536

Les Articles du Site Dorar

مقالات موقع الدرر السنية

جامعة الانحرافات الفكرية المعاصرة

فهد بن صالح العجلان

28 رجب 1431ه

(هلع) و (ارتباك) و (تحفز) يصيب كثيرا من المؤلفين المعاصرين في موضوعات النظام السياسي حين يمرون على بحث (حد الردة) في الإسلام؛ فهو يشكل لهم إحراجا لا يطاق أمام ضغط الثقافة الغربية المعاصرة التي تضع (الحرية الدينية) في قمة هرم الحقوق والحريات المدنية التي تحتضنها، وتقاتل في سبيل التزام جميع الأمم والحضارات بها على وفق التفسير والمعيار الغربيين.

فتوالت البحوث والدراسات التي تبحث في الدلائل الشرعية عما يخفف من شدة نكير الأصوات المستغربة؛ ليصلوا بهذا الحكم الشرعي إلى (النفي) أو (التأويل) أو (التكييف) الذي يجعله متلائما مع الحالة المعاصرة؛ فهي وإن بحثته بطريقة النظر في دلائل الكتاب والسنة؛ إلا أنها تضمر في داخلها حقيقة أنها تسعى بأي طريقة للتخلص من هذا الحكم لضرورة الخروج بالمظهر اللائق أمام الآخر.

وهذا ما يفسر لك أن البحث في إشكالية الردة وإثارة الخلاف حول حكم المرتد لم يكن له أي حضور في المذاهب الفقهية السالفة؛ فمع أن الفقهاء يختلفون في كثير من المسائل، ويتنازعون حتى في المسائل التي وردت نصوص صريحة فيها؛ إلا أن حد الردة لم يكن مجال اختلاف بينهم؛ فقد أجمع عليه الفقهاء كافة، وحكى الإجماع عليه عشرات من الفقهاء من مختلف الأزمان (¬1)، بينما تجد هذا الحكم حاضرا ومشكلا في الدراسات المعاصرة؛ وهو ما يدلل على أن العامل المؤثر فيها ليس هو النظر في الاجتهاد الفقهي بقدر ما هو تأثر بروح الثقافة الغربية.

إن الملفت للانتباه أن (التخلص) من هذا الحكم الشرعي لم يسر على طريقة واحدة؛ فلئن اتفقت كلمة كثير من المعاصرين على (ضرورة) الانفكاك من تبعات هذا الحكم، إلا أن وسيلة تنفيذ ذلك قد تعددت فيما بينهم، فاجتمعت علينا طرائق عديدة نستخلص من كل واحدة منها منزعا من منازع الانحراف الفكري، المتباينة في ما بينها تباينا كبيرا؛ إلا أنها تجتمع في حالة (إشكالية الردة):

فبعضهم: ينكر هذا الحكم لعدم ذكره في القرآن الكريم، وينظر في الآيات القرآنية التي تخاطب الكفار وتحكي مقولاتهم، فلا يجد فيها أي عقوبة لهم في الدنيا؛ وهو ما يعني أن الشريعة لا ترتب أي عقاب دنيوي على من يمارس حريته الدينية في الدنيا، وهذا التفسير يستبطن الانحراف القائم على (إنكار) سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ورفض الإيمان بها؛ لأن حد الردة لم يثبت إلا في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فالمطالبة بأن يذكر الحكم في القرآن يعني أن السنة غير كافية في هذا الباب.

ولا يصل الأمر بآخرين إلى هذا الحد؛ فهم يثبتون السنة النبوية، لكنهم يحكمون على حديث: «من بدل دينه فاقتلوه» بأنه من قبيل أحاديث (الآحاد)، ولا يستقيم العمل بها؛ لأنها ظنية؛ وهذا انحراف في إنكار شيء من سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يشكل عامة أحاديثه - صلى الله عليه وسلم -.

وثمة آخرون: لا ينكرون العمل بخبر الآحاد لكنهم لا يرون العمل به في المجالات المهمة كمجال التشريع، وهذا انحراف في وضع شرائط معاصرة حاكمة على السنة النبوية؛ وكأن موضوعات التشريع هي المهمة دون موضوعات العبادة أو الاعتقاد أو الأخلاق.

Page 36