740

Les Articles du Site Dorar

مقالات موقع الدرر السنية

ثم إنه لا يمتنع أن تكون بين الزوجين عداوة دينية كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) [التغابن: 14]

فالله أثبت احتمال قيام العداوة الدينية بين الزوج والزوجة، فلا أدري لماذا يأخذون آية (خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) [الروم: 21] والتي تتحدث عن المودة القدرية الكونية، ولايضمون معها هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) [التغابن: 14] والتي تثبت احتمال قيام العداوة الدينية.

ثم إن المودة التي ذكرها الله بين الزوجين لايلزم منها أن تكون دوما هي الحب، بل قد يكون المراد بها الصلة والإحسان كما قال تعالى (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) فالنبي لايطلب أن يتحاب مع كفار قريش وإنما كما في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال (إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة) [البخاري:4818]

ثم إن مايجده الإنسان في نفسه من الولاء والحب لوالده وشقيقه أعظم مما يجده من الولاء لزوجته، ومع ذلك قطع الله موالاة الأب الكافر المسالم، والشقيق الكافر المسالم، كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان) [التوبة:23]

ثم إن أهل العلم بينوا أنه مورد الأمرين مختلف أصلا، فبغض الكافر المسالم وعداوته القلبية هي بغض وعداوة قلبية دينية، أما المودة التي تقع بين الزوج والزوجة فهذه مودة غريزية فطرية، ولايمتنع أن يجتمع الأمران في شخص واحد.

وأما قولهم (إنه يمتنع أن يجتمع في الشخص الواحد محبة وبغض، وبالتالي فما دام يجوز أن يحب زوجته الكتابية فلينتف البغض الديني عنها!) فهذا كلام ساقط، فإن الدواء يجتمع فيه الحب والبغض، فهو محبوب من وجه مبغوض من وجه، وهذا مثال يكرره أهل العلم كثيرا للتدليل على كيفية اجتماع الحب والبغض في شخص واحد.

ونظير ذلك في الشرعيات أن القتال في سبيل الله يجتمع فيه كره طبيعي لما فيه من إيذاء النفوس، وحب شرعي لما فيه من الثواب العظيم، كما قال تعالى في الكراهية الطبيعية للقتال (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) [البقرة:216] وقال تعالى في الحب الشرعي للقتال (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع) [التوبة:92].

فانظر كيف أخبر أنهم يكرهون القتال طبعا، ثم تفيض عيونهم من الحزن إذا فاتهم القتال لحبهم إياه شرعا وديانة!

فمن أنكر الكره الطبيعي للقتال فقد كابر، ومن أنكر الحب الشرعي للقتال فما عرف معنى الإيمان بعد، فإن أثبت اجتماعهما في محل واحد فكيف ينكر اجتماعهما في شخص واحد وهو الزوجة الكافرة؟!

وكذلك فإن كل نفس تجد في داخلها كراهية السجن كراهية طبيعية، ولكن لما كان فيه مصلحة شرعية ليوسف -عليه السلام- صار أحب إليه شرعا وإن كان يبغضه طبعا، كما قال تعالى عن يوسف (قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) [يوسف:33].

Page 240