّ ينتقم الله منه"، فقال الطالب: كيف يوصف بالظلم، وينسب الظلم إلى أنّه عدل

(١) أشار الحافظ السخاوي إلى أن هذا السؤال -والذي بعده، وغيره- قد ورد من القاهرة. انظر "الجواهر والدرر" (٢/ ٩١٨).
(٢) قد سبق المصنّف إلى نفي وجوده الإمامُ الزركشيُّ ﵀، فقال في التذكرة في الأحاديث المشتهرة (١/ ١٧٤): لم أجده. لكن رواه بمعناه الطبراني في الأوسط (٣٣٥٨) عن جابر ﵁ بلفظ: "إنَّ اللهَ يقول: أَنْتَقِمُ ممَنْ أُبْغِضُ بمَنْ أُبْغِضُ، ثمّ أُصَيِّرُ كُلًاّ إلى النَّارِ"، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٨٩) بعدما عزاه إلى الطبراني: وفيه أحمد بن بكر البالسي، وهو ضعيف؛ وهذا تساهل، فقد قال ابن عدي: روى أحاديث مناكير عن الثقات، ثمّ ساق له ثلاثة أحاديث، وأقرّه الحافظان الذهبي وابن حجر، وقال أبو الفتح الأزدي: كان يضع الحديث، ولهذا حكم على الحديث بالوضع غير واحد من أهل العلم. انظر الكامل لابن عدي (١/ ١٨٨) ميزان الاعتدال (١/ ٢١٩) لسان الميزان (١/ ١٤٠) المقاصد الحسنة (٦٦٨) الأسرار المرفوعة (٢٨١) الفوائد المجموعة (٦٦٨).

1 / 11

منه تعالى؟
قال السائل: فهل ورد في الأخبار شيء من هذين اللفظين؟ وإذا لم يرد فهل يجوز إطلاق مثل هذا؟
فأجاب: الحمد لله، اللهمّ اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك.
هذا الحديث لا استحضره، ومعناه دائر على الألسنة، [و] (١) على تقدير وجوده فلا إشكال فيه، بل الرواية بلفظ: "عدل الله" أظهر في المعنى من الرواية (٢) بلفظ: "عبد الله".
وأمّا قول القائل: كيف يجوز وصفه بالظلم، وينسب إلى أنّه عدل [من الله تعالى] (٣)؟ فجوابه: أنّ المراد بالعدل هنا ما يقابل الفضل، فالعدل أن يعامل كلّ أحد بفعله: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ، والفضل أن يعفو فضلًا (٤) عن المسيء، وهذا على طريق أهل السنّة، بخلاف المعتزلة، فإنّهم يوجبون عقوبة المسيء، ويدّعون أنّ ذلك هو العدل، ومن ثَمَّ سمّوا أنفسهم أهل العدل والعدلية.
وإلى ما صار (٥) عليه أهل السنة يشير قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، أي: لا تمهل الظالم، ولا تتجاوز عنه، بل عجّل عقوبته، لكنّ الله تعالى

(١) زيادة من "الجواهر والدرر" (٢/ ٩٢٨) و"المقاصد الحسنة" (ص ٢٨٦).
(٢) في الأصل: رواية، والتصحيح من الجواهر والمقاصد.
(٣) زيادة من الجواهر والمقاصد.
(٤) كذا في الأصل، وفي الجواهر والمقاصد: مثلا.
(٥) كذا في "الجواهر" و"المقاصد"، وفي الأصل: صاروا، وهو على لغة: "أكلوني البراغيث".

1 / 12

يمهل من شاء، [ويتجاوز عمّن يشاء] (١)، ويعطي من شاء، ويمنع من شاء، لا يسأل عمّا يفعل سبحانه.
هذا الذي فتح الله به من الجواب عن هذا الإشكال، وربّنا الرحمن المستعان.
قاله، وكتبه: أحمد بن علي بن حجر الشافعي عفا الله عنه.

(١) زيادة من الجواهر والمقاصد.

1 / 13