Les Articles du Site Dorar
مقالات موقع الدرر السنية
وحين نصل إلى هذه الضوابط فلا مناص من التسليم التام لما ثبت بالشرع؛ لأن الله تعالى يقول: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (البقرة: 112) ويقول سبحانه: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} (آل عمران: 31) ويقول عز وجل: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} (النساء: 65)، {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} (النساء: 125)، وقوله سبحانه: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} (الأحزاب: 36)، ويقول تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون} (القصص: 68).
كما أن حياة الإنسان اليومية مضبوطة بخطاب الشرع طيلة يومه وليلته، حيث لا يخرج عمل من أعماله عن أن يكون له حكم في الشريعة الإسلامية, وهذا ما يجعلنا نعيد النظر فيما يقال: إن الإسلام دين حرية, وأعتقد أن هذه العبارة ليست أصيلة في تراثنا الإسلامي، وإنما جاءت في معرض الرد على الحملة العلمانية الماسونية التي جعلت شعارها العدل والحرية والمساواة, فجاء جوابنا: إن الإسلام يكفل للمسلم حرية منضبطة بضوابط الشرع, لكننا حين نتأمل ضوابط الشرع نجدها والحمد لله كثيرة وكثيرة جدا، بحيث لا يمكن إقناع أحد أننا معها يمكن أن نكون أحرارا.
كنت أتمنى لو كان جوابنا على دعاوى الحرية: أن الحرية في النهاية هي عبادة النفس وتأليه الهوى كما في قوله تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا} (الفرقان: 43) والإسلام أمرنا بالخروج من ذلك إلى الدخول في عبوديته سبحانه، تلك العبودية التي لا يمكن للإنسان معها أن يكون حرا مطلقا ولا حرا بضوابط ولو كانت ضوابط الشريعة, لأن الحرية أيها الإخوة مصطلح له أبعاده الفلسفية، وهو بهذه الأبعاد لا يمكن أن يتوافق مع ضوابط الشريعة إلا من حيث دلالته في لغتنا العربية, ولا يخفى أن المصطلحات غير مرتهنة بدلالتها الأصيلة في لغاتها, وحين نقول: إن الإسلام أعطانا الحرية المنضبطة بضوابط الشرع فإننا نتنازل عن المصطلح الأشرف والأسمى والأكثر تأثيرا في النفوس، وهو الاستعباد الخالص لله إلى مصطلح ملفق من نتاج الماسونية ومشاعرنا الدينية ونحن نريد مصطلحا صريحا إسلامي الأصل والمنشأ والولادة.
5 من 6
الوحي والحرية
أطلت في المقال السابق في شرح مصطلح الحرية؛ لأن حرب المصطلحات اليوم هي من أبشع الحروب الفكرية في عالمنا المعاصر, ولا يمكن أن نخوض هذه الحرب بمصطلحات هي كالخنثى المشكل أو صناعة غربية وتجميع إسلامي, وهذا من مفسدات التوازن الفكري أعني عدم استقلالية المصطلح وخضوعنا فيه إلى ردات الفعل على المنتجات الغربية.
وحين نرسخ مفهوم الاستعباد التام لله تعالى فإننا نرسخ أيضا واجب التسليم لله عز وجل ولأمره ونهيه والرضا بما أمر كتسليمنا بما قسم وقدر.
Page 115