Les demeures des quatre Imams : Abou Hanifa, Malik, Shafii et Ahmad

منازل الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد

Enquêteur

محمود بن عبد الرحمن قدح

Maison d'édition

بدون ناشر فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٢٢هـ/٢٠٠٢م

Lieu d'édition

الرياض

منازل الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد
تأليف: أبو زكريا يحيى بن إبراهيم السلماسي
تحقيق: محمود عبد الرحمن قدح
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله ﷿ قد تكفل بحفظ هذا الدين الذي أنزله على خاتم أنبيائه ورسله نبينا محمد ﷺ فقال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١ فهيّأ الله ﷿ لنبيه ﷺ أصحابًا - هم صفوة الخلق وخيرته بعد الأنبياء - وجعلهم وزراء له وأنصارا وأتباعًا، فحملوا الأمانة من بعده ﷺ، فأدّوها ورعوها حق رعايتها، وجاهدوا في الله حق جهاده، وسار التابعون لهم بإحسان على طريقتهم ومنهجهم إلى يوم الدين.
ولما نشأت البدع وظهرت الفرق التي حذرنا منها النبي ﷺ وأمرنا بالتمسك بما كان عليه ﷺ وصحابته من بعده، فقد سخر الله من عباده الصالحين في كل مكان وزمان من يدعون إلى السنة ويبينونها للناس، ويردون على البدعة ويحذرون منها.

١ سورة الحجر /٩.

1 / 7

قال الإمام أبو القاسم اللالكائي: ثم إنه لم يزل في كل عصر من الأعصار إمام من سلف أو عالم من خلف قايم لله بحقه وناصح لدينه فيها، يصرف همته إلى جمع اعتقاد أهل الحديث على سنن كتاب الله ورسوله وآثار صحابته، ويجتهد في تصنيفه، ويتعب نفسه في تهذيبه رغبة منه في إحياء سنته وتجديد شريعته، وتطرية ذكرهما على أسماع المتمسكين بهما من أهل ملته، أو لزجر غال في بدعته، أو مستغرق يدعو إلى ضلالته، أو مفتتن بجهالته لقلة بصيرته اهـ١.
ومن هؤلاء العلماء الذين بذلوا مهجهم ونذروا أوقاتهم لهذا الواجب العظيم، الإمام الواعظ أبو زكريا يحيى بن إبراهيم الأزدي السلماسي الذي بيّن في كتابه – الذي بين أيدينا- منازل الأئمة الأربعة، أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ﵃ أجمعين - اتفاق المعتقد عند الأئمة الأربعة الكرام، المقتدى بهم في الإسلام، والمعتمد على أقوالهم وفقههم بين الأنام.
فإن اعتقاد هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة الأعلام هو ما نطق به الكتاب والسنة، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ولم يكن بين هؤلاء الأئمة - ولله الحمد والمنة - خلاف في المعتقد وأصول الدين، وإنما وقع الخلاف بينهم في بعض فروع الشريعة وجزئياتها.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن اعتقاد الشافعي فأجاب - رحمه

١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/٢٦.

1 / 8

الله - بقوله: اعتقاد الشافعي ﵁، واعتقاد سلف الإسلام، كمالك، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، هو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض، وأببي سليمان الدارمي، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة ﵀، فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدر ونحو ذلك، موافق لاعتقاد هؤلاء، واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو ما نطق به الكتاب والسنة اهـ١.
وإن في بيان وحدة معتقد الأئمة الأربعة، وإيضاح مجمل اعتقادهم وموافقته للسنة والمأثور عن سلف الأمة، إقامة للحجة على كل من يتبع مذاهب هؤلاء وهو على غير طريقتهم. وأمر آخر هو أن بيان معتقد هؤلاء الأئمة الأعلام من مصادرها المعتبرة هو تزييف وإبطال للآراء المنسوبة للإمام وهو منها بريء٢.
هذا هو موضوع الكتاب الذي بين أيدينا والذي عقدت العزم - مستعينا بالله - على تحقيقه ودراسته والتعليق عليه وإخراجه، بحول الله وقدرته وتوفيقه.
وقد قسمت البحث في دراسة الكتاب وتحقيقه إلى قسمين كالآتي:

١ مجموع الفتاوى ٥/٢٥٦، وبنحوه في منهاج السنة ٢/١٠٦، وكتاب الإيمان ص٣٥٠،٣٥١.
٢ أصول الدين عند الأئمة الأربعة واحدة، د. ناصر القفاري، ص٣٤.

1 / 9

القسم الأول: دراسة المؤلف وكتابه، ويشتمل على ثلاثة مباحث هي:
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف
المبحث الثاني: دراسة الكتاب
المبحث الثالث: منهجي في التحقيق
القسم الثاني: نص الكتاب المحقق.
ثم وضعت فهارس متنوعة للبحث إعانةً لقارئيه، سائلا الله العظيم أن يتقبل مني هذا العمل، وسائر أعمالي وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وألا يحرمني ووالدي أجرها إنه سميع مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
محمود بن عبد الرحمن قدح

1 / 10

القسم الأول: دراسة المؤلف والكتاب
المبحث الأول: ترجمة المؤلف
...
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف
اسمه ونسبه ونسبته:
هو يحيى بن أبي طاهر إبراهيم بن أحمد بن محمد الأزدي السَّلَمَاسي. فأمَّا نسبته (الأزدي) فهي نسبة إلى قبيلة (الأزَدْ) من أعظم قبائل العرب وأشهرها

وردت ترجمة المؤلف في المصادر الآتية:
تاريخ مدينة مدشق ٦٤/٤٤-٤٦ للإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي، المعروف بابن عساكر.
مشيخة ابن الجوزي ص١٤٥-١٤٧ للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي.
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ١٠/١٦٤ للإمام أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي.
المختصر المحتاج إليه من تاريخ الحافظ أبي عبد الله محمد بن سعيد ين يحي ابن الدبيثي الذي جعله ذيلا على تاريخ أبي سعيد عبد الكريم السمعاني الحافظ المذيل على تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي ١/٣٨٥، ٣٨٦ رقم (١٤٤٥) للعلامة محمد بن سعيد بن محمد الدبيثي، واختصره الإمام الذهبي.
تاريخ الإسلام ٣٧/٤١٥، ٤١٦ للإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.
تذكرة الحفاظ ص١٢٩٢ للإمام الذهبي.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال ٤/٣٦٠ للإمام الذهبي.
المغني في الضعفاء ٢/٢٧٠، ٧٢٩ للإمام الذهبي، وورد ذكره في سير أعلام النبلاء ١٩/١٢٣، ٢٠/٢٤٠، ٢٩١ للإمام الذهبي
لسان الميزان ٦/٢٤٠ للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.

1 / 13

، تنتسب إلى الأزد بن الغوث بن نَبْت بن مالك بن كهلان من القحطانية١.
وأما (السلماسي) فهي نسبة إلى مدينة (سَلَماس) - بفتح أوله وثانيه - وهي مدينة مشهورة بأذربيجان٢، خرج منها جماعة من العلماء منهم:
- موسى بن عمران بن موسى بن هلال أبو عمران٣.
- أبو القاسم حريز بن أحمد بن حريز السلماسي، أحد الأئمة المشهورين بالفضل، وكان حسن الاعتقاد، فصيح اللسان، مات في شوال سنة ٤٣٦هـ٤.
- أبو حفص عمر بن يوسف بن الحسن السلماسي.
- أبو الحسن المظفر بن الحسن بن المهند السلماسي.

١ ر: معجم قبائل العرب القديمة والحديثة ١/١٥-١٨ عمر رضا كحالة، إصدار مؤسسة الرسالة، بيروت ١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م ط٢.
٢ سلماس: بينها وبين أرمية يومان، وبينها وبين تبريز ثلاثة أيام، وهي بينهما، وقد خرب الآن معظمها، وبين سلماس وخُوَيَّ مرحلة. (ر: معجم البلدان ٣/٢٧٠ ياقوت الحموي، تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي)، وفي المنجد في الأعلام ص ٣٦٢: سلماس: منطقة في أذربيجان شمال غربي بحيرة أرميا، يسكنها خمسون ألف نسمة، فيها قرى كان يسكنها الأرمن والسريان والكلدان واليهود مع أكثرية من الشعية. اهـ.
٣ ر: معجم البلدان ٣/٢٧٠.
٤ اللباب في تهذيب الأنساب ٢/١٢٦ عز الدين ابن الأثير الجزري، والأنساب ٣/٢٧٥ للسمعاني.

1 / 14

- أبو محمد الحسن بن جعفر بن داود السلماسي، توفي سنة ٤١٩هـ.
- أبو عبد الله الحسين بن جعفر بن محمد بن جعفر بن داود ابن الحسن السلماسي، كان ثقة، توفي سنة ٤٤٦هـ.
- أبو نصر محمد بن الحسن بن محمد بن جعفر بن داود السلماسي، ابن عم أبي عبد الله بن السلماسي، كان صدوقا، مات سنة ٤٤٤هـ.
- أبو طاهر المحسن بن جعفر بن محمد بن جعفر بن داود ابن الحسن السلماسي، كان ثقةً، مات سنة ٤٣٦هـ١.
٢- كنيته ولقبه:
أجمعت المصادر التي ذكرت المؤلف على أن كنيته (أبو زكريا)، ولكن لم تذكر تلك المصادر أسماء أو عدد أولاده.
وقد اشتهر المؤلف بلقب (الواعظ) ٢ لأنه كان يعقد مجلس الو عظ والتذكير في دمشق وبغداد، وكان له القبول التام٣، ولعلَّ المؤلف ﵀ كان مأذونا له بالوعظ من قبل الخليفة أو الولاة، "فقد كان معه علمان أسودان من أعلام الخليفة، ينصبهما على كرسيه وقت وعظه"٤.

١ ر: الأنساب ٣/٢٧٥، ٢٧٦ للسمعاني.
٢ أورد لقبه الحافظ ابن عساكر، وابن الجوزي، وابن الدبيثي، والذهبي.
٣ ابن الجوزي في مشيخته ص١٤٧، والمنتظم ١٠/١٦٤.
٤ تاريخ دمشق ٦٤/٤٥ لابن عساكر.

1 / 15

٣- ولادته ونشأته:
قال الحافظ ابن عساكر عن المؤلف - رحمهما الله -: وكان مولده في ما ذكر سنة أربع وسبعين وأربعمائة١، وبدأ بسماع الحديث سنة إحدى وثمانين٢، واستجاز له أبوه من مشايخ بغداد سنة نيف وثمانين ٣اهـ.
ويبدو لنا من ترجمة المؤلف وسيرته ورحلاته - فيما سيأتي - أن ولادة المؤلف ونشأته كانت في مدينة (سلماس) التي ينتسب إليها.
٤- طلبه للعلم ورحلاته فيه:
لقد كانت أسرة المؤلف - فيما يبدو لنا - أسرة خير وفضل، وبيته بيت علم وصلاح، فأبوه من المهتمين بالحديث وروايته، مما ساهم في نشأته العلمية وتكوينه في وقت مبكّر، فحببته أسرته في العلم والعلماء، ودفعت به إلى حلق العلم، فأقرأته القرآن، وحثته على سماع الحديث وكتابته وتحمله، "فبدأ المؤلف في

١ وقع تصحيف في النسخة المطبوعة من تاريخ دمشق ٦٤/٤٤في تاريخ ولادة المؤلف وأنها كانت سنة (أربع وتسعين وأربعمائة) !!! وهذا مخالف لسياق الكلام المذكور بعده، ولذلك فقد رجعت إلى مخطوطة تاريخ دمشق، نسخة الظاهرية فوجدت الخطأ فيها، ثم رجعت إلى نسخة أخرى بالمغرب في خزانة ابن يوسف بمراكش (توجد مصورة ميكروفيلم عنها بالجامعة الإسلامية تحت رقم ٤١٨٠) فوجدت الصواب فيها وهو ما أثبته، حيث صحفت كلمة "سبعين" إلى "تسعين"، وتأكد لي صحة ذلك بالرجوع أيضا إلى مختصر تاريخ دمشق ٢٧/٢٠٠ للعلامة ابن منظور، فقد ذكر أن ولادة المؤلف كانت سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
٢ أي: سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
٣ تاريخ دمشق ٦٤/٤٤،٤٥.

1 / 16

سماع الحديث سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وكان في السابعة من عمره حينئذ١، واستجاز له أبوه من مشايخ بغداد سنة نيف وثمانين)، حيث ذكر ذلك الحافظ ابن عساكر في تاريخه من مناقب المؤلف ﵀ -٢.وبهذه العناية المبكرة من والد المؤلف، وبما كان له من الهمة والإقبال الكبير والجد والاجتهاد في طلب العلم، فإنه لم يكتف بالأخذ عن مشايخ بلده أو ممن استجاز له والده، وإنما جدّ في السعي والرحلة لطلب العلم، فانتقل من بلده وفارق أهله، وهجر مصالحه ومنافعه رغبة في التزود من معين العلم والمعرفة، والسماع عن ثقات المشايخ وأئمة العلم في مختلف البلدان.
فذكر الحافظ ابن عساكر٣ أن المؤلف ارتحل لطلب العلم وسماع الحديث إلى الموصل٤ وإلى خُوَيّ٥، وإلى مَرَنْد٦.

١ يجوز - عند جمهور المحدّثين - تحَمُّل الصبي للرواية، ولا تجوز الرواية عنه إلا بعد التمييز (ر: النكت على مقدمة ابن الصلاح ٣/٤٦١-٤٧١ للإمام بدر الدين الزركشي، تحقيق د. زين العابدين بن محمد) .
٢ ر: تاريخ دمشق ٦٤/٤٥.
٣ المرجع السابق ٦٤/٤٥.
٤ الموصل: مدينة مشهورة تقع شمال العراق.
٥ خُوَيّ: بلفظ تصغير (خو) - من أيام العرب - وهو واد من وراء نهر أبي موسى، بلد مشهور من أعمال أذربيجان، حصن كثير الخير والفواكه، وينسب إليها الثياب الخوية (ر: معجم البلدان ٢/٤٦٦ لياقوت الحموي) . وقال عنها القزويني: أهلها أهل السنة، والجماعات على مذهب واحد، ليس بينهم اختلاف المذهب (ر: آثار البلاد ص٥٢٧) .
٦ مرند: بفتح أوله وثانيه، من مشاهير مدن أذربيجان، بينها وبين تبريز يومان. (ر: معجم البلدان ٥/١٢٩) .

1 / 17

٥- شيوخه وتلاميذه:
بينّا فيما سبق أن المؤلف قد طلب العلم في سن مبكرة، وسافر وارتحل لطلب العلم والسماع من المشايخ، ومن كانت هذه حالته وهمته العالية لا بُدَّ أن يتتلمذ على عدد كبير من المشايخ وعلماء عصره، وقد أورد الحافظ ابن عساكر بعض شيوخ المؤلف وهم:
- سمع من أبيه أبي طاهر إبراهيم بن أحمد السلماسي.
- وسمع من أبي الوفاء خليل بن شعبان بن إبراهيم
- وسمع بالموصل من أبي بكر محمد بن القاسم بن الشهرزوري، وهو من مشايخ ابن عساكر.
- ومن أبي القاسم نصر بن محمد بن أحمد بن صفوان الموصلي.
- وسمع بخُوَيّ من أبي عبد الله محمد بن الهادي بن أحمد بن بعون الدقوقي.
- وسمع بمرند من أبي الفضل نعمة الله بن محمد العبدوي المرندي، من مشايخ ابن عساكر.
- وسمع من جماعة من شيوخ أذربيجان، وغيرهم١.
أما عن تلاميذه فقد تتلمذ عليه وسمع منه عدد من العلماء الأجلاء ومنهم:
- الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الشافعي المعروف بابن عساكر

١ ر: تاريخ دمشق ٦٤/٤٥.

1 / 18