Maqowamat al-Da'iyah al-Najeh fi Dhaw' al-Kitab wa al-Sunnah
مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة
Maison d'édition
مطبعة سفير
Lieu d'édition
الرياض
•
Régions
•Arabie saoudite
مقومات
الداعية الناجح
في ضوء الكتاب والسنة
مفهوم، ونظر، وتطبيق
تأليف الفقير إلى الله تعالى
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
Page inconnue
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم
مُّسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشرّ الأمور مُحدَثاتها، وكل مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.
(٢) سورة النساء، الآية: ١.
(٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٧٠ - ٧١.
1 / 3
لاشكَّ أن الداعية إلى الله تعالى لا يكون ناجحًا موفقًاَ مسددًا في دعوته إلا بإخلاص عمله كله لله، ومتابعته لرسول الله ﷺ في كل أموره، وبالتزامه بالصفات والمقوِّمات التي تجعله مستقيمًا في دعوته معتدلًا، لا إفراط ولا تفريط. ولا ريب أن معرفة الداعية للمقوِّمات التي تجعله ناجحًا في دعوته من أهم المهمّات؛ لأن نجاح دعوته، وفوزه برضى ربه، وتوفيقه موقوف على العمل بهذه المقوّمات، ومقوّمات الداعية الناجح متعددة وكثيرة؛ ولكني سأقتصر على ذكر أصولها، وأسسها التي تتفرّع منها جميع المقوِّمات التي لابدّ لكل داعية من معرفتها، والعمل بها، وتطبيقها في حياته.
وهذا موضوع مهم جدًا ينبغي أن يُبيَّن ويُبرز من قبل العلماء المبرزين الذين بذلوا حياتهم وجهدهم في سبيل نشر هذا الدين، وإيصاله للناس بالوسائل والطرق النافعة المشروعة؛ ولكني سأذكر ما يسّر الله لي من هذه المقوّمات التي لا يستغني عنها الداعية في دعوته.
وقد قسمت البحث إلى تمهيدٍ، وتسعة فصول، وتحت كل فصل مباحث، وتحت كل مبحث مطالب في الغالب على النحو الآتي:
التمهيد: مفهوم مقومات الداعية الناجح.
الفصل الأول: العلم النافع
المبحث الأول: أهمية العلم
المبحث الثاني: أقسام العلم النافع
المبحث الثالث: العمل بالعلم
1 / 4
المبحث الرابع: طرق تحصيل العلم
الفصل الثاني: الحكمة
المبحث الأول: مفهوم الحكمة.
المبحث الثاني: أهمية الحكمة
المبحث الثالث: أنواع الحكمة
المبحث الرابع: درجات الحكمة
المبحث الخامس: طرق تحصيل الحكمة.
المبحث السادس: إنزال الناس منازلهم ومراتبهم.
الفصل الثالث: الحلم
المبحث الأول: مفهوم الحلم
المبحث الثاني: أهمية الحلم
المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الحلم في الدعوة.
المبحث الرابع: طرق تحصيل الحلم.
الفصل الرابع: الأناة والتثبت
المبحث الأول: مفهوم الأناة.
المبحث الثاني: أهمية الأناة.
المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الأناة في الدعوة.
المبحث الرابع: العجلة والاستعجال.
الفصل الخامس: الرفق واللين
المبحث الأول: مفهوم الرفق واللين.
المبحث الثاني: أهمية الرفق واللين.
1 / 5
المبحث الثالث: صور من مواقف تطبيق الرفق واللين في الدعوة.
الفصل السادس: الصبر
المبحث الأول: مفهوم الصبر.
المبحث الثاني: أهمية الصبر في الدعوة.
المبحث الثالث: مجالات الصبر.
المبحث الرابع: حكم الصبر.
المبحث الخامس: أنواع الصبر.
المبحث السادس: صور من مواقف تطبيق الصبر والشجاعة في الدعوة.
المبحث السابع: طرق تحصيل الصبر.
الفصل السابع: الإخلاص والصدق
المبحث الأول: مفهوم الإخلاص.
المبحث الثاني: أهمية الإخلاص.
المبحث الثالث: النية أساس العمل.
المبحث الرابع: خطر الرياء وأنواعه وأقسامه.
المبحث الخامس: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء.
المبحث السادس: الصدق.
الفصل الثامن: القدوة الحسنة
المبحث الأول: مفهوم القدوة الحسنة.
المبحث الثاني: أهمية القدوة الحسنة.
المبحث الثالث: وجوب القدوة الحسنة.
الفصل التاسع: الخلق الحسن
1 / 6
المبحث الأول: مفهوم الخلق الحسن.
المبحث الثاني: أهمية الخلق الحسن في الدعوة.
المبحث الثالث: طرق تحصيل الخلق الحسن.
المبحث الرابع: فروع الخلق الحسن وتطبيقها في الدعوة.
والله أسأل بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا، أن يجعل هذا العمل مباركًا، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به إخواني الدعاة، وجميع من انتهى إليه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم موافقًا لسُنّة سيد الناس أجمعين؛ فإنه سبحانه خير مسئول، وأكرم مأمولٍ، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
عصر يوم الجمعة ٥/ ٣/١٤١٥هـ
1 / 7
التمهيد: مفهوم مقوّمات الداعية الناجح
القِوامُ: نظام الأمر، وعماده، وملاكه الذي يقوم به. يُقالُ: هذا قِوام الدين، وقِوام الحق: أي الذي يقوم به. ويقال: فلان قِوام أهل بيته: عمادهم. ويقال: الدستور هو قِوام الدولة: أي الضابط لها تقوم عليه. ويقال: قوّم الشيء تقويمًا: أزال اعوجاجه وعدَّله، وقِوامُ كل شيء ما استقام به .. وقوَّمتُ الشيء فهو قويم: أي مستقيم (١).
فتبين من هذه التعريفات اللغوية أن مقوِّمات الداعية الناجح: هي المعدِّلات التي تُعدّل الداعية، وتقيم اعوجاجه فتجعله: مستقيمًا، معتدلًا، حكيمًا، منضبطًا في كل أموره، ناجحًا في دعوته وموفقًا مسددًاًًًً، ملهمًا بإذن الله تعالى.
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور، ١٢/ ٥٠٤، والقاموس المحيط، ص١٤٨٧، ومختار الصحاح، ص٢٣٣، والمعجم الوسيط، ٢/ ٧٦٨، وجمهرة اللغة لابن دريد، ٣/ ١٦٦، والهادي إلى لغة العرب للكرمي، ٣/ ٥٨١، والمنجد الأبجدي، ص٨٢١، ومحيط المحيط للمعلم بطرس، ص٧٦٤.
1 / 8
الفصل الأول: العلم النافع
المبحث الأول: أهمية العلم النافع.
المبحث الثاني: أقسام العلم النافع.
المبحث الثالث: العمل بالعلم.
المبحث الرابع: طرق تحصيل العلم.
1 / 9
المبحث الأول: أهمية العلم النافع
العلم من أعظم المقوّمات للداعية الناجح، وهو من أركان الحكمة، ولهذا أمر الله به، وأوجبه قبل القول والعمل، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (١).
وقد بوَّب الإمام البخاري رحمه الله تعالى لهذه الآية بقوله: «باب: العلم قبل القول والعمل» (٢).
وذلك أن الله أمر نبيه بأمرين: بالعلم، ثم العمل، والمبدوء به العلم في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله﴾، ثم أعقبه بالعمل في قوله:
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾، فدلّ ذلك على أن مرتبة العلم مُقدَّمة على مرتبة العمل، وأن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو مقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل (٣).
والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول ﷺ، وقد يكون علم من غير الرسول ﷺ، لكن في أمور دنيوية، مثل: الطب، والحساب، والفلاحة، والتجارة (٤).
ولا يكون الداعية إلى الله مستقيمًا حكيمًا إلا بالعلم الشرعي، وإن لم يصحب الداعية من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه،
(١) سورة محمد، الآية: ١٩.
(٢) البخاري، كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل، قبل الحديث رقم ٦٨.
(٣) انظر: فتح الباري ١/ ١٦٠، وحاشية ثلاثة الأصول لمحمد بن عبد الوهاب، جمع عبد الرحمن بن قاسم الحنبلي، ص١٥.
(٤) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٣/ ١٣٦، ٦/ ٣٨٨.
1 / 11
فسلوكه على غير طريق، وهو مقطوع عليه طريق الوصول، ومسدود عليه سبيل الهدى والفلاح، وهذا إجماع من العارفين.
ولاشك أنه لا ينهى عن العلم إلا قُطَّاع الطريق، ونوّاب إبليس وَشُرَطه (١). وقد مدح الله ﷿ أهل العلم وبيَّن فضلهم، وأثنى عليهم، قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢)،
﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٣)، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤)، وبيَّن سبحانه أن العلم نور لحامله والعامل به في الدنيا والآخرة: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٥)، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٦)؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (٧).
وقال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكان
(١) انظر: مدارج السالكين للإمام ابن القيم، ٢/ ٤٦٤.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٩.
(٣) سورة المجادلة، الآية: ١١.
(٤) سورة فاطر، الآية: ٢٨.
(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.
(٦) سورة الشورى، الآية: ٥٢.
(٧) البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، برقم ٧١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، برقم ١٠٣٧.
1 / 12