[المصابيح(الأول)]

المصابيح الساطعة الأنوار

(تفسير أهل البيت عليهم السلام)

الجزء الأول

للسيد الإمام عبدالله بن أحمد الشرفي عليهما السلام بسم الله الرحمن الرحيم

Page 1

وبه ثقتي ونعم الوكيل

[مقدمة]

الحمد لله الذي جعل القرآن نورا هدانا به من ظلمات الضلالة، ورحمة وشفاء من داء كل عمى وجهالة، ونجاة لمن اعتصم به وبأهله الذين دل عليهم بأوضح دلالة، وجعله جل وعلا لمن عقل واهتدى دليلا على من إليه هدى ، ومبينا لقدرة من قدره، وشاهدا على حكمة من دبره.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في حكمه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الذين هم عيبة علمه اصطفاهم لإرث وحيه، فخصهم باستخراج حكمه، وجعلهم حفاظ كتابه وأحكامه، وخزان حلاله وحرامه، والمستحفظين على أسراره وغوامضه، والقائمين بنشر مسنوناته وفرائضه، والعالمين بطرق الصواب مما اختلف فيه المختلفون، والمبينين للصحيح الذي تقول فيه المتقولون، إذ هم الدعوة الباقية في عقب إبراهيم الخليل مهبط التنزيل، وملجأ التأويل، ومختلف ميكائيل وجبريل.

وبعد :

Page 2

فإنه لما كان كتاب الله العزيز كذلك، وكانت حكمته عز وجل اقتضت إنزاله على الأساليب العربية والمعاني اللغوية، وفيها العام والخاص والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، وما يحتمل وجها، وما يحتمل وجهين فأكثر، وما تتشابه فيه المعاني وتتعدد فيه الوجوه، ولذلك من لم يتبع سبيل أعلام الهدى ، وأرباب التقى أهل بيت محمد المصطفى ، صلوات الله عليه وعليهم وسلم فسر الكتاب على آرائه، والحق على أهوائه، فعمي وعمى على غيره، وضل وضل غيره بسببه، وترى المنتصر يصرف الأدلة بمجرد العبارات، ويتطلب للتأويلات حتى يقوم الأدلة إلى مساق هوى النفس، فيقربها إليه، ويعتمد في دينه ودنياه عليه، لا يلوح لأعين البصائر فيه إلا كلمعان البروق، وترقرق فيه لأهل الأهواء والأغاليط أقاويل تروق.

ولقد صدق أمير المؤمنين عليه صلوات رب العالمين حيث يقول:"سيأتي بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته" [يريد عليه السلام إذا اتبع حق اتباعه كذا عن زيد بن علي عليه السلام ]"ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه" اه.

Page 3

قال بعض أئمتنا عليهم السلام: والتحريف على وجهين أحدهما: تحريف ما أنزل الله لفظا كما يفعله اليهود والثاني: تحريفه تأويلا كما يفعله أهل البدع والأهواء، فيجب التثبت في ذلك لئلا يضل بضلالهم، ويجب الإقتداء بمن أمر الله الإقتداء بهم، والكون معهم من آل رسول الله صلى الله عليه وعليهم السلام لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أمننا من الضلال مهما تمسكنا بهم، إذ أخبرنا وهو الصادق في خبره أن المتمسك بهم لن يضل أبدا، وأن اللطيف الخبير نبأه بذلك، وقال علي عليه السلام: "ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول": (إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيحرمه الله بشركه، ولكني أخاف عليكم منافق اللسان يقول ما تعرفون، ويفعل ما تنكرون). اه.

وقد أخبرك الله عن المنافقين أنهم يقولون: يريدون أن يبدلوا كلام الله كما أخبر الله عن من مضى من قبلهم من أهل الكتاب أنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه وعن مواضعه، ويكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، وأنه منعهم عن ذلك بالإعجاز، وحال بينهم وبين تبديل القول بالحفظ وابتلاهم من جهة التأويل وأبان حالهم فيه ومقاصدهم إليه.

Page 4

قال: ((فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)).[آل عمران: 7]. وأنه عز وجل بحكمته حفظ التأويل كما حفظ التنزيل بتفضيل بعض خلقه في العلم كما فضل بعضهم على بعض في الرزق، وبيان من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، ومن جعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء، وببيان من اختاره ليترجم عن تأويله كبيان اختياره لمن يتحمل عهدة تنزيله ممن يفسر بعض القرآن ببعضه، ويدل على متشابهه بمحكمه بنحو قوله تعالى: ((ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير)).[فاطر: 32]. وتفسيره بقوله عز وجل: ((إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)).[آل عمران: 33،34]. فقوله سبحانه: ((ذرية بعضها من بعض)). ليس المراد به تعليم الخلق تناسلهم وولادة بعضهم من بعض لأنه أمر ظاهر معلوم، وإنما المراد موافقة طريقتهم التي لها ولأجلها اختارهم الله تعالى، فدلت الآية على مزية وخصوصية زائدة على الإيمان والولادة والقرابة، وتلك الخصوصية هي موافقة من اصطفاه الله في باب الطهارة والعصمة والكمال والوقار واجتماع الخصال التي تسعها النبوة والإمامة، وهذا ظاهر لأنه إذا لم يكن معنى بعضهم من بعض الولادة فلا يبقى إلا ما ذكرناه، وسيأتي بيان ذلك وغيره شافيا إن شاء الله تعالى في مواضعه، وتعيينه سبحانه باصطفائه محمدا الطاهر أن المصطفين لإرث هذا الكتاب [إذ لا يصدق قوله: ((ذرية بعضها من بعض)). على غيرهم] هم ذريته الأخاير، يزيد هذا وضوحا قوله تعالى: ((ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب)).[الحديد: 26]. ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء من ذريتهما فيجب أن تكون ذريته هم خاتمة الذراري الذين أخبر الله أنه يجعل الكتاب فيهم وتعيينه إياها في ولد الحسن والحسين سلام الله عليهما وعليهم بنحو آية المباهلة، ونحو خبر (كل بني أنثى ينتمون إلى أبيهم إلا ابني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما). والإجماع المعلوم بين الأمة.

Page 6

قال الإمام الأعظم القاسم بن إبراهيم عليهم السلام: وقد احتج بهذه الآية ونحوها على هذا المعنى في الأنبياء وذرياتهم وفي نبينا وذريته عليهم السلام، فأي ضياء أضوى؟. أو حجة لمحتج أقوى؟. في إثبات الصفوة والفضل لأبناء المنتجبين من الرسل مما تلونا تنزيلا مبانا أنزله الله في وحيه قرآنا لا تعارضه شبهة لبس، ولا يلبس على ذي ارتياده ملبس، ولكن اقتطع الناس دونه - وحال بين العامة وبينه - جور أكابرهم في الحكم، واعتساف جبابرتهم فيه بالظلم، فأعين العامة في غطاء عن مذكوره، وقلوبهم ذات عمى عن نوره، فمعروفه لديهم مجهول، وداعيه فيهم مرذول إن لم يقتل عليه عظم تعسفه فيه، ولم يعدوا من جهلهم بفرضه وما هم عليه من رفضه سبيل ما هم عليه وما أمسوا وأصبحوا فيه من جهل غيره من الحقوق وتعطيلها ومحو أعلام الدين وتبديلها، فالله المستعان في ذلك وغيره وإياه نسأل تبديل ذلك وتغييره إلى آخر كلامه عليه السلام في هذا المعنى وهو طويل جدا.

Page 7

وببيان أن في المصطفين ظالما لنفسه لا يؤمن على التأويل ولا يوثق به في الإتباع كمن كان في من قبلهم من ذرية الأنبياء فيما أخبر من قوله تعالى: ((ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون)).[الحديد: 26]. وقوله في إبراهيم صلوات الله عليه: ((وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين)).[الصافات: 113]. واما كانت الحاجة إلى معرفة السابق والمقتصد من ضروريات التكليف، وعدم إبانة أمرهما من التعمية والتلبيس، بين سبحانه من يجب اتباعه والكون معه بالصفة التي فيها أكمل المعرفة فقال عز وجل: ((ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين )).[التوبة: 119]. فقوله: ((وكونوا مع الصادقين)). أمر بموافقة الصادقين ونهي عن مفارقتهم وظاهر الأمر للوجوب، والله سبحانه بحكمته لا يأمر بالكون مع من لا يعلم صدقه قطعا فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، ومتى وجب الكون مع الصادقين فلا بد من وجود الصادقين، لأن الكون مع الشيء مشروط بوجود ذلك الشيء، فهذا يدل على أنه لابد من وجود الصادق في كل وقت، فيجب علينا حينئذ طلبه لنكون معه كما أمر الله، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

Page 8

قال في البلغة ([1]). في تفسير هذه الآية:<أمر الله المؤمنين بالتقوى وهو أن يجتنبوا المعاصي وأمرهم بالكون مع الصادقين، والصادقون هم الأنبياء والأئمة عليهم السلام والصديقون من المؤمنين، والفرق بين كن مع الصادقين، وبين كن من الصادقين، وبين كن في الصادقين أن مع تفيد المصاحبة، ومن تنبي عن التبعيض، وفي عن الظرف والوعاء، فمن كان في جملتهم فقد حصل المعاني الثلاثة، وكان علي بن الحسين عليهما السلام إذا تلي هذه الآية بكى وناح على نفسه، وله أدعية طويلة في هذا الباب مفصلة بالمواعظ البليغة والحكم البديعة>.

----

([1]) البلغة لمن لا يحضر المفسر في تفسير القرآن العظيم تأليف محمد بن محمد بن أحمد بن الحكم الطوسي (أبو العباس) منه نسخة مخطوطة من الجزء الثالث، وأخرى الجزء الرابع في المكتبة الغربية الجامع الكبير رقم 11 12 تفسير، ونسخة خ في مكتبة جامع شهارة وقد نقل عنه المؤلف كثيرا.

Page 9

ثم فسرهم بأحوالهم ودل عليهم بأقوالهم وأعمالهم بقوله عز وجل: ((ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس)).[البقرة: 177]. ثم قال عز وجل في من جمع هذه الأوصاف: ((أولئك الذين صدقوا)). [البقرة: 177]. وقال: ((وأولئك هم المتقون)). [البقرة: 177]. ثم أمر الله تعالى بالكون معهم حيث قال: ((وكونوا مع الصادقين )).[التوبة: 119]. وقوله تعالى: ((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)).[الحجرات: 15]. قال الهادي إلى الحق عليه السلام: <فلم يحكم عز وجل بحقائق الإيمان إلا لمن بعد منه الارتياب في وجوه الدين والإحسان فنسأل الله الثبات على دينه والتوفيق لما يرضيه برحمته>.

Page 10

قال الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليهم السلام: < لما عقب ذلك بقوله سبحانه: ((أولئك هم الصادقون)).[الحجرات: 15]. دل ذلك على أن من ادعى الإيمان بغير ما ذكرنا فهو من الكاذبين وأن دعواه تلحق بدعوى المنافقين سيما وقد أكد بترك الارتياب ولا يزول الارتياب إلا بعد استحكام العلم بالبرهان > وسيأتي كلامه إن شاء الله مستوفى في الحجرات.

ولم نجد من اجتمعت له هذه الصفات واقتفى خلفه سلفه في هذه الدلالات الواضحات غير هؤلاء الآثمة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين طابقت عقائدهم المعقول والمنقول، فشهد لهم بالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين والسنن صرائح العقول، وعرف منهم الحرص على سائر صفات الذين صدقوا بما ميزوا به من المحقين والمبطلين والمطيعين والعاصين وفرقوا لأن الله عز وجل لا يخلي بين الكاذبين وبين الأمور التي لا تكون إلا من صفة الصادقين، لأن الحكيم في حكمه قد جعل بين الحق والباطل فصلا، وبين منزلة الصادقين والكاذبين فرقا، وكذلك صفة المؤمنين من العاملين والمخلصين أمرهم مباين لسيما المموهين.

Page 11

Lampes Brillantes des Lumières | Usul