Les Articles du Site Dorar
مقالات موقع الدرر السنية
(قلب الأدلة على الطوائف المخالفة) للقاضي
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
قد لا يعاني البحث العلمي في هذا الوقت من تعذر الوصول إلى المعلومة أو تعسرها، بل المعلومة يمكن العثور عليها بأيسر طريق، وأكبر قدر؛ لا سيما مع التقنيات الحديثة: من الحاسب وشبكات المعلومات ومحركات البحث ... ونحوها.
كما أن الباحث لا يلقى عنتا ولا شحا في تعدد القضايا، وتنوع النوازل، وتتابع المستجدات التي يجدر بحثها ومعالجتها؛ إذ لا تزال هذه الإشكالات والوقائع ميدانا رحبا لمن عزم على بحثها، وجد في تحريرها وتحقيقها.
لكن على الرغم من وفرة المعلومات وضخامتها، والسهولة المفرطة في مطالعتها، وأيضا تكاثر المستجدات والحوادث؛ إلا أن الفاحص والناظر في جملة من البحوث العلمية - سواء كانت رسائل علمية أو بحوث مجلات محكمة أو مؤتمرات - ليجد الهشاشة والهزال فيها، والرتابة المملة، والتكرار والاجترار، ولسان الحال يقول:
ما أرانا نقول إلا معارا ... أو معادا من قولنا مكرورا
إضافة إلى الإغراق في النواحي الشكلية والفنية، والاستطراد في المقدمات المعروفة، وأما القضايا العلمية المشكلة والمعنية بالبحث ، فإن الباحث قد يختزلها أو يسوق كلاما عائما، أو يتنصل منها ... دعك من حال البحوث التي يتشبع أصحابها بما لم يعطوا، أو الذين يحمدون بما لم يفعلوا.
ولما سئل الخريشي (ت 1001 ه) أن يؤلف كتابا، فقال: (التأليف في زماننا هذا هو تسويد الورق، والتحلي بحلية السرق) (¬1).
ومهما كان الواقع قاتما ومترديا جراء تلك البحوث، إلا أن ثمة بحوثا على النقيض من ذلك؛ إذ تجد في هذه البحوث الجادة عمقا علميا، وتحريرا متينا، وسعة في الاطلاع، وابتكارا في التصنيف، وجزالة في الأسلوب، ورسوخا في التحقيق، ودراية فائقة في التخصص.
ومن خير النماذج وأروع الأمثلة على ذلك رسالة: «قلب الأدلة على الطوائف المخالفة في توحيد المعرفة والإثبات» للشيخ تميم بن عبد العزيز القاضي (¬2).
ومع أن كثرة الصفحات، ووفرة المراجع ليست أهم المعايير - في نظري - لإضافة تزكية على البحث، وتحقيق إيجابيته؛ إلا أن الباحث سطر ما يزيد على ستمائة وألف صفحة، ورجع إلى أكثر من ثماني مئة مرجع، ولم تكن هذه الصفحات المئات حشوا ولا استطرادا، كما لم تكن مراجعه تكثرا وتعسفا؛ فالباحث قد رجع إليها فعلا، وتحرى المراجع الأصلية، والمصادر العميقة، وجانب ما كان هشا وما ليس مرجعا معتبرا.
ويستوقفك في البحث ابتداء حسن اختيار الموضوع وجدته وبكارته، ومفارقته للبحوث المكرورة الرتيبة.
وأحسب أن هذا البحث النفيس من واجبات الوقت، ويسد حاجة ملحة في الآونة الأخيرة؛ إذ يسهم البحث في مدافعة انهزامية واضطراب قد عرضا لبعض المتسننة؛ فقلب الأدلة على أهل البدع يبعث تمام الثقة بالمنهج السلفي، والاعتزاز والاعتصام بطريقة أهل السنة والجماعة، بل هذا سبيل المرسلين وأتباعهم؛ فإبراهيم - عليه السلام - حين عارضه قومه، وخوفوه من أصنامهم، قال قالبا عليهم حجتهم وتخويفهم: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 18].
Page 181