Les Articles du Site Dorar
مقالات موقع الدرر السنية
فإن من لم يرفع نفسه عن قدر الجاهل، رفع الجاهل قدره عليه.
فإن من المجادلين مجادلا مع جهل وكبر، تتناسخ في ذهنه الجهالات، فكلما رددت واحدة أورد مثليها، فتريد أن ترد شبهة تخشى وقوعها في أذهان الناس، فيأتي بشبهات أخرى ربما تقع في أذهان الناس موقعا أكثر من سابقتها، لا تجد وقتا لتتبعها؛ لسقوطها عندك، وهي عند بعض الناس حق محكم، فتعين في ثبات الباطل بابتداء الرد عليه، فمن كمال الأدب مع العلم: الاعتداد بمآلات الأحوال، ومعرفة الأعيان، ومن المعارف التي لا يدركها بسطاء الناس عدم الرد على من كانت هذه حاله؛ لأن انشغال الناس بجهالة واحدة يبديها، ثم تتبدد في جو الحق السائد - خير من انشغالهم بجهالات كثيرة يولدها، وترقيع بعض الجهالات يوسعها، ونسج ثوب حق تام أفضل من ذلك.
ولذا يقول الأحنف بن قيس: قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل.
والكلام ساقط المعنى يختلف في قدر سقوطه، منها ما يسهل رده، وإعادته إلى الجادة، ومنها ما يجد الناقد مشقة في رده؛ لقوة سقوطه.
وكثير من الأقوال الخاطئة التي يرميها الكتاب والمتحدثون كالمتاع يسقط من يد صاحبه، بعضه سهل تناوله، وبعضه لا يؤبه به، ويسقط في بئر سحيقة، تناوله متعذر، والمصلحة في تركه، وقد يوصف تاركه حينها بالعجز، وينبغي ألا يضره ذلك في نفسه، ولا يضره عند العقلاء، ولا يمكن أن يستكمل العالم اسم العلم، حتى يسمع الكلمة العوراء فيجعلها خلف أذنه.
وقد يجد الإنسان صعوبة في رد حجة الجاهل مستحكم الجهل؛ لأنه يحتاج نوعا نازلا من العلم يليق بنزول جهالته.
وكثرة المجادلة في المسألة ليست محمودة في حد ذاتها، ما لم ينظر إلى دلائل الاقتران بها حالا، وما تؤول إليه، ولا ينبغي للعالم أن ينساق وراء ما يريد الجاهل من المراجعة والمقاولة، وما عليه أكثر مما بينه؛ لأن الجاهل لا يعرف نفسه قدر معرفة العالم له ولقوله؛ لأن العالم كان جاهلا من قبل، وأما الجاهل فلا يعرف العالم؛ لأنه لم يكن مرة عالما.
وقد يكون الحق بينا، وصاحب الباطل معاند معروف العناد، فتجب محاججته، وبيان الحق لا له، بل لمن وراءه ومن يتابعه، فهذا أبو لهب حكم الله بعدم إيمانه، وقطع بدخوله النار؛ ? تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب ? [المسد: 1 - 3]، ومع ذلك بقي النبي - صلى الله عليه وسلم - يحاججه وقومه دهرا؛ لأن المقصود قومه في صورته؛ لكونه سيدا متبوعا.
والعالم يدرك من أنواع وأجناس وأعداد المخاطبين ما لا يدركه غيره، فربما خاطب فردا وسماه وهو يريد غيره، وربما خاطب فردا وهو يريد جماعة، وربما أحجم عن تسمية فرد يستحق الردع؛ استصلاحا لغيره ممن يشركه في منكره من أهل العناد، أو ممن يمد له بسبب ونسب؛ إغلاقا لمدخل الشيطان عليهم من الذب عنه، والتماس التأويل الباطل له؛ لاختلاط الهوى بالحق، فتكون حينئذ فتنة جماعة بعد أن كانت فتنة فرد؛ كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل مع بعض المنافقين من الأوس والخزرج، وهذا من البصيرة المذكورة في قوله تعالى: ? قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ? [يوسف: 108].
Page 123