Les Articles du Site Dorar
مقالات موقع الدرر السنية
وعكس ذلك اجتزاء بعض آيات القرآن وعزلها عن بقيته أو أخذ بعض الأحاديث وترك تفسيرها بالقرآن أو تفسيرها ببعضها, فإن ذلك من اتباع الهوى واتباع المتشابه الذي حذر الله تعالى منه: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} (آل عمران: 7).
وهذه الآية كما أنها دليل هذه المسألة فإنها أوضح الأمثلة عليها, فهناك من يستدل بها على تفويض علم القرآن لله عز وجل لقوله تعالى "وما يعلم تأويله إلا الله", على اعتبار أن الوقف هنا, ولو قرؤوا القرآن قراءة كاملة وردوا بعضه إلى بعض لعلموا: أن المراد بالتأويل وقوع ما أخبر به الله تعالى، وهو أحد معاني التأويل الواردة في الشرع, وذلك أخذا من قوله سبحانه وتعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} (الأعراف: 53).
وكما أن كل المؤمنين مطالبون بالتدبر فقد فرق القرآن بينهم على أساس قدراتهم على استنباط الأحكام منه, فقال تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} (الزمر: 9)، والعلم الذي يتفاوت الناس فيه في استنباط الأحكام هو العلم بطرائق هذا الاستنباط, وهي مجموعة من العلوم مسئولة عن التمييز بين المحكم والمتشابه والمجمل والمبين والعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ, وفائدة كل قسم من هذه الأقسام من حيث دلالته على أحكام الشرع, كما أنها مسئولة عن دلالات الألفاظ ومعاني الحروف, ومدى تعلق الأحكام بأسباب النزول, وأسباب ورود الحديث.
فمن الأمور التي يتفاضل فيها الناس في استنباط الأحكام من مصادره: مدى إحاطتهم بهذه العلوم؛ فكلما كانت آلة الإنسان من هذه العلوم أكبر كان أقدر على استنباط الأحكام, ومن لم يحمل هذه الآلة فهو من الذين لا يعلمون، وهم والله أعلم من عناهم سبحانه بقوله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (سورة النحل: 43 - 44).
والحقيقة المرة أننا في عصر قل فيه حملة هذه الآلات مجتمعة، مما أضعف من قدراتنا على مواجهة الواقع بما يناسبه من أحكام على أساس استنباط الأحكام من الكتاب والسنة, فحتى الكثير من المتخصصين في هذه العلوم -كما نشاهد- لا يصدرون في إبداء الأحكام عن استفراغ للوسع في دراستها كما هو المفترض فيهم؛ بل يقعون في أحكامهم تحت تأثير أحد أمرين:
Page 117