776

Les Articles du Site Dorar

مقالات موقع الدرر السنية

وتأمل جوابه صلى الله عليه وسلم للرجل الذي استفهم عن تحفظ النبي صلى الله عليه وسلم: كأنه يقول: أعلى مجرد قطعة قماش يا رسول الله؟!

لكنه صلى الله عليه وسلم لفت نظره إلى أن الأمر لا يتعلق بقطعة قماش، بقدر ما يتعلق بأمر إيماني، وهو حسن التأسي به في كل شيء.

أقول: وكذلك الأمر لا يتعلق بشعرات في وجه مسلم تطول أو تقصر، وإنما تتعلق بمستوى إيمانه وحسن تأسيه.

وعلى ذلك قس سائر تصرفاتنا وأفعالنا؛ أعني من كان منا يصنف نفسه داعية أو طالب عالم فضلا عن المشايخ والعلماء.

وإذا كان هذا في شأن السنن الظاهرة فكيف في الأعمال الواجبة.

عن إبراهيم النخعي: «كانوا إذا أرادوا أن يأخذوا عن رجل، نظروا إلى صلاته وإلى سمته وإلى هيئته».

وقال أبو العالية: «كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه، فاتفقد صلاته فإن وجدته يحسنها أقمت عليه، وإن أجده يضيعها رحلت ولم أسمع منه وقلت: هو لما سواها أضيع».

وعودا إلى حديث التأسي أقول: كان هذا منه صلى الله عليه وسلم في شأن رفع الإزار حتى نصف الساق، لكننا الآن بلينا بمن يتقحم المحرمات بدعوى الخلاف؛ فأصبح جر الإزار ووصوله إلى الكعبين أمرا لا تهتز له في جبين الكثيرين منا شعرة ..

وحلق اللحية وتخفيفها جدا مظهر دعوي، بل يكاد يصل الأمر بالبعض إلى الاستخفاف بالمتأسين بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في كثافة اللحية أو تركها مطلقا ..

إن هذا المظهر نذير شؤم على الدعوة وأهل الدعوة، ودليل على بعدها عن الأخذ بأكبر وأعظم أسباب النصر الرباني، ألا وهو الأسوة واتباع السنة .. فإن النصر الإيماني الذي وعد الله به عباده المؤمنين لا يكون إلا للمتأسين ..

قد تتحقق للدعاة وأتباعهم انتصارات نوعية ووقتية، لكنه ليس النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين، وإنما هو تابع لسنة المدافعة الربانية (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).

فإذا حققت الجماعة نصرا معينا، وهي بعيدة عن حبل التأسي فليس هو انتصار الحق على الباطل .. ذلك الانتصار الذي يفرح به المؤمنون ويقولون: (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله)، فإن هذا لا يكون لمن أصر على تنكب السنة، ومخالفتها والتهاون بها والتساهل فيها، فضلا عن التنفير عنها؛ بدعوى تحسين صورة الإسلام، أو ترغيب الناس فيه، كما نرى من فعال كثير من المنتسبين للعلم والدعوة .. دعاة إلى السنة بأقوالهم .. وهم بأفعالهم ومناهجهم أكبر ما يصد عنها.

أما آن لنا أن تخشع قلوبنا لذكر الله وما نزل من الحق، ومن الحق قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون). [الأنفال:24].

وقوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا). [الأحزاب:21].

والله الهادي إلى سواء السبيل.

Page 276