544

Les Articles du Site Dorar

مقالات موقع الدرر السنية

وقد اجتهد عدد من العلماء والباحثين فزادوا مقاصد دنيوية أخرى، منها أن الشريعة ترمي للتيسير على العباد، قال الله وجل وعلا (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).

ومنها كذلك أن الشريعة جاءت لنشر الرحمة بين الخلق، إذ أن الله يقول (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

أما نشر العدل بين الناس فيمكن أن يقال إنه من مقاصد الشريعة الدنيوية لكن لم يذكره العلماء ضمن المقاصد الخمسة الثانوية، وقد يكون السبب عدم ظهور الحاجة الماسة لإفراده بالذكر.

وبكل حال فهذه المقاصد الخمسة أو الستة مع ما زيد عليها لم يكن أمرا قد أجمع عليه العلماء منذ عهد الأئمة الأربعة وحتى هذه العصور المتأخرة حتى يتعذر أو يشق علينا أن نخالفها، ولهذا فلا مانع من الزيادة عليها كما فعل جماعة من المعاصرين، لكن الأمر الذي لا يسعنا السكوت عليه هو قصر مقاصد الشريعة على هذه الدنيوية، أو في أحسن الأحوال عزلها، أو عزل العمل بها عن المقاصد الكلية الأخرى للشريعة، ومن تأمل القرآن الكريم يعجب من هذا الخطأ الذي وقع فيه عدد كبير ممن انتسب إلى العلم والباحثين، والأكاديميين، وغيرهم.

فالنبي أرسل رحمة للعالمين، والصواب في معنى ذلك أنه جاء لينقذهم من نار جنهم، ويدخلهم الجنة، فرحمة الآخرة أولى، وأعظم، وأهم، من رحمة الدنيا، وقصر المقاصدين الجدد، وأصحاب الخطاب الدنيوي هذه الرحمة على الدنيا، انتقاص للشريعة، وإهدار لحق الله جل وعلا، وقد جاء النبي بالتوحيد، والأمر به، حتى ينقذ الناس من عذاب الله أولا قبل كل شيء، وآخرا وأهم من كل شيء، والله جل وعلا قال في ثاني سورة أنزلها على محمد (يا أيها المدثر {1} قم فأنذر {2}) وسيأتي مزيد تقرير لهذا.

والشريعة أرادت اليسر بالعباد، ومع هذا اليسر فإن الشريعة كلفت العباد، والتكليف كما تقرر عند الجميع، إلزام ما فيه مشقة، فكيف أرادت الشريعة اليسر، وقد ألزمت العباد بما فيه مشقة؟!

(كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون {216}) سورة البقرة.

الجواب هو أن الشريعة ألزمت الناس بشيء من المشقة، ابتلاء وامتحانا كما قرره الأصوليون، والله جل وعلا جعل جزاء الصبر على هذا البلاء النجاة من مشقة نار جنهم، فكانت بذلك مريدة لليسر بهم، وهو أمر يحتاج إلى تأمل.

ومثل هذا أو قريب منه يقال في العدل والقسط وأضرابها كمقاصد رمت إليها الشريعة وأرادتها.

ولهذا، فيحسن بنا أن نسمي هذه المقاصد، بمقاصد ثانوية بجانب المقصد الكلي؛ ما أراده الله لنفسه العلية في الدنيا والآخرة.

أما النوع الثاني: فإنه تلك الآيات والأحاديث التي تقرر أن الشريعة أرادت مصلحة العباد في الآخرة، أي بعد مماتهم، فالمقصد هنا راجع للعبد، ولكن في الآخرة:

وقد يكون هذا المقصد ما أراده بعض من تحدث في المقاصد من الأوائل ومن مشى على طريقتهم يوم أن جعلوا حفظ الدين أول الضروريات، لكن كلام بعضهم أوهم أنه مقصود للعبد فقط، وليس مقصودا لله، فإن كان هذا الذي فهمناه من كلام السابقين صواب، فقد أخطأ منهم من قال بذلك، وإن كان غير ذلك، فالصواب ما تضافرت عليه الأدلة مؤيدا بإجماع علماء القرون الثلاثة وأئمة المذاهب - وهو ما ورد في النوع الأول - أن الغاية من الخلق أن يفرد الرب جل وعلا بأي نوع من أنواع العبادة التي هي في أصلها إظهار غاية الرهبة والرغبة للرب جل وعلا وحده لا شريك له، ومن ثم يثيب من يحقق هذا بجنة عرضها السموات والأرض، ويعذب من تمرد على هذا بنار تلظى، لا يموت من دخلها ولا يحيي، فالمقاصد إما راجعة للرب، وإما للعبد لكن في الآخرة وليس في الدنيا، وما يرجع منها إلى الدنيا ثانوي فرعي.

ولا أظن أحدا يقرأ هذا البحث بحاجة إلي إيراد الأدلة على منزلة هذا المقصد؛ أعني المقصد الراجع لمصلحة العبد في الآخرة، لا سيما إذا ما قورن بالمقاصد والمصالح الدنيوية.

ولعل الله ييسر إخراج كامل البحث عما قريب.

Page 44