778

Les Articles du Site Dorar

مقالات موقع الدرر السنية

والمؤمن المستبصر يدرك مدى خطورة الأمر، خاصة إذا علم أنه لا أحد بمأمن من ذلك مهما علا شأنه في العلم أو العبادة والطاعة، أو في المجاهدة والدعوة، أو فيها جميعا.

والمتتبع لواقع المسلمين المعاصر، وخاصة طلاب العلم ورجال الدعوة وشباب الصحوة منهم، يرى كيف تسللت شبه كثيرة إلى القلوب، وانتقلت إلى العمل والواقع الدعوي من خلال الوسائل المعاصرة (وهي معروفة) وتحولت إلى ما يمكن أن يسمى ب (شللية فكرية) تتبنى عددا من مسائل العقيدة والشريعة والثقافة بمنهج عقلاني عصراني منحرف.

وأساس المشكلة تسلل شبهات الملاحدة والزنادقة والعلمانيين والمستشرقين والحداثيين وأضرابهم؛ حيث صار هؤلاء يعرضونها، وهناك جزء من رجال الصحوة وشبابها يتشربون هذه الشبهات، وبعد قليل ينوبون عن أولئك الزنادقة وأهل البدع في نشرها والحماس في الدفاع عنها.

والملفت للنظر أن كافة هذه الشبهات ليست جديدة، بل هي مما سبق أن عرض ودون في كتبهم وردها العلماء والدعاة وكشفوا زيفها؛ فما الجديد؟

الذي استجد إنما هي حرب مركزة على الإسلام وعلى منهج السلف خاصة، ودعمت هذه الحرب قوى مختلفة معروفة، وقابل ذلك ضعف الإيمان وخلل في الثقة بالمنهج.

وهو ما جعل هذه الشبهات تلج القلوب، فتغير الكثير منها. فصارت هذه القلوب كالإسنفجة تمتص هذه الشبهات كما تمتص الماء العفن.

إن سؤال المسلم الهداية: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 6 - 7]. يكرره في اليوم والليلة أكثر من سبع عشرة مرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر - كما في الحديث الصحيح المشهور - بأن سبيل الله واحد وما عداه سبل الشيطان، وأصل الهداية هداية القلوب؛ لأن القلب سيد البدن، كما أن أساس الضلالة - عياذا بالله - غواية القلوب وضلالها وانحرافها، فجاءت هذه الوصية الغالية من شيخ الإسلام، والتي تقول خلاصتها: لا تجعل قلبك للشبهات مثل الإسفنجة، فيتشربها ولا ينضح إلا بها.

فما وجه تشبيه هذا النوع من القلوب بالإسفنجة؟

1 - يلاحظ الشبه بينهما من ناحية التكوين؛ فكل منهما رقيق لين ليس في داخله صلابة من عظام ونحوها.

2 - أن الإسفنجة معروفة بطبعها؛ فهي تمتص كل سائل؛ فإن أدخلتها طيبا: من ماء عذب أو لبن أو شراب، فإنها تمتصه كما أنك إن أدخلتها في ماء عفن أو بول أو نجس: كخمر ونحوه، فإنها تمتصه أيضا.

3 - أن الإسفنجة إذا امتصت السائل فلا بد أن تنضح بما فيها؛ حيث يخرج منها القطرات بل أكثر من ذلك إذا ضغط عليها ولو بقليل من القوة وقلما تحتفظ بما فيها حتى ينشف، ولو نشفت لما أقبح ما فيها؛ إن كان ما امتصته من المجاري وأشباهها!

4 - أن الإسفنجة متى ما اعتادت امتصاص العفن، تحولت هي إلى عفن؛ فلا ينفع معها تنظيف ولا غسل.

وكذلك القلوب فهي:

أولا: رقيقة لأنها موطن الإرادة والحب والبغض والمحبة والكره، وهي موطن أعمال القلوب: من خوف، ورجاء، ومحبة وإنابة، وإخلاص، وصدق، وتوبة، وتوحيد، وتوكل وغيرها؛ ولذا فهي تابعة لمن خضعت له:

أ- فإن انقادت لمولاها وسيدها ومالكها بتوحيده والتوكل عليه وحده لا شريك له وبمحبته ورجائه وخوفه وسائر أعمال القلوب فقد اتصفت بصفتين عظيمتين:

إحداهما: كمال الافتقار لمولاها؛ فهي لا تستغني عنه لحظة من ليل أو نهار مع كمال الانقياد والطاعة فهي تقود أبدانها إلى مولاها بالاستجابة التامة، بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فإن أذنب العبد فهي لرقتها تبادر إلى التوبة والاستغفار والحسنات الماحيات.

Page 278

Les Articles du Site Dorar | Usul