452

Les Articles du Site Dorar

مقالات موقع الدرر السنية

وتارة يشير إلى أن لهم أمثالا مضروبة في كتب الأمم السابقة - كالتوراة والإنجيل-، كما في قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} [الفتح:29].

وتارة يصرح بتحقق توبة الله عليهم ونزول رحمته بهم، كما في قوله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم} [التوبة:117].

وتارة يعلن النبي صلى الله عليه وسلم بأن صحابته أمنة لأمته وحفاظ لها، وأنهم لأمته كالنجوم للسماء، كما في قوله: " النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتي السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتى ما يوعدون " (مسلم 2531).

والتزكيات البليغة للصحابة في نصوص الشريعة مستفيضة بدرجة عالية، وكلها تؤكد على مدى العمق الإيماني الذي كان الصحابة يتمتعون به وعلى الصلابة الدينية التي اتصفوا بها وعلى العمق الإدراكي التي توصلوا إليه.

ومن المستبعد عقلا أن تأتي تلك الثناءات في حق أقوام مصابون بالضعف في التمسك بقيم الإسلام أو يتصفون بالليونة في الأخذ بتعاليم دينهم وقيمه، أو يعانون من السطحية الإدراكية لحقيقته، فهل من المقبول عقلا أن يكثر الله تعالى من الثناء على الصحابة في القرآن وهو يعلم أنهم غير صادقين في دينهم أو غير صارمين في التمسك به أو غير مدركين لحقيقة أصوله؟! وهل من المقبول عقلا أن يثني الله عليهم بذلك الثناء وهو يعلم أنهم سينقلبون على تعاليم دينه وسيتخلون عن قيمه وأصوله بعد موت رسوله ويعودون إلى قيم الجاهلية؟!!

إن إمكان حدوث ذلك من أكبر القوادح في بيان القرآن، ومن أفتك الخروقات التي تنخر في هدايته وإرشاده للخلق، ومن أعظم ما يصرف الناس عن قبول أحكامه والرجوع إليه.

بل إمكان حدوث ذلك سيفتح الباب أمام الباطنية القديمة والمعاصرة الذين أولوا المعاني الكبرى في القرآن، كالصلاة والزكاة والصيام والحج بمعاني مختلفة تماما عن المراد منها وعما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وسيقولون: إذا جاز أن تكون تلك الثناءات الكثيرة التي جاءت في القرآن على الصحابة ليست تأكيدا على إيمانهم ولا على صلابة تدينهم ولا على عمقهم علمهم، وأنها جاءت في حق أناس سينقلبون على ما أظهروه بعد موت نبيهم، فإنه يجوز لنا أن نؤل المعاني المستفيضة على غير ظاهرها.

الدلائل العقلية والحالية:

ويدلل على صحة تفوق الصحابة في خواص الأجيال الأولى دلائل عديدة من العقل والواقع، ومن تلك الدلائل:

الدليل الأول: الارتباط الروحي والمعاشي بالنبي صلى الله عليه وسلم:

Page 454