494

Les Articles du Site Dorar

مقالات موقع الدرر السنية

ولما ذكر القرآن مناظرات الرسل لأقوامهم بين أن كل رسول يبدأ أول ما يبدأ في دعوته لقومه بالدعوة إلى العبودية لله، فقال عن نوح: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} [الأعراف:59]، وقال عن هود: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} [الأعراف:65]، وقال عن صالح: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [الأعراف:73]، وقال عن شعيب: {وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} [الأعراف:85] , وواضح من طريقة شعيب في دعوته أنه جعل الدعوة إلى العبودية محورا أساسيا ثم بعد ذلك بين لوازم هذه العبودية.

ولما أراد القرآن أن يبرز صفات المؤمنين أظهر الصفات المتعلقة بمفهوم العبودية المتضمنة للحب والخوف والرجاء، فقال سبحانه: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون **الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون **أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} [الأنفال:2 - 4]، ونبه على أن هذه هي أوصاف المؤمنين سواء كانوا في حالة الاستضعاف أو في حالة القوة، كما قال سبحانه: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} [الحج:41]، والمراد بالمعروف هنا: هو كل ما هو عبادة لله تعالى، والمراد بالمنكر: كل ما هو معصية له سبحانه، وقد كرر القرآن كثيرا الصفات التي يتحلى بها المؤمنون، فذكر قيام الليل والجهاد في سيبل الله والخوف من القيام بين يديه.

بل إن الوصف الذي اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لنفسه هو وصف العبودية، كما قال: ((أفلا أكون عبدا شكورا)) وقال: ((ولكن قولوا: عبد الله ورسوله)) ولم يكن يصف نفسه بالحرية ولا الثورة على استبداد الكفار، وما أكثره وأغلظه في زمنه!

وحين ذكر القرآن نعيم المؤمنين في الجنة كان يعلقهم بالله تعالى مباشرة، فغاية نعيم أهل الجنة هو النظر إلى وجهه الكريم، ولما ذكر أصول الأعمال التي تؤدي إلى دخول الجنة كانت كلها راجعة إلى العبودية لله تعالى، ولم يذكر منها الحصول على الحرية أو الثورة على الاستبداد.

Page 496