Manhal Safi
al-Manhal al-Safi wa-l-Mustawfa Baʿda l-Wafi
Enquêteur
دكتور محمد محمد أمين
Maison d'édition
الهيئة المصرية العامة للكتاب
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
والله المستعان
الحمد لله مدبر الدهور، ومدور الأعمار والشهور، مظهر آثار قدمته على صفائح صحائف الأيام، ومبدي أسرار حكمته فيما يجري من حركات الأنام، قلبهم في أطوارها دولًا، وخالف بينهم اعتقادا وقولًا وعملًا، ورفع أقوامًا ووضع آخرين، وقصّ علينا في كتابه المبين، أخبار الأوّلين منهم والآخرين، وذكرهم في أجمل كتاب بأفضل خطاب، وجعل قصصهم تبصرة لأولي الأبصار، وتذكرة لأولي الألباب، فسبحان من تنزه عن تأثير الزمان وتقدس من هو كل يوم في شان، أحمده على أن جعلنا خير أمّة وصيرنا من أمّة نبيّ الرحمة، وأشكره على أن أخرنا عن كل الأمم، وتلك لعمري من أجل المنن، وأتمّ النعم، لنشاهد ممن تقدّم آثارهم، ونعاين منازلهم وديارهم، ونسمع كما وقعت وجرت أخبارهم، أعظم بها فضيلة وكرامة جليلة، إذ رأينا منهم ما لم يروه منا، وروينا
1 / 17
عنهم ما لم يرووه عنا، وأشهد أن لا إله إلا الله ذو الجلال الذي عرفنا الماضي، والاستقبال لديه بمنزلة الحال، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد الأوّلين والآخرين، المنزل عليه في الكتاب المبين " وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين "، صلى الله عليه صلاة تفوح إلى يوم القيامة أعطار تاريخها، ويجتنى على مدى الأيام ثمار شماريخها، وعلى آله وتابعيه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فلما كان من في الأعصار الحالية، والقرون الماضية، وقع لهم وقائع وسير، وحوادث لها أثر، شاع بها التاريخ والسّمر، تخاطب بذلك الأيام من تأخر عصره من الأقوام، بأفواه المحابر وألسن الأقلام، فيطالعها كأنه مجالسهم، ويتأمل ما فيها كأنه مؤانسهم، ليقتدي منهم بجميل الخصال، ونبيل المآثر والنعال، ويتجنب ما صدر منهم من قبيح الخلال، وكنت قد اطلعت على نبذة من سيرهم وأخبارهم، ووقعت في كتب التواريخ على الكثير من آثارهم، فحملني ذلك، على سلوك هذه المسالك، وإثبات شئ من أخبار أمم الممالك، غير مستدعى إلى ذلك من أحد من أعيان الزمان، ولا مطالب
1 / 18
به من الأصدقاء والأخوان، ولا مكلف لتأليفه وترصيفه من أمير ولا سلطان، بل اصطفيته لنفسي، وجعلت حديقته مختصة بباسقات غرسي، ليكون في الوحدة لي جليسا، وبين الجلساء مسامرًا وانيسًا، وسميته: المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، وابتدأت فيه من أوائل الدولة التركية من المعز أيبك إلى الدولة.
وإذا ذكرت فيه حكاية ماضية، أو واقعة في القرون الحالية، أسندت ذلك إلى ناقله، وربطت جوادها في معاقله، لأخرج عن العهدة في النقل، على ما يقتضيه العقل، ووضعته على الحروف وتواليها، لتقرب ثمرات جناة، من يد جانيها، كما سبقني إلى ذلك جماعة من المتقدمين، وإلى الآن من أرباب الحديث، وطبقات الفقهاء والأعيان، وأكتفي في ذكر الولاد بأسماء الآباء عن الأجداد.
وأستفتح في هذا الكتاب بترجمة المعز أيبك التركمانيّ، ثم أعود إلى ترتيب الحروف على طريقة من تقدّمني وعداني، وبالله المستعان، وعليه التكلان.
1 / 19
ذكر سلطنة الملك المعز عز الدين أيبك التركماني
اشتراه الملك الصالح نجم الدين أيوب في حياة أبيه الملك الكامل محمد، وتنقلت به الأحوال عنده إلى أن جعله جاشنكيره، ولهذا رنكه صورة خونجا، واستمرّ في خدمة أستاذه إلى أن توفي وأقيم بعده في الملك ولده الملك المعظم توران شاه، " ثم قتل توران شاه " بعد مدة، فاجتمع رأي الأمراء الأكابر على سلطنة الملك المعز أيبك هذا فسلطنوه، ولم يكن إذ ذاك من أعيان الأمراء، لكنه كان معروفا بالديانة والصيانة والعقل والسياسة، وذلك في يوم السبت
1 / 20
آخر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وستمائة، وقتل في يوم الثلاثاء ثالث عشرين شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة كما سيأتي، وركب بشعار السلطنة، وحملت الغاشية بين يديه، وأوّل من حملها الأمير حسام الدين بن أبي علي، وتداولها من بعده أكابر الأمراء واحدا بعد واحد.
وكان سبب سلطته أن الأمراء لما أجمعوا على إقامته قالوا: هذا متى أردنا صرفه أمكننا ذلك بسرعة، وتم أمر الملك المعز مدة إلى أن اتفقت المماليك البحرية وقالوا: لا بد لنا من واحد من بني أيوب يجتمع الكل على طاعته، وكان القائم بهذا الأمر الأمير فارس أقطيا الجمدار وبيبرس البندقداري وبلبان الرشيدي وسنقر
1 / 21
الرومي، فأقاموا في السلطنة مظفر الدين موسى بن الناصر يوسف بن الملك المسعود بن الكامل، ولقبوه بالملك الأشرف، وكان عند عماته فأحضروه وعمره نحو عشر سنين، وجعلوا الملك المعز أيبك هذا أقابكه، وذلك لخمس مضين من جمادى الأولى بعد سلطنة المعز بخمسة أيام، فصارت التواقيع تخرج وصورتها: رِسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الأشرفي والملكي المعزى، واستمر ذلك والملك المعز يعلم على التواقيع، والملك الأشرف صورة.
فلما ملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف دمشق سنة ثمان وأربعين وستمائة خرج الأمير ركن الدين خاص ترك وجماعة من العسكر إلى غزة، فتلقتهم عساكر
1 / 22
الملك الناصر المذكور، فاندفعوا راجعين، واتفقوا على مكاتبة الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل صاحب الكرك والشوبك، وخطبوا له بالصالحية لأربع بقين من جمادى الآخرة، ونادى الملك المعز أن البلاد للخليفة والملك نائبه وحث على خروج العسكر، وجددت الأيمان للملك الأشرف بالسلطنة وللمعز المذكور بالأتابكية.
ثم قصد الملك الناصر القاهرة وعمل مصافا مع العساكر المصرية، فانكسروا كسرة شنيعة، ولم يبق إلا الملك الناصر ويخطب له في قلعة الجبل، وتفرقت عساكر الملك الناصر خلف العساكر المصرية لنهبهم، واشتغلوا بذلك، وبقي الملك
1 / 23
الناصر في شرذمة قليلة من عسكره، وأمنوا، وانهزم الملك المعز وتحير أين يذهب إذ ليس له جهة يلتجئ إليها، فعزم بمن كان معه من الأمراء على دخول البرية والتوصل إلى مكان يأمنون فيه، فاجتازوا بالناصر على بعد، فرأوه في نفر يسير، فاتفقوا الأمراء وقالوا: عسكرنا قد انكسر وما بقي يجري أعظم من ذلك وهذا الملك الناصر عدونا في نفر قليل، وقد اشتغل عساكره بالنهب، فنحمل عليه حملة واحدة فإما ننتصر عليه وإما نتوجه حيث قصدنا.
فحملوا عليه حملة رجل واحد فانكسر الملك الناصر، وقتل من أمرائه الأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني مدبر الدولة أتابك العسكر الناصري، والأمير ضياء الدين القيمري، وهرب الناصر لا يلوي على شئ، وعاد الملك المعز إلى القاهرة مؤيدا منصورا، وخرج الملك الأشرف إلى لقائه، وثبتت أوتاد المعز وعظم شأنه، واستقر الحال على ذلك إلى سنة إحدى وخمسين.
كان الاتفاق بين المعز وبين الملك الناصر صاحب دمشق على أن يكون المعز بالديار المصرية والقدس وغزة، وباقي البلاد الشامية للملك الناصر، وأفرج الملك المعز عن أقارب الملك الناصر الذين أمسكوا في الوقعة المذكورة وهم: الملك المعظم
1 / 24
توران شاه بن صلاح الدين، وأخوه نصرة الدين، والملك الأشرف صاحب حمص، وغيرهم، من الاعتقال، وتوجهوا إلى الملك الناصر بدمشق، واستمر الملك المفر بالقاهرة لكن عظم شأن الأمير فارس الدين أقطياالجحدار والتفت عليه البحرية وصاروا يسمونه الملك الجواد، فعمل عليه المعز وقتله كما سنذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى، واستمر الملك المعز بمفرده، ثم إن العزيزية عزموا على الفتك به في سنة ثلاث وخمسين، فشعر المعز بذلك فقبض على بعضهم وهرب بعضهم.
ثم تزوج الملك المعز بالملكة شجر الدر أم خليل صاحبة الملك الصالح في سنة ثلاث وخمسين أيضا، واستمر على ذلك إلى أن بلغ شجر الدر أن المعز يريد أن يتزوج بنت الأمير بدر الدين صاحب الموصل، فعظم ذلك عليها، وطلبت صفى الدين إبراهيم بن مرزوق، وكان له وجاهة عند الملوك، فاستشارته في
1 / 25
الفتك بالمعز، ووعدته أن يكون هو الوزير، فأنكر ذلك عليها ونهاها، فلم تصغ إليه، وطلبت مملوك الطواشي محسن الجوجري الصالحي وعرفته بما عزمت عليه، ووعدته وعدا جميلا إن قتله واتفقت أيضا مع جماعة من الخدام، واستمر الحال إلى يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة نزل المعز من القلعة ولعب بالكرة في ميدان اللوق، وصعد آخر النهار إلى القلعة، والأمراء في خدمته ووزيره شرف الدين الفائزي والقاضي بدر الدين السنجاري، ودخل داره، وانفض الموكب، ثم دخل الحمام ليستحم، فلما قلع ثيابه وثب عليه سنجر الجوهري والخدام ورموه إلى الأرض وخنقوه، وصارت هي تضربه بالقبقاب إلى أن مات.
ثم طلبت صفي الدين بن مرزوق على لسان المعز فركب حماره وبادر، وكانت عادته ركوب الحمير، فدخل عليها فرآها وهي جالسة والمعز بين يديها ميت، فخاف خوفا شديدا، فاستشارته، فقال: ما أعرف، وكان الأمير أيد غدي العزيزي معتقلا في بعض الآدر مكرما، فأحضرته، وطلبت منه أن يقوم بالأمر، فامتنع، ثم سيرت تلك الليلة إصبع
1 / 26