Le phare
تفسير المنار
مجلة المنار
لصاحبها: محمد رشيد رضا
أنشئت سنة ١٣١٥ هـ
(رقم الجزء، هو رقم المجلد. ورقم الصفحة، هي الصفحة التي يبدأ عندها المقال في المجلد المطبوع)
التعريف بالمجلة
[المصدر: قرص مجلة المنار]
مجلة المنار ودورها الإصلاحي
(صدر أول عدد: ٢٢ من شوال ١٣١٥هـ)
كانت مجلة المنار في عصرها أكبر مجلة إسلامية في العالم الإسلامي،
وأعظمها صيتًا، وأكثرها تأثيرًا، ولا تزال حتى اليوم تحتل مكانة مرموقة في
الصحافة الإسلامية، على الرغم من انقطاع صدورها منذ نحو سبعين عامًا،
وصدور عشرات المجلات الإسلامية في مختلف الدول والبلدان.
أحدث صدور المنار دويًا هائلًا ونشاطًا واسعًا، وتغيرًا في الرأي والتفكير،
ولم يكن وراء هذه المجلة العظيمة مؤسسة تنفق عليها وتشرف على طبعها
وتحريرها، بل كان يقف وراءها رجل عصامي وإمام فقيه ومجاهد عظيم هو محمد
رشيد رضا.
صاحب المجلة.. وفكرة إصدارها:
وصاحب هذا العمل الكبير هو الشيخ محمد رشيد رضا، أحد رواد الإصلاح
في العالم الإسلامي، ولد في إحدى قرى لبنان، وتلقى تعليمه هناك، واشتغل
بالدعوة والإصلاح في بلدته، ومال في بادئ حياته إلى الزهد والمجاهدة والوعظ
والإرشاد، ثم شاء له القدر أن يقع في يديه بعض أعداد من مجلة (العروة الوثقى)
التي كان يصدرها من باريس الإمامان: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، فقرأ
مقالاتها وتأثر بها غاية التأثر، وتغير كثير من أفكاره، وهو ما عبر عنه بقوله:
(ولقد أحدث لي هذا الفهم الجديد في الإسلام رأيًا فوق الذي كنت أراه في إرشاد
المسلمين، فقد كان همي قبل ذلك محصورًا في تصحيح عقائد المسلمين، ونهيهم
عن المحرمات، وحثهم على الطاعات، وتزهيدهم في الدنيا، فتعلقت نفسي بعد
ذلك بوجوب إرشاد المسلمين عامة إلى المدنية، والمحافظة على ملكهم، ومباراة
الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات، فطفقت استعد لذلك استعدادًا.. .) .
ثم سنحت له الفرصة أن يلتقي بالإمام محمد عبده مرتين حين زار طرابلس،
وازداد إعجابه به بعد المقابلتين، واشتد تعلقه به، وقوي إيمانه بأنه خير من يخلف
جمال الدين الأفغاني في ميدان الإصلاح وإيقاظ الشرق من سباته. ولم يجد رشيد
رضا ميدانًا أفسح له للعمل والإصلاح من مصر، فهاجر إليها، وقابل شيخه محمد
عبده في القاهرة في (شعبان ١٣١٥هـ = فبراير ١٨٩٨م)، ولم يكد يمضي شهر
على نزوله القاهرة حتى فاتح أستاذه بأنه ينوي أن يصدر صحيفة يكون هدفها
التربية والتعليم، ونشر الأفكار الصحيحة، ومقاومة الجهل والتخلف والبدع
والخرافات.
صدور المنار:
وبعد مناقشة حامية بين الرجلين المصلحين أيد محمد عبده تلميذه فيما يطمح
إليه، وعرض رشيد رضا عدة أسماء للجريدة، من بينها المنار، ليختار منها محمد
عبده ما يراه مناسبًا، فاختار (المنار)، وكان هذا هو الاسم الذي ارتاحت له نفس
رشيد رضا كذلك، وصدر العدد الأول من مجلة المنار في (٢٢ من شوال ١٣١٥
هـ = ١٥ من مارس ١٨٩٨م)، وكانت أسبوعية، يتألف كل عدد منها من ثماني
صفحات كبيرة على صورة الجريدة اليومية.
وحددت افتتاحية العدد الأول أهداف المجلة التي تتركز في الإصلاح الديني
والاجتماعي للأمة وإبطال الشبهات الواردة على الإسلام، وتفنيد ما يعزى إليه من
خرافات، وتربية البنين والبنات، وإصلاح كتب التعليم وطريقة التأليف، ودفع
الأمة على مجاراة الأمم المتقدمة في مختلف المجالات. وحرص رشيد رضا على
أن يعرض على أستاذه الإمام محمد عبده كل ما يكتبه من مقالات، ليسمع منه
توجيهاته وإرشاداته.
وبعد عام من الصدور صارت المجلة تصدر على شكل مجلة أسبوعيًا، ثم
أصبحت في العام التالي تصدر مرتين في الشهر، وبعد سنوات صارت تصدر كل
شهر عربي مرة، وكان الشيخ رشيد يكتب على الصفحة الأولى (المنار مجلة
شهرية تبحث في فلسفة الدين وشؤون الاجتماع والعمران) .
وكانت المنار تطبع في أول عهدها في مطبعة المؤيد التي كان يملكها الشيخ
علي يوسف، ثم اشترى رشيد رضا مطبعة خاصة للمنار، يطبع فيها المجلة،
وغيرها من كتبه ومطبوعاته.
موضوعاتها:
كانت المجلة تستهل عددها بتفسير القرآن الكريم، وهو إما بقلم الشيخ محمد
عبده أو سائر على طريقته، ثم تأتي (فتاوى المنار) حيث تنشر فيها الإجابات
على الأسئلة التي تتناول أمورًا فقهية أو اعتقادية تلقاها الشيخ رشيد من قرائه، ثم
تأتي بعد ذلك بعض المقالات الدينية أو الاجتماعية أو التاريخية، أو بعض الخطب
المهمة للشيخ رشيد أو لغيره من كبار الخطباء، ومن الأبواب الثابتة التي كانت
تلتزم بها المجلة (باب المراسلة والمناظرة) وباب بعنوان: (آثار علمية وأدبية)،
وباب للأخبار والآراء، وآخر بعنوان: (تراجم الأعيان) .
وكان رشيد رضا يكتب أغلب ما ينشر في المنار، على مدى عمرها المديد،
وهو لا يوقّع مقالاته وبحوثه في المنار باستثناء الافتتاحية، ويقرر أن كل ما يكتب
في المنار دون إمضاء فهو له، وكان وراء ذلك همة عالية، وزاد واسع من العلم،
فرشيد رضا عالم موسوعي، ملم بالتراث الإسلامي، متمكن من علوم القرآن، على
دراية عميقة بالفقه والحديث، مدرك لأحوال مجتمعه وعلله وأمراضه، شديد
الإحاطة بما يدور في عصره الذي يعيش فيه، خبير بأحوال المسلمين في أقطارهم
المختلفة.
ولم تقتصر المجلة على البحوث الدينية، بل نشرت كثيرًا من المقالات عن
السنن الكونية، والطب والصحة، وأفردت مساحات للأدب والشعر والقصة
الطريفة، والبحث اللغوي الشائق، وكانت تنقل عن المجلات الأخرى عيون
مقالاتها أو بحوثها الجيدة، مثل: مجلة المقتطف، وصحيفة المؤيد، والتزمت أمانة
النقل فكانت تذكر المصدر الذي أخذت عنه.
وشارك الشيخ رشيد في الكتابة في المنار أعلام الأمة من الأدباء والشعراء
والعلماء، أمثال: أحمد الإسكندري، وحفني ناصف، ومصطفى صادق الرافعي،
ومصطفى لطفي المنفلوطي، وحافظ إبراهيم، وعبد المحسن الكاظمي، ومحمد
روحي الخالدي، وعبد القادر المغربي، وشكيب أرسلان، ومحمد الخضر حسين،
ورفيق العظم، وملك حفني ناصف، وهؤلاء جميعًا كانوا يتولون قيادة الفكر وتوجيه
الناس في معظم أنحاء العالم العربي.
قضاياها:
عنيت المجلة فيما عنيت بإصلاح العقيدة ومحاربة البدع والخرافات الشائعة في
المجتمع، ونشر الفكر الصحيح، ونقد ما يحدث من انحرافات في الموالد الصوفية
من منكرات، وما يقوم به بعض الناس من التبرك بالأولياء الأموات، وكانت
المجلة شديد اللهجة، قوية الخطاب في معالجة هذا الوضع.
واهتمت المنار بالتربية والتعليم باعتبارهما جوهر دعوة محمد عبده للإصلاح،
ولا يكاد يخلو عدد من المنار من مقال في هذا الموضوع؛ ووقفت إلى جانب
حركة تحرير المرأة في نطاق الشريعة الإسلامية، وحاربت الدعوة إلى العامية،
واستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وهاجمت العادات السيئة التي
تسربت إلينا من الغرب نتيجة الاتصال بهم، في الوقت الذي نادت فيه بضرورة
مسايرة أوروبا في مجال العلوم الحديثة ومباراتهم في الصناعات والاختراعات.
انتشارها:
صدرت المنار والناس في شوق إلى معرفة دينهم، وتطلع إلى التقدم
والإصلاح، فلقيت ترحيبًا حذرًا في أول صدورها، وتوجست منها الدولة العثمانية
لجرأتها في العرض، وتناولها موضوعات جديدة، فمنعت دخولها في بعض بلدانها،
غير أنها أخذت طريقها تدريجيًا إلى الناس وزاد إقبالهم عليها، وكثر المشتركون
فيها، وانتشرت في أنحاء العالم الإسلامي، وأصبحت طريقتها في الكتابة والتحرير
نموذجًا تحتذيه كثير من الصحف الإسلامية، ولم يكد العام الثاني عشر من عمرها
يمر عليها إلا وتدعمت مكانتها وتبوأت ما تستحق من مكانة وتقدير، وتنافس الناس
في اقتناء أعدادها القديمة والجديدة، وبيعت الأعداد الأولى بأضعاف ثمنها.
وامتد تأثير المجلة إلى كثير من الأقطار الإسلامية، وصار لها مؤيدون
ومحبون، كونوا مدارس فكرية في هذه الأقطار، وقد أشار إلى ذلك كتاب (وجهة
الإسلام) الذي قام بتأليفه جماعة من المستشرقين على رأسهم هاملتون جب، فقال:
(ولم يشرق منار الإسلام على المصريين وحدهم، ولكنه أشرق على العرب في
بلادهم وخارجها وعلى المسلمين في أرخبيل الملايو الذين درسوا في الجامعة
الأزهرية، وعلى الإندونيسي المنعزل الذي ظل محافظًا على علاقاته بقلب العالم
الإسلامي بعد عودته لبلاده النائية.. وقد أصبح الذين اقتبسوا من نور المنار منارات
صغرى في إندونيسيا بعد أن عادوا إليها...) .
ولم يكن استمرار مجلة المنار في الصدور أمرًا هينًا وسهلًا، بل صادفت
صعوبات كثيرة، وأزمات مادية، ومنافسة من مجلات أخرى؛ وهجومًا من أعداء
لها ضاقوا بفكرتها الإصلاحية ودعوتها التحريرية الواعية، ولم يكن الشيخ يملك
جاهًا أو سلطانًا، بل كان يملك عقلًا واعيًا وقلبًا صادقًا، ورغبة ملحة في الإصلاح،
وهمة عالية في الصبر والثبات ومواجهة الأزمات، ساعده ذلك على الاستمرار في
صدور مجلته، وإن تعثرت أحيانًا عن الصدور شهرًا أو شهرين، لكنها لم تتوقف
تمامًا حتى وفاته في (٢٧ من جمادى الأولى ١٣٥٤هـ=٢٢ من أغسطس ١٩٣٥م) .
بعد وفاة مؤسسها:
توقفت المجلة سبعة أشهر بعد وفاة الشيخ رشيد رضا، ثم أسندت رئاسة
تحريرها إلى الشيخ (بهجت البيطار) من علماء سوريا المعروفين، فقام على
تحريرها، وحاول إكمال التفسير الذي كان ينهض به الشيخ، فأتم تفسير سورة
يوسف، ثم توقفت المنار مرة أخرى لمدة تقترب من ثلاث سنوات.
ثم أسندت أسرة الشيخ إصدار المجلة إلى الإمام المرشد (حسن البنا) مؤسس
جماعة الإخوان المسلمين وكان مقدرًا للمجلة وصاحبها، فأصدر العدد الأول الجديد
في (غرة جمادى الآخرة ١٣٥٨هـ = ١٨ من يوليو ١٩٣٩م) بعد تردد،
وكان لرجوعها مرة أخرى صدى واسع، عبر عنه الإمام محمد مصطفى المراغي
شيخ الأزهر بكلمة في افتتاحية الإصدار الجديد، قدم فيه حسن البنا إلى قراء
المنار، مشيدًا بعلمه وقدرته في مجال الدعوة الإسلامية.
وواصلت المجلة صدورها لكنه كان بطيء الخطى، والمهام جسيمة على رجل
مثقل بالمسئوليات، مشغول بأعباء كثيرة، فلم يتمكن من الاستمرار، وتوقفت
المجلة بعد أن صدر منها ستة أعداد على مدى أربعة عشر شهرًا، وذلك في سنة
(١٣٥٩هـ=١٩٤٠م) .
* مصادر الدراسة:
(١) أحمد الشرباصي: رشيد رضا، الصحفي، المفسر، الشاعر - مطبوعات مجمع البحوث
الإسلامية - القاهرة - ١٩٧٧م.
(٢) إبراهيم العدوي: رشيد رضا، الإمام المجاهد - الدار المصرية للتأليف والترجمة - القاهرة - بدون تاريخ.
(٣) أنور الجندي: إعلام وأصحاب أقلام - دار نهضة مصر - القاهرة - بدون تاريخ.
(٤) محمود منصور هيبة: الصحافة الإسلامية في مصر - دار الوفاء للطباعة والنشر - المنصورة - مصر - ١٤١٠=١٩٩٠.
(٥) سامي عبد العزيز الكومي: الصحافة الإسلامية في القرن التاسع عشر - دار الوفاء للطباعة والنشر - المنصورة - مصر - ١٤١٣هـ=١٩٩٢م.
ترجمة صاحب المنار
[المصدر: قرص مجلة المنار]
محمد رشيد رضا.. رائد الإحياء والتجديد
(١٢٨٢ هـ - ١٣٥٤ هـ = ١٨٦٥ م - ١٩٣٥ م)
كان الشيخ رشيد رضا أكبر تلامذة الأستاذ الإمام محمد عبده، وخليفته من بعده،
حمل راية الإصلاح والتجديد، وبعث في الأمة روحًا جديدة، تُحرِّك الساكن،
وتنبه الغافل، لا يجد وسيلة من وسائل التبليغ والدعوة إلا اتخذها منبرًا لأفكاره
ودعوته ما دامت تحقق الغرض وتوصل إلى الهدف.
وكان ﵀ متعدد الجوانب والمواهب، فكان مفكرًا إسلاميًا غيورًا
على دينه، وصحفيًا نابهًا ينشئ مجلة (المنار) ذات الأثر العميق في الفكر
الإسلامي، وكاتبًا بليغًا في كثير من الصفح، ومفسرًا نابغًا، ومحدثًا متقنًا في طليعة
محدثي العصر، وأديبًا لغويًا، وخطيبًا مفوهًا تهتز له أعواد المنابر، وسياسيًا يشغل
نفسه بهموم أمته وقضاياه، ومربيًا ومعلمًا يروم الإصلاح ويبغي التقدم لأمة.
وخلاصة القول: إنه كان واحدًا من رواد الإصلاح الإسلامي الذين بزغوا في
مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وعملوا على النهوض بأمتهم؛ حتى تستعيد
مجدها الغابر، وقوتها الفتية على هدى من الإسلام، وبصر بمنجزات العصر.
المولد والنشأة:
في قرية (القلمون) كان مولد (محمد رشيد بن علي رضا) في (٢٧ من
جمادى الأولى ١٢٨٢هـ = ٢٣من سبتمبر ١٨٦٥م)، وهي قرية تقع على شاطئ
البحر المتوسط من جبل لبنان، وتبعد عن طرابلس الشام بنحو ثلاثة أميال، وهو
ينتمي إلى أسرة شريفة من العترة النبوية الشريفة، حيث يتصل نسبها بآل (الحسين
بن علي) ﵂ .
وكان أبوه (علي رضا) شيخًا للقلمون وإمامًا لمسجدها، فعُني بتربية ولده
وتعليمه؛ فحفظ القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ثم انتقل إلى
طرابلس، ودخل المدرسة الرشيدية الابتدائية، وكانت تابعة للدولة العثمانية، وتعلم
النحو والصرف ومبادئ الجغرافيا والحساب، وكان التدريس فيها باللغة التركية،
وظل بها رشيد رضا عامًا، ثم تركها إلى المدرسة الوطنية الإسلامية بطرابلس سنة
(١٢٩٩هـ = ١٨٨٢م)، وكانت أرقى من المدرسة السابقة، والتعليم فيها
بالعربية، وتهتم بتدريس العلوم العربية والشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة
الطبيعية، وقد أسس هذه المدرسة وأدارها الشيخ (حسين الجسر) أحد علماء الشام
الأفذاذ ومن رواد النهضة الثقافية العربية، وكان يرى أن الأمة لا يصلح حالها أو
ترتقي بين الأمم إلا بالجمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا على الطريقة العصرية
الأوربية مع التربية الإسلامية الوطنية.
ولم تطل الحياة بتلك المدرسة فسرعان ما أُغلقت أبوابها، وتفرّق طلابها في
المدارس الأخرى، غير أن رشيد رضا توثقت صلته بالشيخ الجسر، واتصل
بحلقاته ودروسه، ووجد الشيخ الجسر في تلميذه نباهة وفهمًا، فآثره برعايته وأولاه
عنايته، فأجازه سنة (١٣١٤هـ = ١٨٩٧م) بتدريس العلوم الشرعية والعقلية
والعربية، وهي التي كان يتلقاها عليه طالبه النابه، وفي الوقت نفسه درس (رشيد
رضا) الحديث على يد الشيخ (محمود نشابة) وأجازه أيضًا برواية الحديث، كما
واظب على حضور دروس نفر من علماء طرابلس، مثل: الشيخ عبد الغني
الرافعي، ومحمد القاوجي، ومحمد الحسيني، وغيرهم.
في قريته:
اتخذ الشيخ رشيد رضا من قريته الصغيرة ميدانًا لدعوته الإصلاحية بعد أن
تزود بالعلم وتسلح بالمعرفة، وصفت نفسه بالمجاهدات والرياضيات الروحية
ومحاسبة نفسه وتخليص قلبه من الغفلة وحب الدنيا، فكان يلقي الدروس والخطب
في المسجد بطريقة سهلة بعيدة عن السجع الذي كان يشيع في الخطب المنبرية آنذاك،
ويختار آيات من القرآن يحسن عرضها على جمهوره، ويبسط لهم مسائل الفقه،
ويحارب البدع التي كانت شائعة بين أهل قريته.
ولم يكتف الشيخ رضا بمن يحضر دروسه في المسجد، فذهب هو إلى الناس
في تجمعاتهم في المقاهي التي اعتادوا على الجلوس فيها لشرب القهوة والنارجيلة،
ولم يخجل من جلوسه معهم يعظهم ويحثهم على الصلاة، وقد أثمرت هذه السياسة
المبتكرة، فأقبل كثير منهم على أداء الفروض والالتزام بالشرع والتوبة والإقبال
على الله، وبعث إلى نساء القرية من دعاهن إلى درس خاص بهن، وجعل مقر
التدريس في دار الأسرة، وألقى عليهن دروسًا في الطهارة والعبادات والأخلاق،
وشيئًا من العقائد في أسلوب سهل يسير.
الاتصال بالأستاذ الإمام:
في الفترة التي كان يتلقى فيها رشيد رضا دروسه في طرابلس كان الشيخ
محمد عبده قد نزل بيروت للإقامة بها، وكان محكومًا عليه بالنفي بتهمة الاشتراك
في الثورة العرابية، وقام بالتدريس في المدرسة السلطانية ببيروت، وإلقاء دروسه
التي جذبت طلبة العلم بأفكاره الجديدة ولمحاتة الذكية، وكان الشيخ محمد عبده قد
أعرض عن السياسة، ورأى في التربية والتعليم سبيل الإصلاح وطريق الرقي،
فركز جهده في هذا الميدان.
وعلى الرغم من طول المدة التي مكثها الشيخ محمد عبده في بيروت فإن
الظروف لم تسمح لرشيد رضا بالانتقال إلى المدرسة السلطانية والاتصال بالأستاذ
الإمام مباشرة، والتلمذة على يديه، وكان التلميذ النابه شديد الإعجاب بشيخه،
حريصًا على اقتفاء أثره في طريق الإصلاح، غير أن الفرصة سنحت له على
استحياء، فالتقى بالأستاذ الإمام مرتين في طرابلس حين جاء إلى زيارتها؛ تلبية
لدعوة كبار رجالها، وتوثقت الصلة بين الرجلين، وازداد تعلق رشيد رضا بأستاذه،
وقوي إيمانه به وبقدرته على أنه خير من يخلف (جمال الدين الأفغاني) في
ميدان الإصلاح وإيقاظ الشرق من سباته.
وحاول رشيد رضا الاتصال بجمال الدين الأفغاني والالتقاء به، لكن جهوده
توقفت عند حدود تبادل الرسائل وإبداء الإعجاب، وكان جمال الدين في الآستانة
يعيش بها كالطائر الذي فقد جناحيه فلا يستطيع الطيران والتحليق، وظل تحت
رقابة الدولة وبصرها حتى لقي ربه سنة (١٣١٤هـ = ١٨٩٧م) دون أن تتحقق
أمنية رشيد رضا في رؤيته والتلمذة على يديه.
في القاهرة:
لم يجد رشيد رضا مخرجًا له في العمل في ميدان أفسح للإصلاح سوى الهجرة
إلى مصر والعمل مع محمد عبده تلميذ الأفغاني حكيم الشرق، فنزل الإسكندرية في
مساء الجمعة (٨ من رجب ١٣١٥ هـ = ٣ من يناير ١٨٩٨م)، وبعد أيام قضاها
في زيارة بعض مدن الوجه البحري نزل القاهرة واتصل على الفور بالأستاذ الإمام،
وبدأت رحلة جديدة لرشيد رضا كانت أكثر إنتاجًا وتأثيرًا في تفكيره ومنهجه
الإصلاحي.
ولم يكد يمضي شهر على نزوله القاهرة حتى صارح شيخه بأنه ينوي أن
يجعل من الصحافة ميدانًا للعمل الإصلاحي، ودارت مناقشات طويلة بين الإمامين
الجليلين حول سياسة الصحف وأثرها في المجتمع، وأقنع التلميذ النجيب شيخه بأن
الهدف من إنشائه صحيفة هو التربية والتعليم، ونقل الأفكار الصحيحة لمقاومة
الجهل والخرافات والبدع، وأنه مستعد للإنفاق عليها سنة أو سنتين دون انتظار ربح
منها.
مجلة المنار:
صدر العدد الأول من مجلة المنار في (٢٢ من شوال ١٣١٥هـ = من مارس
١٨٩٨م)، وحرص الشيخ رشيد على تأكيد أن هدفه من المنار هو الإصلاح الديني
والاجتماعي للأمة، وبيان أن الإسلام يتفق والعقل والعلم ومصالح البشر، وإبطال
الشبهات الواردة على الإسلام، وتفنيد ما يعزى إليه من الخرافات.
وأفردت المجلة إلى جانب المقالات التي تعالج الإصلاح في ميادينه المختلفة
بابًا لنشر تفسير الشيخ محمد عبده، إلى جانب باب لنشر الفتاوى والإجابة على ما
يرد للمجلة من أسئلة في أمور اعتقادية وفقهية، وأفردت المنار أقسامًا لأخبار الأمم
الإسلامية، والتعريف بأعلام الفكر والحكم والسياسة في العالم العربي والإسلامي،
وتناول قضايا الحرية في المغرب والجزائر والشام والهند.
ولم يمض خمس سنوات على صدور المجلة حتى أقبل عليها الناس،
وانتشرت انتشارًا واسعًا في العالم الإسلامي، واشتهر اسم صاحبها حتى عُرف باسم
رشيد رضا صاحب المنار، وعرف الناس قدره وعلمه، وصار ملجأهم فيما يعرض
لهم من مشكلات، كما جاء العلماء يستزيدون من عمله، وأصبحت مجلته هي
المجلة الإسلامية الأولى في العالم الإسلامي، وموئل الفتيا في التأليف بين الشريعة
والعصر.
وكان الشيخ رشيد يحرر معظم مادة مجلته على مدى عمرها المديد، يمده زاد
واسع من العلم، فهو عالم موسوعي ملم بالتراث الإسلامي، محيط بعلوم القرآن،
على دراية واسعة بالفقه الإسلامي والسنة النبوية، عارف بأحوال المجتمع والأدوار
التي مر بها التاريخ الإسلامي، شديد الإحاطة بما في العصر الذي يعيش فيه، خبير
بأحوال المسلمين في الأقطار الإسلامية.
منهجه في الإصلاح:
كتب رشيد مئات المقالات والدراسات التي تهدف إلى إعداد الوسائل للنهوض
بالأمة وتقويتها، وخص العلماء والحكام بتوجيهاته؛ لأنهم بمنزلة العقل المدبر
والروح المفكر من الإنسان، وأن في صلاح حالها صلاح حال الأمة، وغير ذلك
بقوله: (إذا رأيت الكذب والزور والرياء والنفاق والحقد والحسد وأشباهها من
الرذائل فاشية في أمة، فاحكم على أمرائها وحكامها بالظلم والاستبداد وعلى علمائها
ومرشديها بالبدع والفساد، والعكس بالعكس) .
واقترح رشيد رضا لإزالة أسباب الفرقة بين المسلمين تأليف كتاب يضم جميع
ما اتفقت عليه كلمة المسلمين بكل فرقهم، في المسائل التي تتعلق بصحة الاعتقاد
وتهذيب الأخلاق وإحسان العمل، والابتعاد عن مسائل الخلاف بين الطوائف
الإسلامية الكبرى كالشيعة، وتُرسل نسخ بعد ذلك من هذا الكتاب إلى جميع البلاد
الإسلامية، وحث الناس على دراستها والاعتماد عليها.
وطالب بتأليف كتب تهدف إلى توحيد الأحكام، فيقوم العلماء بوضع هذه
الكتب على الأسس المتفق عليها في جميع المذاهب الإسلامية وتتفق مع مطالب
العصر، ثم تُعرض على سائر علماء المسلمين للاتفاق عليها والتعاون في نشرها
وتطبيق أحكامها.
التربية والتعليم:
كان الشيخ رشيد رضا من أشد المنادين بأن يكون الإصلاح عن طريق التربية
والتعليم، وهو في ذلك يتفق مع شيخه محمد عبده في أهمية هذا الميدان، (فسعادة
الأمم بأعمالها، وكمال أعمالها منوط بانتشار العلوم والمعارف فيها) .
وحدد (رشيد رضا) العلوم التي يجب إدخالها في ميدان التربية والتعليم
لإصلاح شئون الناس، ودفعهم إلى مسايرة ركب العلم والعرفان، مثل: علم أصول
الدين، علم فقه الحلال والحرام والعبادات، التاريخ، الجغرافيا، الاجتماع،
الاقتصاد، التدبير المنزلي، حفظ الصحة، لغة البلاد، والخط.
ولم يكتف بدور الموجه والناصح، وإنما نزل ميدان التعليم بنفسه، وحاول
تطبيق ما يراه محققًا للآمال، فأنشأ مدرسة دار الدعوة والإرشاد لتخريج الدعاة
المدربين لنشر الدين الإسلامي، وجاء في مشروع تأسيس المدرسة أنها تختار
طلابها من طلاب العلم الصالحين من الأقطار الإسلامية، ويُفضل من كانوا في
حاجة شديدة إلى العلم كأهل جاوة والصين، وأن المدرسة ستكفل لطلابها جميع ما
يحتاجون إليه من مسكن وغذاء، وأنها ستعتني بتدريس طلابها على التمسك بآداب
الإسلام وأخلاقه وعبادته، كما تُعنى بتعليم التفسير والفقه والحديث، فلا خير في
علم لا يصحبه خلق وسلوك رفيع، وأن المدرسة لا تشتغل بالسياسة، وسيُرسل
الدعاة المتخرجون إلى أشد البلاد حاجة إلى الدعوة الإسلامية.
وقد افتتحت المدرسة في ليلة الاحتفال بالمولد النبوي سنة (١٣٣٠هـ =
١٩١٢م) في مقرها بجزيرة الروضة بالقاهرة، وبدأت الدراسة في اليوم التالي
للاحتفال، وكانت المدرسة تقبل في عداد طلبتها شباب المسلمين ممن تتراوح
أعمارهم ما بين العشرين والخامسة والعشرين، على أن يكونوا قد حصلوا قدرًا من
التعليم يمكنهم من مواصلة الدراسة.
غير أن المدرسة كانت في حاجة إلى إعانات كبيرة ودعم قوي، وحاول رشيد
رضا أن يستعين بالدولة العثمانية في إقامة مشروعه واستمراره لكنه لم يفلح، ثم
جاءت الحرب العالمية لتقضي على هذا المشروع، فتعطلت الدراسة في المدرسة،
ولم تفتح أبوابها مرة أخرى.
مؤلفاته:
بارك الله في عمر الشيخ الجليل وفي وقته رغم انشغاله بالمجلة التي أخذت
معظم وقته، وهي بلا شك أعظم أعماله، فقد استمرت من سنة (١٣١٦هـ =
١٨٩٩م) إلى سنة (١٣٥٤ = ١٩٣٥م)، واستغرقت ثلاثة وثلاثين مجلدًا ضمت
١٦٠ ألف صفحة، فضلًا عن رحلاته التي قام بها إلى أوربا والآستانة والهند
والحجاز، ومشاركته في ميادين أخرى من ميادين العمل الإسلامي.
ومن أهم مؤلفاته (تفسير المنار) الذي استكمل فيه ما بدأه شيخه محمد عبده
الذي توقف عند الآية (١٢٥) من سورة النساء، وواصل رشيد رضا تفسيره حتى
بلغ سورة يوسف، وحالت وفاته دون إتمام تفسيره، وهو من أجل التفاسير. وله
أيضًا: الوحي المحمدي ونداء للجنس اللطيف، وتاريخ الأستاذ الإمام والخلافة،
والسنة والشيعة، وحقيقة الربا، ومناسك الحج.
وفاة الشيخ:
كان للشيخ رشيد روابط قوية بالمملكة العربية السعودية، فسافر بالسيارة إلى
السويس لتوديع الأمير سعود بن عبد العزيز وزوده بنصائحه، وعاد في اليوم نفسه،
وكان قد سهر أكثر الليل، فلم يتحمل جسده الواهن مشقة الطريق، ورفض المبيت
في السويس للراحة، وأصر على الرجوع، وكان طول الطريق يقرأ القرآن كعادته،
ثم أصابه دوار من ارتجاج السيارة، وطلب من رفيقيه أن يستريح داخل السيارة،
ثم لم يلبث أن خرجت روحه الطاهرة في يوم الخميس الموافق (٢٣ من جمادى
الأولى ١٣٥٤هـ = ٢٢ من أغسطس ١٩٣٥م)، وكانت آخر عبارة قالها في
تفسيره: (فنسأله تعالى أن يجعل لنا خير حظ منه بالموت على الإسلام) .
* مصادر الدراسة:
(١) أحمد الشرباصي: رشيد رضا صاحب المنار - إصدارات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة.
(٢) إبراهيم العدوي - رشيد رضا الإمام المجاهد - المؤسسة المصرية العامة للتأليف - القاهرة - بدون تاريخ.
(٣) أنور الجندي - أعلام وأصحاب أقلام - دار نهضة مصر للطبع والنشر - القاهرة - بدون تاريخ.
التعريف بمنهج المنار
[المصدر: قرص مجلة المنار]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على المبعوث بخير دين، وعلى آله
وصحبه أجمعين.
وبعد،،،
فإنَّ الشيخ/ محمد رشيد رضا عَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ الإصلاحِ، ورائدٌ من رواد
التَّجديد، وأحد أقطاب المدرسة العقليَّة الحديثة في التفسير. له في الدعوة إلى
الله جهود مشكورة، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسنات مبرورة، وفي
محاربة البدع والخرافة طريقة محمودة، وفي إصلاح الأزهر مواقف مشهودة، وفي
التأليف والكِتَابَةِ مُصنفات مشهورة، وكانت له في السياسة مشاركات ومحاولات.
وُلِدَ في قرية القَلَمُون قرب طرابلس الشام بلبنان عام ١٢٨٢هـ، وتُوفّي
بالقاهرة عام ١٣٥٤هـ، ودُفِن ﵀ بقرافة المُجَاورين بجوارأستاذه
محمد عبده [١] نشأ ﵀ نشأة صوفية، تتلمذ فيها على أبي حامد الغزالي
في إحيائه، وتَأَثَّرَ منذ نعومة أظفاره بأحد علماء الشام الأفذاذ؛ وهو الشيخ/ حسين الجسر، الذي أنشأ المدرسة التي فيها تخرج الشيخ رشيد رضا، وحصل على
شهادتها العالية، والإجازة في التدريس.
ثم إنه اتصل بالأفغاني ومحمد عبده؛ فنشأ نشأته الثانية:
عَقلانيَّة إِصلاحيَّة، بدأت عام ١٣١٥هـ، وفي هذه المرحلة أصدر مجلته المنار وكثيرًا من كتبه، وشرع في تفسير المنار وانتهى إلى الآية (١٠١) من سورة يوسف.
وأما المرحلة الأخيرة من حياة الشيخ رشيد ﵀ فتبدأ بوفاة شيخه محمد
عبده، وتستمر حتى وفاته منتحلًا مذهب السلف في الجُملة ومتأثرًا بالصوفيَّة
والعقلانيَّة في قضايا عديدة.
أما الدليل على انتحاله مذهب السلف ومنهج أهل السنة والجماعة فيتمثل في
أمور منها:
مخالفته في قضايا عديدة لمنهج المدرسة العقلية التي نشأ عليها في التفسير
وغيره، كما أفصح هو عن ذلك بنفسه [٢]، ومن ذلك عنايته بكتب السلف عقيدة
ومنهجًا حيث عُنِي بكتب ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم؛
حتى اشتهر بذلك وأسماه خصومه بالوهابي، ولعل سبب هذه التسمية أيضًا أنه
كتب مقالات عديدة في الدفاع عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، منها مجموعة
مقالات أسماها الوهابيون والحجاز شرح فيها دعوة الشيخ، وجَلَّى مبادئها وأهدافها،
كما كتب كتابًا رَدَّ فيه على خصوم الدعوة من الشيعة والرافضة، أسماه (السنة
والشيعة) أو (الوهابية والرافضة) .
وأخيرًا فمِمَّا يؤكد سلفيَّة مرحلته الأخيرة: أنه وقعت بَيْنَه وبين أتباع
وتلامذة المدرسة العقليَّة الحديثة العداوة والوحشة بسبب ما انتحاه الشيخ من مَنْحى
السلفيَّة، مما أذكى نار العداوة بينهم على صحائف الصحف والمجلات [٣] .
وبحق فقد كانت عقيدة السيد رشيد رضا أصفى وأنقى في طورها الأخير، وأبعد
عن نظرات الاعتزال ومسالك العقلانيين.
وكما كانت عقيدته أسلم فقد كان مسلكه أقوم، فلم تعرف له صلات مشبوهة
مع الإنجليز، بل إنه فضح مخططاتهم وشنع عليهم في مواضع عديدة من مقالاته،
ولم يعرف أنه انتسب إلى الماسونية كما ثبت ذلك في حق شيخيه عبده والأفغاني [٤]
ولقد حُمِدَ له تصديه لكتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) [٥] ومحاربته
لجمعية الاتحاد والترقي التي عملت على خلع السلطان (عبد الحميد الثاني)
وتقويض الخلافة، ووصف (مصطفى كمال أتاتورك) بالإلحاد والمروق من الدين [٦]
وأصدر كتابه (الخلافة أو الإمامة العظمى) يدعو فيه بشدة إلى إعادة الخلافة
الإسلامية، وعقد مؤتمرًا عام ١٣٤٣ هـ للدعوة إلى هذا الأمر [٧] .
هذا وتُعَدُّ مجلة المنار التي أصدرها الشيخ بعد شهر واحد من مقدِمه إلى مصر
أكبر مجلة إسلامية في العالم الإسلامي بأسره، وأكثرها تداولًا وأعظمها تأثيرًا
وأبعدها صيتًا.
وصدرعددها الأول في ٢٢ من شوال عام ١٣١٥ هـ وكان الشيخ يكتب
على صدرها: مجلة شهرية تبحث في فلسفة الدين وشئون الاجتماع والعمران.
ولقد عُنيت المجلّة بمحاور متعددة، فلم تقتصر على الأمور الشرعيَّة والدينيَّة،
بل أَفْرَدت مساحات للأدب والشعر والقصة، ونشرت مقالات عديدة عن السنن
الكونية والطب والصحة، ونقلت عن مجلات أخرى عيون مقالاتِها وبحوثِها
الجيدة، وشارك السيدَ رشيد في تحريرها نخبةٌ من الأعلام كالرافعي،
والمنفلوطي، وشكيب أرسلان، ومحمد الخضر حسين، وغيرهم.
وأخذت المجلة في حياة مؤسسها مكانتها في قلوب الناس وعقولهم، وامتد أثرها
إلى معظم أصقاع العالم الإسلامي. واستمر صدورها إلى وفاة مؤسسها في
١٣٥٤هـ لتتوقف سبعة أشهر وتعود على يد علامة الشام الشيخ/ بهجت البيطار،
ثم توقفت أخرى ليعود صدورها على يد الشيخ/ حسن البنا حيث أخرج منها ستة
أعداد على مدى أربعة عشر شهرًا لتتوقف عن الصدور نهائيًّا عام ١٣٥٩ هـ
/١٩٤٠م.
وبحق فقد كانت المنار منارًا للإحياء والتجديد والتربية والتعليم، وقد
تصدت لقضايا الأمة بعامة، وعنيت بإصلاح العقيدة ومحاربة البدع والخرافة،
والاهتمام بشأن العلم المادي والتجريبي، والدعوة إلى إنهاض الأمة في جميع
المجالات، ولقد كانت بصمات الشيخ/ رشيد رضا على المجلة واضحة، فهو أكبر
محرريها، وأكثر من كتب فيها، بل جُلّ مقالاتها تُنسَب إليه شخصيًّا أو إلى المدرسة
التي انتمى إليها في المرحلة الوسيطة من حياته.
وكما سبق التنبيه فإن موارد الشيخ الصوفية والعقلانية والسلفية قد ظهرت
وانعكست بوضوح في كتاباته ومقالاته، وفيما يلي بعض الملاحظ المهمة التي لا
تخفى على الباحث المدقق، ويحتاج إليها عامة القراء والمهتمين بمجلة المنار من
حيث هي ديوان فكر للإصلاحيين، ونبضُ أُمةٍ في مرحلة من الانكسار، وتأريخ
لعدد من المساجلات العلمية والفكرية، ورصد لكثير من التحولات
المنهجية.
أولًا: بعض المآخذ العقدية على ما ورد في مجلة المنار
١- تأويل بعض الغيبيات:
ومن أمثلة ذلك مقالة نشرها الشيخ يذهب كاتبها إلى تأويل الميزان، وأن
المراد بالوزن هو القضاء العادل، وأن الكرسي له معنى مجازي كالعظمة والسلطة،
وأن النفخ في الصور كناية عن إعلان الأمر وإشهاره، ونحو ذلك من التأويلات
البعيدة للأمور المغيبة، والتي يتلخص موقف المسلم منها في الإيمان والإقرار بها
وإمرارها من غير تعرض لها بتأويل معتسف أو صرف للمعنى عن ظاهره
المراد. [٨]
٢- إنكار المهدي:
يقول الشيخ/ رشيد: " وجملة القول أننا لا نعتقد بهذا المهدي المنتظر، ونقول
بضرر الاعتقاد به " [٩] . ويعلل هذا الحكم بأن الصحيحين ليس فيهما ذكر له، وأن
ابن خلدون أعل الأحاديث التي فيها ذكره، وأن هذا المعتقد كان سببًا في نكبات تقع
من أدعياء المهدية وما يتبع ذلك من سفك للدماء، وإزهاق للأرواح [١٠] .
ومما لاشك فيه عند أهل السنة أن أحاديث المهدي كثيرة مشتهرة بل بلغت
مبلغ التواتر عند بعض أهل العلم [١١] فلا مجال إذن لإنكارها أو إبطال دلالتها.
٣- التشكيك في الدجال:
يرى الشيخ/ رشيد أن عقيدة الدجال منافية لحكمة إنذار الناس بقرب قيام
الساعة وإثباتها بغتة، وأن ما أُعطي الدجال من الفتن والخوارق يفوق أكبر الآيات
التي أُيد بها المرسلون، وأن أحاديث الدجال متعارضة ومضطربة، وأنها
مصنوعة ومدسوسة، من عمل اليهود [١٢] .
ومعلوم أن الإيمان بدجال آخر الزمان هو جزء من الإيمان بأمارات الساعة
التي ثبتت بالصحيح المسند من الأحاديث النبوية، وعليها انعقد إجماع أهل
السنة والجماعة، وقد نقل تواتر أحاديثه الحافظ ابن كثير [١٣] والنووي [١٤] عليهما
رحمة الله.
٤- إنكار كثير من المعجزات وتأويلها:
يذهب بعيدًا الشيخ/ رشيد في إنكار المعجزات، ويَعُدُّ مجرد رواية القرآن
لمعجزات الأنبياء السابقين سببًا لإعراض العلماء والعقلاء عن الدين الإسلامي،
ولولا رواية القرآن لتلك المعجزات لكان إقبال " أحرار الإفرنج " عليه أكثر، وأن
تلك المعجزات مثار شبهات، وتأويلات في روايتها وصحتها ودلالتها [١٥] .
ثم نرى الشيخ يدافع عن كتاب (حياة محمد) لمحمد حسين هيكل الذي جرد
النبي ﷺ من جميع المعجزات إلا القرآن الكريم وينتصر له
انتصارًا عظيمًا [١٦] .
وتارة أخرى يُسْأَل في المجلة عن معراجه ﷺ فيذهب: إلى
أنه رؤية منامية فحسب [١٧] .
وأما معراجه ﷺ إلى السماء السابعة، قال الطحاوي:
والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ، وعرج بشخصه في اليقظة
إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، ... ".
وقد أكد هذا المعتقد الحافظ ابن حجر في الفتح عن جماهير أهل السنة [١٨] . وعلى نفس المنوال نسج الشيخ/ رشيد في معجزة انشقاق القمر الثابتة بالقرآن
وأحاديث الصحيحين وغيرهما [١٩] .
وقد قال ابن كثير في تفسيره: وقد كان هذا في زمان رسول الله صلى الله
عليه وسلم كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة [٢٠] .
وقال الشوكاني: " ومع هذا فقد نُقِل إلينا بطريق التواتر، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد، ويُضرَب به في وجه قائله " [٢١] .
٥- الانحراف في الإيمان بالملائكة والجن:
نقل الشيخ رضا كلام أستاذه الشيخ عبده في هذا الصدد واستحسنه
ودافع عنه، وسوّى بين الملائكة والجن والميكروبات المسببة للأمراض والعلل
واعتبرها جميعًا من جنس واحد، وأن الجن ورؤيته هو أمر تخييلي ليس بحقيقي،
أقرب لخرافات وأوهام العرب وليس في الإمكان رؤيتهم إلا على اعتبار أنهم من
الميكروبات الدقيقة [٢٢] .
وكيف تصح التسوية بين حيوانات غير مكلَّفة ولا محاسبة في
الآخرة، وبين الجن المكلفين بالأمر والنهي والمحاسبين في الآخرة وبين الملائكة
الذين هم لله طائعون وبأمره يعملون! !
ثانيًا: بعض المآخذ الأصولية والمنهجية
١- الموقف من أحاديث الآحاد:
اضطرب موقف الشيخ/ رشيد من أحاديث الآحاد وحجيتها ومتى يُعمَل بها فتارة
يرى أن بعضها يفيد العلم وتارة يراها مفيدة للظن، وتارة يقبلها في العمل بدون شرط
أو قيد، وتارة يعلِّق ذلك على عدم معارضتها للعقل، أو على جريان العمل بها من
أهل القرون المفضلة، فأحاديث المعراج أحاديث آحاد فلا تفيد اعتقاد ثبوت ذلك،
وكذا أحاديث سحره ﷺ لا تفيد ثبوت تلك الواقعة، ولمعارضتها لما
هو أوثق لديه! ! وكذا الأحاديث الصحيحة المتفق عليها في أن الشمس إذا
غربت تستأذن في السجود فيؤذن لها، معارضة عنده للحِسِّ والعقل. وغير ذلك من
المواقف المتشددة من السنة الآحاد [٢٣] .
وقد وقف مثل هذا الموقف وأشد عندما أنكر حد الرجم فقال: وجملة القول
أنه لم يُرْوَ في هذا المقام حديث صحيح السند، إلا قول عمر في (الشيخ والشيخة إذا
زنيا) وهو من رواية الآحاد، ولذلك خالف الخوارج وبعض المعتزلة في الرجم
ولم يكفرهم أحد بذلك، وأنا لا أعتقد صحته، وإن ُروي في الصحيحين ".
ولاشك أن أهل السنة والجماعة على خلاف مع أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في
هذا الأمر.
يقول ابن حجر: " قد شاع فاشيًا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من
غير نكير، فاقتضى الإتفاق منهم على القبول ".
ويقول ابن أبي العز: " خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، عملًا به وتصديقًا
له، يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة ".
وقال شيخ الإسلام: " السنة إذا ثبتت، فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها ".
والصحيح الذي عليه أهل السنة: أن خبر الواحد تثبت به العقيدة، وما خالف
هذا القول فمُحْدَث، لا يثبت عن واحد من السلف.
٢- الموقف من العقل:
لاشك أن من أكبر المآخذ على المدرسة العقليَّة الحديثة بعامة هو الموقف المبالِغ
في تقديم العقل على النقل، وقد وقع وجرى بسبب هذا الأصل البِدْعِيُّ شيء كثير
من المخالفات والبدع، بدءًا من التحسين والتقبيح العقليين، إلى ما لا ينحصر
من الجزئيات المخالفة.
وقد نقل الشيخ رشيد عن شيخه عبده في المجلة مواضع كثيرة من هذا المعنى
وأيده في أجوبته وفتاواه ومواقفه كثيرًا، ومن ذلك نقله عن عبده اتفق أهل الملة
الإسلامية - إلا قليلًا ممن لا يُنظَر إليه - على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ
بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع
الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثانية:
تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل. (وقال)
وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة وعمل النبي صلى الله عليه
وسلم مهدت بين يدي العقل كل سبيل) . اهـ[٢٤]
وهذا القول وأشباهه معلوم بطلانه، والأصل المستقر عند أهل السنة أن
العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، والعبرة في المسائل الاعتقادية هي صحة
الإسناد، وسلامته من العلل القادحة.
ولو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره،
ولاشك أن الإجماع المدعى غير صحيح ولا مقبول.
٣- الموقف من أهل الكتابين:
يقول الشيخ رشيد في مقالة له بعنوان " شبهات المسيحيين على الإسلام،
وشبهات التاريخ على اليهودية والنصرانية " ما نصه: ".. كتبنا نبذة معنونة بهذا العنوان في الجزء الخامس ذكرنا في فاتحتها أننا طلاب مودة والتئام، لا عوامل نزاع وخصام، وأننا لا نود أن يطعن أحد من المسلمين والنصارى في دين الآخر" [٢٥] .
ولاشك أن المودة منهي عنها بقوله تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية، فالمحبة والمودة لأهل الإسلام، والعدل والقسط لأهل الأديان.
ويقول في موضع آخر: وأما لفظ الكفر فيُطْلَق في عرف الكتاب اليوم
على الملاحدة،.. فمهما أطلقنا لقب (الكافر) أو اسم الكفر في كلامنا فنريد به
ما ذكرنا، ولا نطلقه على المخالفين لنا في الدين من أصحاب الملل الأخرى، لأنهم
ليسوا كفارًا بهذا المعنى، بل نقول بعدم جواز إطلاقه عليهم شرعًا، لأنه صار في
هذه الأيام من أقبح الشتائم وأجرح سهام الامتهان، وذلك مما تحظّره علينا
الشريعة باتفاق علماء الإسلام.. [٢٦] .
ولا يخفى على متأمل ما في هذا من المخالفة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [[المائدة: ١٧] . وقوله تعالى:] مَا يَوَدُّ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة:
١٠٥] وغير ذلك من الآيات، وتحريم عدم إطلاقه شرعًا يحتاج إلى دليل، ونقل
الاتفاق على ذلك محل نظر.
٤- موقفه من بعض الأشخاص:
يجدر بالذكر أن مورد الشيخ الصوفي جعله يحسن الظن بأمثال ابن عربي؛
فيذكره مادحًا ومثنيًا. ثم لما غلب عليه مورده السلفي انسحب من ذلك كله، ورد عليه
وبين ضلاله ونقل كلام الأئمة فيه.
كما أنه أثنى على ابن الفارض ولقبه بألقاب لا تجوز في حقه فكان
يقول: سيدنا، ورضي الله عنه، ورحمه الله، ونحو ذلك وربما نقل بعض كلامه
أو أشعاره [٢٧] .
قال شيخ الإسلام: " ابن الفارض من متأخرة الاتحاديَّة، صاحب القصيدة التائية المعروفة بنظم السلوك، وقد نظم فيها الاتحاد نظمًا رائق اللفظ، فهو أخبث من
لحم خنزير في صينية من ذهب، وما أحسن تسميتها نظم الشكوك " [٢٨]
وقال الذهبي: " عمر بن الفارض ينعق بالاتحاد تلويحًا وتصريحًا في شعره،
وهذه بلية عظيمة " [٢٩] .
ولعل الشيخ/رشيد رجع عن هذا التعظيم في طوره الأخير.
كما أورد ثناءً على ابن سينا وإشاراته في الحكمة العقلية وبيان جلالة قدره،
مما يدل على أن هذا من أوضار العقلانية المفرطة.
وقد قال ابن حجر: وقد اتفق العلماء على أن ابن سينا كان يقول بقدم العالم،
ونفي المعاد الجسماني، فقطع علماء زمانه ومَن بَعْدَهم من الأئمة بكفره [٣٠] .
وقال شيخ الإسلام: " وإشارات ابن سينا يعرف جمهور المسلمين
الذين يعرفون دين الإسلام أن فيها إلحادًا كثيرًا " [٣١] .
والظن بالشيخ ﵀ أن يكون قد رجع عن هذا التعظيم الممقوت
لابن سينا وأمثاله.
ومما يُذْكَر على الشيخ اشتداده على بعض الثقات وجرحه، ككعب الأحبار
ورميه له بالزندقة، فيقول: " وقد حققنا من قبل أن كعب الأحبار من زنادقة
اليهود.. " [٣٢]
وقد ذكره أهل العلم في الثقات كابن حبان، وأثنى عليه بعض الصحابة كأبي الدرداء ومعاوية.
ومثلُ كعب - عند الشيخ - وهب بن منبه، وقد وثقه أيضًا كلٌ من أبي
زرعة والنسائي والذهبي وابن حبان وأخرج له البخاري ومسلم وأبوداود والترمذي
والنسائي.
وأخيرًا
فإن هذه الملاحظ - على كثرتها وتعددها وما ترتب عليها من آثار في اتساع
البون بين المدرسة العقليَّة ومنهج أهل الحق والاتباع - لا تمنع باحثًا بصيرًا قادرًا
على التمييز بين الصواب والخطأ من الاستفادة من المنار، ومن آثار محررها،
والكمال لله وحده، والعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وإنما الأعمال
بالخواتيم.
نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى مغفرة لأهل التوحيد، ونبرأ
إلى الله تعالى من البدع وأهلها، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله
وصحبه وسلم.
(١) رشيد رضا لإبراهيم العدوي ص٢٦٨.
(٢) انظر كلامه في صدر تفسيره المنار (١/١٦) .
(٣) تُراجَع مجلة المنار (١٥/٩٢٥)، (١٣/٤٦٥) .
(٤) الإسلام والحضارة الغربية، محمد محمد حسين ص ٩٦.
(٥) مجلة المنار (٢٨ / ٢٤٠) .
(٦) مجلة المنار (١٦/١٤٥) .
(٧) رشيد رضا أو إخاء أربعين عامًا، شكيب أرسلان ص٣٥٢-٣٥٣.
(٨) المنار (٢٧/١/٥٥) .
(٩) المنار (٧/٤/١٣٨) .
(١٠) المنار (٢٤/٨/٥٧٨)، (٣/٢٧/٦٦٠) .
(١١) الحاوي للفتاوى للسيوطي (٢/١٦٥-١٦٦)، المنار المنيف لابن القيم ص ١٤٢.
(١٢) تفسير المنار (٩/٤٥١) .
(١٣) الفتن والملاحم لابن كثير (١/١٠٦) .
(١٤) صحيح مسلم بشرح النووي (١٨/٥٨) .
(١٥) تفسير المنار (١١/١٥٥)، الوحي المحمدي: ص ٦٢.
(١٦) مجلة المنار (٣٤/١٠/٧٩٣) .
(١٧) مجلة المنار (١/٣٩/٧٧١)، (٣٢/١٠/٧٣٥)، (٦/١٣/٥٥٠٦) .
(١٨) فتح الباري لابن حجر (٧/١٩٧) .
(١٩) مجلة المنار (٣٠/٥/٣٦٣)، (٣٠/٤/٢٦٧-٢٦٨) .
(٢٠) تفسير ابن كثير (٤/٢٧٩) .
(٢١) فتح القدير (٥/١٢٠) .
(٢٢) تفسيرالمنار (٧/٥٢٦)، (٧/٣١٩) .
(٢٣) تراجع مجلة المنار (٣٢/١٠/٧٨٥)، (١٢/٩/٦٩٣)، (٣٢/١٠/٧٧٢)، (٦/١٣/٥٠٦)، (٣٤/١٠/٧٥٧) .
(٢٤) المنار (١٣/٨/٦١٣) .
(٢٥) المنار (٤/١٠/٣٧٩) .
(٢٦) (١/١/١٤) .
(٢٧) المنار (٢٧/١٠/٧٤٨)، (٢٦/٨/٦١٣) .
(٢٨) المنار (١/٢٨/٥٢٤)، (١/٣٧/٧٢٢)، (١/٤٨/٩٢٣) .
(٢٩) الفتاوى (٧٣١٤) .
(٣٠) لسان الميزان (٢/٢٩٣) .
(٣١) منهاج السنة (٥/٤٣٣) .
(٣٢) المنار (٢٨/١٠/٧٤٧) .
المجلد رقم (١)
شوال - ١٣١٥هـ
فبراير - ١٨٩٨م
Page inconnue
الكاتب: محمد رشيد رضا
مقدمة الطبعة الثانية للمجلد الأول من المنار
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المبدئ المعيد، الفعّال لما يريد، الذي جعل إرادة بعض عباده،
من أسباب إنفاذ مراده، فهم بقوة الإرادة يمتازون، وبحسن توجيهها للمرادات
يتفاضلون، فلولا الإرادة الإنسانية العجيبة لَمَا أشرقت شموس العلوم والعرفان،
ولولاها لما ظهرت ثمراتها العملية في الأكوان، والصلاة والسلام على أفضل
مريد ومراد، وأكمل مظهر للمشيئة الإلهية في العباد، سيد المصلحين، وخاتم النبيين
والمرسلين، المرسَل - وهو الأمي - ليعلم الأميين والمتعلمين، والمبعوث وهو
العربي إلى جميع العالمين، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وأصحابه
المتقين، ومَن تبعهم في هديهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد أنشأنا هذا (المنار) في العشر الأخير من شهر شوال سنة
١٣١٥ وبينا غرضنا منه في الصحيفة الأولى من صحفه، وهو مسائل كثيرة يجمعها
الإصلاح الديني والاجتماعي لأمتنا الإسلامية هي ومَن يعيش معها، وتتصل
مصالحه بمصالحها، وبيان اتفاق الإسلام مع العلم والعقل، وموافقته لمصالح البشر
في كل قطر وكل عصر، وإبطال ما يورد من الشبهات عليه، وتفنيد ما يعزى من
الخرافات إليه، وهو عمل قد ملأ في عالم الصحافة الشرقية فراغًا، وأشرع لطلاب
الارتقاء من الأمة منهاجا، كان (المنار) فيه - على رأيهم - سراجًا وهاجًا، ظهر
على شدة حاجة الأمة إليه، واستعداد هذا القطر لظهور مثله فيه، ولكنه على هذا
وذاك بدأ كالإسلام غريبًا، وممقوتًا من السواد الأعظم لا محبوبًا، يعشي نوره
خفافيش البدع والخرافات، الذين ألفوا تلك الظلمات، حتى قال لنا خاتمة شيوخنا
الأستاذ الإمام: (إن الحق يظهر في المنار عُريانًا في الغالب ليس عليه شيء من
الحُلي والحُلل التي تجذب إليه أنظار مَن لم يألفوا الحق لذاته)، وكتب إلينا أول
شيوخنا الشيخ حسين الجسر في ٢٨ ذي القعدة سنة ١٣١٥ ما نصه جوابًا عن كتاب:
(وصلني كتابكم الكريم بعد مضي أشهر من وصولكم لمصر معتذرًا عن
تأخره، فقبلت العذر ودعوت لكم بالتوفيق، وأعقب وصوله ظهور المنار ساطعًا
بأنوار غريبة مرغوبة، إلا أنها مؤلفة من أشعة قوية كادت تذهب بالأبصار) ...
إلى آخر ما كتبه، وفيه انتقاد لبعض المسائل أجبناه عنها، مبينين له ما عندنا من
الحجج عليها، وأنباء بمقاومة الحكومة العثمانية للمنار، وكان ذلك كما قال.
إنني لم أُنْشِئْ المنار ابتغاء ثروة أَتَأَثَّلها، ولا رتبة من أمير أو سلطان أتجمل
بها، ولا جاه عند العامة أو الخاصة أباهي به الأقران، وأباري به أعلياء الشان،
بل لأنه فرض من الفروض يرجى النفع من إقامته، وتأثم الأمة كلها بتركه، فلم
أكن أبالي بشيء إلا قول الحق والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، فكنت إن أصبت هذا بحسب علمي واجتهادي فسيان رضي الناس أم
سخطوا، مدحوا أم ذموا، قبلوا المنار أم رفضوا.
طبعت من الصحف الأولى ألفًا وخمس مائة نسخة من كل عدد، وأرسلت
أكثرها إلى من عرفت أسماءهم في البلاد المصرية والسورية، وكذا في غيرها من
البلاد (وهو الأقل)، فأعيد إليّ أكثر ما أرسلته إلى المصريين، وما نشبت الحكومة
الحميدة أن منعت ما يرسل إلى السوريين وسائر العثمانيين، ثم جعلت عدد المطبوع
ألف نسخة، ولكن مرت السنة وسنتان بعدها وما كاد المشتركون يزيدون على ثلث
الألف إلا قليلًا.
ما كان انتقاص عملي منتقصًا شيئًا من أملي، ولا زهد الأمة في المنار، باعثًا
على جعله طعامًا للنار، ولا لفائف لبضائع التجار، كما هي سنة أصحاب الصحف
في هذه الديار [١]، بل كنت أحرص عليه، حاسبًا أن الناس سيعودون إليه.
وكان يمدني في أملي هذا ما أسمعه من بعض أهل الرأي والعلم بشؤون
الاجتماع، من القول بأن هذا المنار حاجة من الحاجات الطبيعية للمسلمين في هذا
العصر، لا يستغني عنه بيت من البيوت، فإن لم يفقهوه هذا اليوم فسيفقهونه في
يوم ما، وقد اتفق رجلان من غير المسلمين في كلمة حددا بها الأجل لذلك اليوم
المجهول، أحدهما إنكليزي كان يقرأ له المنار محمود سامي باشا البارودي والآخر
سوري من قرائه، قالا كلمتهما التي تواردت عليها خواطرهما، ولا تعارف بينهما،
قالا: (إن المسلمين سيبحثون عن هذا المنار ويعنون بإعادة طبعه بعد خمسين سنة) .
وإن أدري أكانا يظنان حين قالا كلمتهما أن المسلمين لا يستيقظون لطلب هذا
الإصلاح إلا بعد خمسين سنة، أم كانا يعنيان أن المنار لا بد أن يكون قد بطل في
هذه المدة بموت صاحبه أو عجزه، فيبحث الناس عنه؛ لأنهم في الغالب لا يعرفون
قيمة الشيء إلا بفقده، ولا يعترفون بقدر العامل إلا من بعده.
لعل المسلمين خير مما ظنا فيهم، ولعل الأجل الذي ضرباه أقرب مما حدده
رأيهما، فها نحن أولاء قد أعدنا طبع مجموعة السنة الأولى، ويوشك أن نعيد طبع
الثانية والثالثة أيضًا فقد قلّت نسخهما وغلا ثمنهما.
كانت السنة الخامسة للمنار (سنة ١٣٢٠هـ) مبدأ رواجه وسعة
انتشاره، فمنذ ذلك العهد صار بعض طلاب الاشتراك يطلبون مجموعات السنين
الماضية، كما يطلبها بعض المشتركين السابقين رغبة في حفظ المنار من أوله،
وضنًّا به أن يضيع شيء منه، حتى إذا قلّت مجموعات السنة الأولى رفعت الإدارة
ثمنها حتى صارت تباع المجموعة الكاملة من تلك السنة بمائتي قرش، أي بأربعة
أضعاف ثمنها الأصلي، وبِيعت المجموعة الناقصة بضعة أعداد فأكثر إلى ١٢
و١٣ عددًا بمائة قرش، ولما لم يبقَ عندنا مجموعة معدة للبيع إلا وهي ناقصة أكثر
من ١٥ عددًا، وكثر الطلب واقترح علينا إعادة طبع السنة كلها، شرعنا في
طبعها في النصف الأول من سنة ١٣٢٥، وهي السنة العاشرة، وقد تم الطبع في
النصف الأول من هذه السنة وهي السنة الثانية عشرة.
كان المنار في السنة الأولى من عمره جريدة أسبوعية ذات ثمان صفحات
كبيرة، وكنا ننشر فيه برقيات الأسبوع وبعض الأخبار التي ليست كلها ذات فائدة
تحفظ وتدخر وإن لم تخلُ من فائدة في وقت نشرها لبعض القراء. وقد أعدنا طبعه
بشكل المجلة التي هي عليه منذ السنة الثانية، ولم نحذف منه إلا البرقيات وبعض
الأخبار التي لا فائدة في تدوينها وحفظها، وأما الأخبار التي فيها عبرة دائمة أو
فائدة تاريخية أو غير تاريخية فقد أبقيناها، وحذفنا منه أيضًا نبذ رسالة (قليل
من الحقائق عن تركيا) المترجمة عن الإنكليزية لقلة الثقة بأخبارها. وسندقق
النظر فيها، فإن وجدناها حَريَّة بالحفظ والتخليد أثبتنا ما حذفناه من السنة الأولى في
الطبعة الثانية للسنة الثانية متصلًا ببقيته فيها، وإلا حذفنا باقيها من طبعة السنة الثانية
أيضًا، ومع هذا جاء المجلد الأول في حجم المجلدات الأخيرة يناهز ألف
صفحة.
طبعنا أعداد السنة على ترتيب الأصل، فمن أراد أن يقرأ المقالات المتسلسلة
في موضوع واحد (كالمقالات التي عنوانها: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا
فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ﴾ (الأحزاب: ٦٧) متصلة، فالفهرس يجمع له متفرقها بسهولة.
وقد أشرنا إلى أوائل الأعداد في الهامش عند المقالات الافتتاحية وفي أعلى الصفحات
كما هو ظاهر.
المنار في سنته الأولى والمنار في سِنِيه الأخيرة شَرَعٌ، ولو جاز لي أن
أضرب له مثلًا شرودًا يُشعر بالمدح، لقلت: (والشمس رأد الضحى كالشمس في
الطفل)، نعم، لا فصل بين أوله وآخره في موضوعه وغايته ومسائله، ولكنا كنا
نكثر في السنة الأولى من الخطابيات، لتنبيه الأذهان وإعدادها لما هو آت، ونكتفي
في أكثر المسائل بالإجمال، لتتهيأ النفوس لطلب التفصيل، وقلما جرينا فيها على
شيء ثم تَبيَّنَ لنا خَطَؤُنا فيه إلا ما أشرنا إليه في هوامش هذه الطبعة وأكثره في
المسائل السياسية، المتعلقة بحال الدولة العلية، ومن البديهي أننا ازددنا علمًا وخُبْرًا
في جميع المسائل بطول البحث والتمحيص والوقوف على آراء الناس وأحوالهم.
قد اقتبسنا أسلوب الإجمال قبل التفصيل، وقرع الأذهان بالخطابيات الصادعة
من القرآن الحكيم، فإن أكثر السور المكية لا سيما المنزلة في أوائل البعثة - قوارع
تصخُّ الجنان، وتصدع الوجدان، وتفزع القلوب إلى استشعار الخوف، وتدعُّ
العقول إلى إطالة الفكر في الخطْبين: الغائب والعتيد، والخطرين: القريب والبعيد،
وهما: عذاب الدنيا بالإبادة والاستئصال، أو الفتح الذاهب بالاستقلال، وعذاب
الآخرة وهو أشد وأقوى، وأنكى وأخزى، بكل من هذا وذاك أنذرت السور المكية
أولئك المخاطَبين إذا أصروا على شركهم، ولم يرجعوا بدعوة الإسلام عن ضلالهم
وإفكهم، ويأخذوا بتلك الأصول المجملة، التي هي الحنيفية السمحة السهلة، وليست
بالشيء الذي ينكره العقل، أو يستثقله الطبع، وإنما ذلك تقليد الآباء والأجداد،
يصرف الناس عن سبيل الهدى والرشاد.
راجع تلك السور العزيزة لا سيما قصار المفصَّل منها ك؟ ﴿الْحَاقَّةُ *
مَا الْحَاقَّةُ﴾ (الحاقة: ١-٢)، و﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ (القارعة: ١-٢)،
و﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ (الواقعة: ١)، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (التكوير: ١)،
و﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ (الانفطار:١)، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ (الانشقاق: ١)
و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (الزلزلة: ١)، و﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (الذاريات: ١)، و﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ (المرسلات: ١)، و﴿وَالنَّازِعَاتِ
غَرْقًا﴾ (النازعات: ١) .
تلك السور التي كانت بنذرها، وفهم القوم لبلاغتها وعبرها، تفزعهم من
سماع القرآن، حتى يفروا من الداعي ﷺ من مكان إلى مكان
﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ (المدثر: ٥٠-٥١)، ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ
يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ﴾ (هود: ٥) ثم ارجع إلى السور المكية الطوال، فلا تجدها تخرج في
الأوامر والنواهي عن حد الإجمال، كقوله ﷿: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا
إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: ٢٣) ... إلى ٣٧ منها، وقوله بعد إباحة
الزينة وإنكار تحريمها وتحريم الطيبات من الرزق ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا
ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا
وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٣) .
تدبر هذا ثم أَجِلْ طرفك في فاتحة المنار الأولى، وفي أكثر المقالات
الافتتاحية [٢] تجدها زواجر منبّهة، وبينات في الإصلاح مجملة، ترشد المسلمين
إلى النظر في سوء حالهم، وتنذرهم الخطر المهدد لهم في استقبالهم، وتذكرهم بما
فقدوا من سيادة الدنيا وهداية الدين، وما أضاعوا من مجد آبائهم الأولين،
تزعجهم إلى استرداد ما فقدوا، وإيجاد ما لم يجدوا، بطريق الإجمال، في أكثر
الأقوال، وما جاء في سائر السنين فهو من قبيل التفصيل، أو إقامة البرهان
والدليل، على تلك الدعوة الإجمالية، والمقالات الافتتاحية، وترى بهذا كله اقتباس
المنار لهدي الكتاب العزيز واتباعه لسنته في الترتيب كاتباعه له في المسائل
والأحكام، والحمد لله على ذلك.
كان لتلك المقالات الخطابية الاجتماعية والفلسفية تأثير عظيم في نفوس
القارئين: فمن مبالغ في الاستحسان، كأن يطالب بعد الإقلال منها أن نعود إليها [٣]،
ومن مبالغ في الاستهجان يقول: قد بين عيوبنا وجهلنا للأجانب، ويكتبون
إلينا أن نترك مثلها [٤] ولكن لم يكن يسكت عن الجمهور غضبه علينا، ويقل خوضه
فينا، حتى رأينا كثيرًا من كُتاب المسلمين وخطبائهم قد تلوا تلونا، واحتذوا في
انتقاد حال المسلمين حذونا، حتى صار ذلك في الجرائد مألوفًا، وأصبح منكره عند
الأكثرين معروفًا، ولكن معظم كلامهم في الداء، من غير بيان للعلاج والدواء.
أما المنار فكان يصف العلاج لأمراض الأمة بالإجمال، ثم بالتفصيل
والاستدلال، والغرض من كل ذلك إعداد النفوس للعمل العظيم الذي نرجو أن يكون
قد قرب زمانه، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: ٤-٥) .
هذا ما أردت بيانه في مقدمة الطبعة الثانية للسنة الأولى. والله الموفق وبه
المستعان. وكُتب في رمضان سنة ١٣٢٧.
... ... ... ... ... ... ... ... ... مُنْشِئ المنار
... ... ... ... ... ... ... ... محمد رشيد رضا الحسيني
(١) يبيع أصحاب الصحف ما زاد عن حاجة المشتركين والمبتاعين من صحفهم إلى التجار وأصحاب الأفران! .
(٢) راجع مقالات القول الفصل ص ٣١ وصيحة حق ص ٢١٧ والمدارس الوطنية ٢٥٦ وإلى أي تربية وتعليم نحن أحوج ٢٧٨، والجيوش الغربية المعنوية في الفتوحات الشرقية ٢٩٩، والعلم والحرب ٣٤١، والسلطتان الروحية والسياسية ٤٠٤، والمقالات المفتتحة بالآيات في ص ٥٨٥ و٦٠٦ وما يتبعها، ومقالات الإصلاح الديني والسياسي، وغير ذلك إلخ.
(٣) من أعظم هؤلاء قدرًا: السيد مهدي خان محسن الملك نواب بهادر وناظم مدرسة العلوم في عليكده بالهند ﵀ .
(٤) من أشهر هؤلاء الشيخ أبو الهدى الصيادي والشيخ حسين الجسر ﵀ .
1 / 1
الكاتب: محمد رشيد رضا
فاتحة السنة الأولى للمنار
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
وإليه أنيب.
أما بعد: فهذا صوت صارخ بلسان عربي مبين، ونداء حق يقرع مع سمع
الناطق بالضاد مسامع جميع الشرقيين، ينادي من مكان قريب يسمعه الشرقي
والغربي، ويطير به البخار فيتناوله التركي والفارسي.
يقول: أيها الشرقي المستغرق في منامه، المبتهج بلذيذ أحلامه، حسبك
حسبك! فقد تجاوزت بنومك حد الراحة، وكاد يكون إغماءً أو موتًا زؤامًا، تنبه من
رقادك، وامسح النوم عن عينيك، وانظر إلى هذا العالم الجديد، فقد بُدِّلت الأرض
غير الأرض، ودخل الإنسان في طور آخر خضع له به العالم الكبير.
فهذه الجمادات تتكلم بغير لسان، وتكتب من غير قلم ولا بنان، والوحوش
حُشرت مع الأنعام، والمراكب تجوب السهوب والفيافي وتفترع الأعلام، بل طارت
في الهواء تسابق الرياح، وتساهم ذوات الجناح، واستولى أخوك المستيقظ على
قوى الطبيعة، فقرن بين الماء والنار، وولدهما البخار، واستخدم الكهرباء والنور
فاخترق بذلك الجبال، واختبر أعماق البحار، وعرف مساحة الهواء، ونفذت أشعة
بصره الكثائف، ووصلت أمواج صوته إلى كل مكان سحيق، فقرب أبعاد الأرض
وجمع بين أقطارها، بل عرج بهمته للقبة الفلكية فعرف الكواكب ومدارها، ومادتها
ومقدارها.
حسبك حسبك! هُب من سباتك واستيقظ من هجوعك، فقد ولت حنادس
الجهالة، وأشرقت شمس المعرفة، انظر وتأمل ماذا يفعل أخوك المستيقظ يدكّ
الحصون والصياصي، ويقوض المعاقل والهياكل، وهو متكئ على أريكته ينظر
إليها بالآلة المقربة للبعيد، ويقيم الحصون والأسوار، ويشيد البوارج والأبراج،
ولا يتعب له عضل، ولا يندى له جبين، ولا يحتاج في أمثال هذه الأعمال العظيمة
إلا إلى إشارة لطيفة، وحركة خفيفة، فالطبيعة تخضع لإشارته، وتسير طوع يمينه،
فيتم له كل ما يريد. لا يهولنَّك ما تسمع، ولا يروعنك ما ترى، واعلم أن هذا
العصر عصر العلم والعمل، فمن علم وعمل ساد، ومن جهل وكسل باد، ﴿مَا
أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: ٢٩) .
كانت العلوم الطبيعية على عهد أسلافك أفكارًا متضاربة، وآراءً متناقضة،
وأقوالًا متعارضة، لم تأتِ عن امتحان وعمل، ولم يكد يُبْنَى عليها عمل؛ ولذلك
كثر ذامّوها، وقلّ مادحوها، وأما في هذا العصر فليس العلم إلا ما أثبته العمل، أو
بُني عليه عمل، فما لم يحتف به العمل من قطريه، لا يعول عليه، فالأعمال
تنمي العلوم، والعلوم تمد الأعمال، وشاهد ذلك عندك الحديث الشريف: (مَن عمل
بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم) قاعدة وُضعت في الشرق، واهتدى للانتفاع
بعمومها أهل الغرب، والذين صدرت بلُغتهم لاهون غافلون. فلا تضيع أوقاتك
بالتخيل والتفكر، ولا تجعل حظك من حياتك الأماني والتشهي، ولا تدع للأوهام في
ذهنك مجالًا واسعًا ومكانًا فسيحًا ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (النساء: ١٢٣)، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ
لِّلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦) .
فعليك بالعلم والعمل رُضْ بهما نفسك، ورَبِّ عليهما ولدك، فلقد حَلَّ من
لساني عقدة الاعتقال والسكوت، وأطلق قلمي من عقال الدعة والسكون، استغراقُ
بعض إخوتي وإخوتك في النوم، وغرق بعضهم في بحار الوهم، وجهل المريض
منهم بدائه، ويأس العالم بمرضه من شفائه، فأنشأت هذه الجريدة إجابة لرغبة مَن
تنبهت نفوسهم لإصلاح الخلل، ومشايعة للساعين في مداواة العلل، الذين أرشدتهم
التعاليم الدينية، وهداهم النظر في الآيات الكونية، إلى أن اليأس من روح الله،
والقنوط من رحمته جل علاه - هو عين الكفر والضلال، وآية الخزي والنكال،
فأحبوا أن يعملوا لأمتهم، ويقوموا بخدمة لملتهم، فالجريدة تكون وصلة بينهم وبين
الأمة، تبعث بإرشادهم روح الهمة في أفرادها، وتحيي ميت الغيرة من نفوس
آحادها. وتجاري الحُدَاة لدى السير في مناهج الترقي، وتنتصب (منارًا) في
أخرات الشبهات، ومجاهيل المشكلات.
وغرضها الأول الحث على تربية البنات والبنين، لا الحط في الأمراء
والسلاطين، والترغيب في تحصيل العلوم والفنون، لا الاعتراض على القضاة
والقانون، وإصلاح كتب العلم وطريقة التعليم، والتنشيط على مجاراة الأمم المتمدنة
في الأعمال النافعة، وطروق أبواب الكسب والاقتصاد، وشرح الدخائل التي
مازجت عقائد الأمة، والأخلاق الرديئة التي أفسدت الكثير من عوائدها، والتعاليم
الخادعة التي لبست الغي بالرشاد، والتأويلات الباطلة التي شبهت الحق بالباطل،
حتى صار الجبر توحيدًا، وإنكار الأسباب إيمانًا، وترك الأعمال المفيدة توكلًا،
ومعرفة الحقائق كفرًا وإلحادًا، وإيذاء المخالف في المذهب دينًا، والجهل بالفنون
والتسليم بالخرافات صلاحًا، واختبال العقل وسفاهة الرأي ولاية وعرفانًا، والذلة
والمهانة تواضعًا، والخنوع للذل والاستبسال للضيم رضًا وتسليمًا، والتقليد الأعمى
لكل متقدم علمًا وإيقانًا.
تُشَخِّص هذه الأمراض الروحية وأشباهها، وتوضح عللها وتصف علاجها،
وتجتهد في تأليف القلوب المتنافرة، ووصل العلائق المتقطِّعة، وجمع الكلمة
المتفرقة ما استطاعت، وتحاول إقناع أرباب النحل المتباينة، والمذاهب المختلفة -
أن الله تعالى شرع الدين للتحابّ والتوادّ، والبر والإحسان، وأن المعارضة
والمناهضة، والمناصبة والمواثبة - تُفضي إلى خراب الأوطان، وتقضي على
هدي الأديان. وتحث على التمسك بالدين، وتبين أنه أساس السعادة وأن الكفر فساد
العمران، وتدرأ الشبه الواردة على الشريعة الإسلامية، وتدحض مزاعم مَن قال:
إنها حجاب كثيف، وسد حائل بين الآخذين بها وبين المدنية الصحيحة، لجهلهم بما
انطوت عليه من الحكم الرائعة، والأحكام العادلة، وترشد العاملين إلى أن محاولة
الطفور غرور، وأن طلب الغاية في البداية جهل وحرمان، وأن مراعاة السنن
الإلهية، ومسايرة النواميس الطبيعية - كافية بتوفيق الله تعالى لبلوغ كل مقصد،
ونيل كل مرام، وتنبه العثمانيين على أن الشركات المالية هي مصدر العمران،
وينبوع العرفان، وأن عليها مدار تقدم أوربا في الفنون والصنائع، لا على الملوك
والأمراء، فهي التي تنشئ المكاتب والمدارس، وتشيد المعامل والمصانع، وتسيّر
المراكب والبواخر، ونموذج ذلك بين أيديهم، وتحت مواقع أبصارهم، وتنشر
محاسن اللغة العربية بالتحلي بفرائدها واقتناص أوابدها، وتقييد شواردها، على
سبيل التدرج في الاستعمال. ولا تأتلي أن تذكر ما تفيد معرفته من أخبار السياسة
الخارجية، وتثبت ما يهم بيانه من الحوادث المحلية، مع انتقاء الصادق والاعتدال،
لا تميل مع ريح حزب من الأحزاب، ولا تتطرف لجانب تفريط أو إفراط،
بحسب ما يصل إليه الاجتهاد. لكنها عثمانية المشرب، حميدية اللهجة، تحامي عن
الدولة العلية بحق، وتخدم مولانا السلطان الأعظم بصدق، وتتحامى المطاعن
الشخصية، والأماديح الشعرية، لكنها لا تني في تقريظ الأعمال العامة الموضوع،
وتقريض الكتب المؤلفة لإفادة الجمهور بالقول الصحيح، والانتقاد الرجيح، وتقبل
الانتقاد الأدبي من كل أحد، وتقابل عليه بالثناء والشكر، وتذعن للحق كيفما طلع
بدره، ومن أين انبلج فجره، وتتلقف الحكمة من حيث أتت، وتأخذها أينما وجدت.
هذا ما توجهت إليه النفس واعتزمت عليه بعد تصحيح النية وإخلاص القلب،
ولا أجهل أنني حاولت أمرًا جليلًا، وحملت نفسي عبأ ثقيلًا، ينوء بالعصبة أولي القوة
ويعوز إلى تأليف لجنة أو عقد جمعية، لكنني مع ذلك أعلم أن للحق أنصارًا،
وللصالحات أعضادًا تستمد الجريدة من بحار أفكارهم، وتغتذي بالكلم الطيب من
مجاني عرفانهم، وتستقي مداد الحكمة من أنابيب أقلامهم، ومن جراء هذا أو ذاك
مر عليَّ حين من الدهر بعد تصور الموضوع والعزم على الشروع، وأنا بين إقدام
وإحجام، ويأس ورجاء يحركني الباعثان، ويتنازعني العاملان حتى أعملت الأمل،
ورجحت الإقدام على العمل وما أجدرني بموقف الحيرة بين بين، وقد أنذرني بعض
عظماء هذا القطر، بما صدقه به الابتلاء والخبر، من أن الجد مرغوب عنه، لا
مرغوب فيه، وأن السواد الأعظم من الأمة قد ثار حابلهم على نابلهم، وهضم
مفضولهم حقوق فاضلهم، فأصبحوا ومطامح أنظارهم انتقاد الحكومة المحلية،
ومطارح أفكارهم العداوات الشخصية، ولا يديرون ألحاظهم، أو يعيرون التفاتهم لما
وراء الغميزة والإزراء، إلا ما كان من نكتة هزلية، أو رواية غرامية، فإذا رأوا
جريدة تفند أكثر أقوالهم، وتنعي على إسرافهم في أمرهم، وتسجل عليهم التقصير
في العمل المفيد عمارة بلادهم، بل التشمير للعمل على خراب أوطانهم، أو تسليمها
لأيدي الأغيار، من المهطعين للاستعمار، يوشك أن يلفظوها لفظ النوى، ويضربوا
بها عرض الحائط، لكنني وطنت النفس على الاقتناع بمؤازرة الكرام، ومعاضدة
الأخيار، نعم إن الكرام قليل، ورجاؤنا أن يكونوا آخذين في النمو لما تقتضيه حالة
العصر ويزعج الأمة إليه موقفها الحرج، وبالله المستعان وعليه التكلان، ﴿وَمَن
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: ٣) .
1 / 9
الكاتب: محمد رشيد رضا
اصطلاحات كُتَّاب العصر
من القضايا المُسلَّمة أنه لا مشاحة في الاصطلاح، ولا مندوحة عن مراعاة ما
يتواطؤ عليه الجمهور، ومجاراة الناس على ما يصطلحون عليه في كل زمان
ومكان. وقد انطلقت ألسنة أهل هذا العصر، وجرت أقلامهم بألفاظ يريدون بها من
المعاني غير ما تدل عليه في أصل اللغة أو في عرف العصور السالفة، ولهم ألفاظ
أخرى جاءتهم من الفنون الحادثة والاكتشافات الجديدة، والكثير منها مما لم تستعمله
العرب، فرأينا أن نشرح في صحيفتنا هذه الألفاظ حينًا بعد حين؛ لأن الكثير من
القراء غير عارفين بها على الوجه الذي نستعمله، وبالمعنى الذي يفهمه العارفون،
وقد مر منها في فاتحة هذا العدد لفظ الطبيعة، والطبيعي، والنواميس الطبيعية،
وقوى الطبيعة، والكفر.
أما لفظ (الطبيعة): فقد كان فيما مضى مما لا يكاد يستعمله إلا الأطباء
والصوفية والفلاسفة، وأكثر من كان يستعمله الأطباء، ويطلق لفظ الطبيعة عندهم
على عدة معان: على الهيئة التركيبية، وعلى المزاج الخاص بالبدن، وعلى القوة
المدبرة، وعلى حركة النفس، وربما أطلقت (الطبيعة) على النفس الناطقة باعتبار
تدبيرها للبدن. والطبائع الأربع في عرف الأطباء والطبيعيين: الحرارة والبرودة
والرطوبة واليبوسة، وكان يطلق لقب الطبيعي على فرقة تعبد الطبائع الأربع،
وعلى من ينسب كل شيء للطبيعة، كما يطلق على صاحب العلم الطبيعي. وقد
عرف السيد الجرجاني (قدس سره) (الطبيعة): بالقوة السارية في الأجسام، بها
يصل الجسم إلى كماله الطبيعي، وكان الصوفية يستعملونه في غير هذا المعنى
أيضًا، وليس بين يدي الآن شيء من كتبهم أراجعه في ذلك.
وأما لفظ (الطبيعة) اليوم فهو كثير الدوران على ألسنة جميع الكُتّاب في
الفنون العلمية والأدبية حتى الشعراء والمترسلين، ويجرونه على معناه اللغوي وهو:
المخلوقات أو الحالة التي هي عليها.
وبيان ذلك أن (الطبيعة) في اللغة بمعنى: الخلقة والخليقة والفطرة، فخلق
الله الأشياء وفطرها وطبعها بمعنى واحد، وإذا قلنا: إن هذا الشيء تقتضيه طبيعة
الاجتماع الإنساني، فهو كما إذا قلنا: تقتضيه فطرة الله التي فطر الناس عليها بلا
فرق، وحاصل القول: أن لفظ (الطبيعة) حيث أطلق فالمراد به الحالة التي طبع
الله الموجودات عليها أي خلقهم، وتطلق على الموجودات أنفسها، فيقال: تأمل
محاسن الطبيعة أي المخلوقات.
وأما (الطبيعي) فهو: المنسوب للطبيعة، كالخلقي نسبة للخلقة، ويستعمل
في مقابلة الصناعي، فيراد به ما لا صنع للبشر فيه أي في هيئته التركيبية،
كالأشجار والبحار، ويطلق على العالم بالفنون الطبيعية، وإن كان متدينًا، ولا
يطلق على الملحد من حيث إنه ملحد، وإن نسب الأشياء للطبيعة واعتقد أنها مُوجِدَة
لها ومؤثرة فيها من دون الله تعالى، بل يطلقون على من هذا شأنه لفظ: (الكافر)
و(الدهري) و(المادي) (لأنه ينكر ما وراء المادة، فلا يعتقد بالإله ولا بالعالم
الآخر) وفي بلاد الهند يطلقون عليه لقب: (نيشري)، وأكثر عامة بلادنا لا
يفهمون من لفظ الطبيعي إذا أطلق على إنسان إلا هذا المعنى الأخير، وهو الذي
حملنا على هذا البيان لئلا يحملوا كلامنا على ما يفهمون.
ويدور هذا اللفظ على الألسنة كثيرًا في المحاورات المتعلقة بسائر الشؤون،
ويراد به مجرد التأكيد والتحقيق أو أن هذا الشيء ظاهر بالبداهة، تراهم عند سماع
شيء من المسلمات يقولون: هذا طبيعي، يعنون أنه بديهي أو محقق لا نزاع فيه،
وأما العلماء والكتاب فيعنون بقولهم: (هذا شيء طبيعي): أن له سببًا طبيعيًّا يعلل
به.
وأما (النواميس الطبيعية): فالمراد من الناموس: الطريقة الثابتة المطردة
التي يحكم الله تعالى بها على الكون، وهو محرف عن لفظ: (نومس) اليوناني،
ومعناه: الشريعة، وكثيرًا ما يدور على ألسنة الطبيعيين (شريعة الطبيعة)
و(الشرائع الطبيعية)، ويستعمله كتاب العربية في المقالات الأدبية والسياسية،
مجاراة لهم وعملًا باصطلاحهم، وكان الأولى أن يترجم لفظ: (نومس) بالسنة،
فيقال: (سنة الطبيعة) و(السنن الطبيعية)، وبعض الكتاب يستعمل هذا الحرف
وستراه كثيرًا في هذه الجريدة، وقد نعتاض عنه أحيانًا بقولنا: (سنة الكون)
و(السنن الإلهية) و(سنة الله في خلقه) .
وأما القوى الطبيعية فهي عبارة عما تسند إليه الآثار الطارئة على الأجسام من
حركة أو سكون، ومنها ما هو حقيقي كالقوة البخارية والكهربائية، وما هو فرض
كالجاذبية، فإن تعليل سقوط نحو الحجر من الهواء على الأرض بأنه سقط بقوة
الجاذبية التي في مركز الأرض يوهم أن هناك شيئًا موجودًا له هذا الفعل وأنهم
اطلعوا عليه وسموه بهذا الاسم، وليس كذلك، بل إن هذه القوة مفروضة، والتسمية
اصطلاحية، ولما كان الفعل الذي نُسِبَ إليها يَصْدُر عنها باطراد صح إطلاق لفظ
(الناموس) عليها فقالوا: (ناموس جاذبية الثقل)، ومثل هذا كثير، وقد أطلنا في
البيان حتى كدنا نخرج عن المقصود.
وأما لفظ (الكفر): فيطلق في عرف الكتاب اليوم على الملاحدة كما ألمعنا
إليه في عرض كلامنا آنفًا، فمهما أطلقنا لقب (الكافر) أو اسم الكفر في كلامنا
فنريد به ما ذكرنا، ولا نطلقه على المخالفين لنا في الدين من أصحاب الملل
الأخرى؛ لأنهم ليسوا كفارًا بهذا المعنى، بل نقول بعدم جواز إطلاقه عليهم شرعًا؛
لأنه صار في هذه الأيام من أقبح الشتائم وأجرح سهام الامتهان، وذلك مما تحظره
علينا الشريعة باتفاق علماء الإسلام، ولا يصدنك عن قبول هذا القول إطلاق ما ذكر
في العصر الأول للملة على كل مخالف؛ فإنه لم يكن في زمن التشريع يرمى به لهذا
الغرض، بل كان من ألطف الألفاظ التي تدل على المخالف من غير ملاحظة غميزة
ولا إزراء، فضلًا عن إرادة الشتم والإيذاء المخالفة لمقاصد الدين وآدابه.
ذلك أن معنى (الكفر) في أصل اللغة: الستر والتغطية، وكانوا يسمون الليل
كافرًا؛ لأنه يغطي بظلامه الأشياء، وأطلقوا لفظ (الكافر) على طلع النخل،
وأكمام النور (الزهر) لما ذكر، وعلى البحر؛ لأن الشمس تغيب فيه بحسب
الظاهر، وعلى ثوب كانوا يلبسونه فوق الدرع يقولون له: (كافر الدروع)، وقد
سمى القرآن العظيم الزراع كفارًا، كما هو المشهور في تفسير قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ
غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ (الحديد: ٢٠) وأمثال هذا في اللغة كثيرة، ويظهر
منها أن حقيقة الكفر تغطية المحسوس بالمحسوس، ثم أطلق على من لم يذعن للدين
ومن لم يشكر النعمة تجوزًا، وكل ما نقل من العبارات المستعملة من هذه المادة
يومئ إلى ما ذكرنا (راجع الأساس وغيره) .
وحيث قد اختلفت الحال وتغير الاستعمال فلا ينبغي إطلاق اسم الكفر على
صاحب دين يؤمن بالله (ولا نغير كتب الفقه أو نعترض عليها) .
ورُبَّ متحمس يرميني بالافتئات على الفقهاء أو مصانعة النصارى أو الميل
مع ريح السياسة عن جادة الشرع، فأقول: على رسلك أيها المتحمس؛ فإن أذية
الأجنبي المعاهد على ترك الحرب محرمة، فما بالك بالوطني (أي من المخالفين لنا
في الدين)، وإن كان لا يقنعك إلا النص الصريح من كتب الفقه على هذه المسألة
بخصوصها فإليك هذين النصين؛ أحدهما عام، والآخر خاص بلفظ الكفر.
جاء في (معين الأحكام) ما نصه: (إذا شتم الذمي يعزر؛ لأنه ارتكب
معصية، وفيه نقلًا عن الغنية ولو قال للذمي: يا كافر يأثم إن شق عليه) اهـ.
ولعل وجدانك لا يسمح لك بأن تقول الآن: إنه لا يشق عليه، وهو سب
صريح، وإذا ثبت أنه لا يجوز نداؤه بهذا اللقب في وجهه؛ لأنه يستاء منه فلا شك
أن إطلاقه عليه في غيبته غير جائز أيضًا؛ لأن غيبته محرمة، فينتج أن ذلك إثم
في كل حال، وسنفرد لهذه المباحث مقالات في الأعداد التالية إن شاء الله تعالى.
«يتبع بمقال تالٍ»
1 / 14
الكاتب: محمد رشيد رضا
مشروع مفيد
سكة حديد بين بورسعيد والبصرة
افتتحت جريدة المؤيد الغراء عددها (٢٤٢١) الصادر يوم الأحد الماضي
برسالة وردت عليها من محرر جريدة (وكيل) في بنجاب من العمالات الهندية،
ونشرتها تحت هذا العنوان.
فرأينا أن نلخص منها ما يلي:
قال الفاضل الهندي: (ربما لا يخفاكم أن شركة إنكليزية تبذل جهدها وتعمل
بكل همة سعيًا للحصول على امتياز من الباب العالي بإنشاء خط حديدي من
بورسعيد إلى البصرة أو الكويت عن طريق الجوف) .
وفي شهر ديسمبر أشار كاتب في جريدة (وكيل) إلى مشروع جليل وهو أن تشكل لجنة تحت حماية جلالة مولانا السلطان الأعظم لفتح اكتتاب من المسلمين في جميع العالم لدفع غرامة الحرب الأخيرة إلى روسيا دفعة واحدة، فتخلص بذلك
الدولة العلية من تداخلها في أحوالها، أما أنا فلم أوافق على هذا الرأي؛ لأنه لا يمكن
لروسيا أن تطلب أكثر من ٣٢٠٠٠٠ جنيه في السنة لمدة مائة عام، ولو فرضنا
أن اللجنة المذكورة تنجح في عملها وتجمع المبالغ اللازمة لدفع الغرامة الروسية مرة
واحدة للزمنا أن ندفع لها مبلغًا إيراده السنوي ١٢٠٠٠٠ جنيه دائمًا، مع أنه لا يمكن
لروسيا أن تطلب سوى المبلغ المذكور قبل لمدة مائة سنة.
ولكنني بينما كنت أناقش ذلك الكاتب في اقتراحه إذ لاح لي مشروع، وقد
كلفت به. ذلك أن تؤلف لجنة عالية تحت رعاية ومراقبة جلالة الخليفة الأعظم
لإنشاء سكة حديدية من البصرة، ومنها عن طريق الموصل إلى حلب فالإسكندرونة
ثم ينشأ خط من حلب إلى الشام فالحجاز فاليمن.
وحيث إن نفوذ جلالة الخليفة المعنوي يزداد انتشارًا شيئًا فشيئًا في جميع
أرجاء العالم الإسلامي، فلا شك أن كل مسلم عاقل ينضم إلى هذا المشروع ويساعد
في نجاحه، وفضلًا عن استعمال اللجنة لهذا النفوذ بقدر ما يصل إليه صوتها فإنه
يلزمها أن تعلن وترسل مندوبين لها إلى جميع الجهات التي يقطنها مسلمون كمصر
ومراكش وتونس والجزائر وسكوتو والهند وإيران والصين وتركستان وسومتره
وجاوه وغيرها.
فإذا نجحنا في عمل مهم كهذا كان أفضل واسطة لاتحاد جميع مسلمي العالم
البشري المنتشرين في الأرض، بل كان واسطة لجمع مبالغ كثيرة لعمل مفيد.
وإن ألوفًا من شبابنا - الذين هم الآن بلا شغل وعمل - يتمكنون بهذا المشروع من
الاشتغال بمعاشهم بافتتاح ممالك فسيحة للتجارة والزراعة والاستعمار. وتكون
مواصلاتنا مع الحجاز تامة وبغاية السهولة، فضلًا عن المنافع السياسية والحربية
والتجارية التي تحصل للباب العالي من تنفيذ هذا المشروع الجليل.
ولقد سردت أبواب هذه الفوائد المهمة في مقالة نشرتها في جريدة (وكيل)
بتاريخ ٢٧ ديسمبر سنة ١٨٩٧ ص ٥٤ وأشرت على المقالة بالحبر الأحمر في
جميع النسخ التي أرسلت إلى الجرائد المصرية والتركية، مؤملًا أن تفصح هاته
الجرائد عن أفكارها في هذا الشأن، وأنها إن استحسنت اقتراحي عضدتني فيه بما
تستطيعه، وطلبت أيضًا من قنصل الدولة العلية تعضيدي فيه.
ولكني أتأسف من أن ما كتبته ذهب كالنقش على الماء، فلم يلتفت إليه أحد. أليس من العار على المصريين والعثمانيين وسائر المسلمين أن يروا الأمم الأخرى تسعى في الحصول على امتيازات في أرجاء آسيا وأفريقيا، بل في تركيا نفسها،ونحن معاشر المسلمين في الأرض ننظر إليها نظر المتفرج بدون عمل ولا حركة،
كأنه لا يهمنا قط أن نكون في غبطة عيش ونعيم، وكأنه لا يهمنا أن تكون أمتنا
سعيدة بتدبير أحوال ممالكها الفسيحة وترقيتها.
وفي ٢١ فبراير كتبت مقالة في هذا الشأن ونشرتها في (الوكيل) اهـ، ثم
ذكر أنه دائب على تشويق أهل وطنه إلى هذا العمل العظيم، ورغب إلى صاحب
(المؤيد) أن يشوق المسلمين إلى ذلك في جريدته الشهيرة، وقد أجاب المؤيد دعاءه
ولبى نداءه، فذيل الرسالة بنبذة تنشيط ملخصها: أن ما يقترحه الكاتب أعظم
مشروع ينعش الحياة ويجدد السعادة للدولة، بل للملة الإسلامية.
وإن المسلمين إذا لم يبادروا لمثل هذا العمل فلا يبعد أن يأتي يوم يعجزون فيه
عن الإتيان بأي عمل.
فحبَّذا لو أن جلالة مولانا الخليفة الأعظم الذي اشتهر في العالم كله بحب جمع
شتات الإسلام حول عرشه استلم زمام هذا العمل العظيم بنفسه وأنفذه، ليكون الفاتح
والمجدد لعصر حضارة الإسلام على ما تقتضي ظروف الأيام اهـ.
(المنار)
لخصنا هذه المقالة لأمور منها بيان تعلق المسلمين بمولانا أمير المؤمنين -
أيده الله تعالى - في أقطار الهند، وآمالهم العظيمة في أن تقدم الأمة كلها منوط
بحكمته المشهورة ومساعيه المشكورة وخضوعهم لسلطته الروحية وسيادته الدينية.
ومنها: أن المشروع من الأعمال التي لا تقوم إلا بالشركات المالية، والحث
على الشركات المالية لأي عمل كان هو من أفضل الأعمال التي أنشئت الجريدة
لأجلها.
وأما هذا المشروع بخصوصه فلا ننكر عظيم فائدته لكننا نفوض النظر فيه
لحكمة سيدنا ومولانا السلطان الأعظم (أيده الله تعالى)، ولوزرائه الصادقين، فإن
لهم من المعرفة بمنافع الأمة ووسائل تقدمها ما ليس لنا، ورأينا أن سبب التقدم الذي
يجمع كل الأسباب وترجع إليه جميع الوسائل هو تعميم التربية والتعليم في جميع
عناصر الأمة على طريقة واحدة، ولا يمكن الوصول إلى هذه الغاية إلا بشركات
مالية تنشئ المدارس الوطنية وتختار لها المعلمين المهذبين وسنواظب على الحث
على هذا المشروع ونبين مزاياه فيما يأتي من الأعداد.
وإننا نفتخر بما لمولانا أمير المؤمنين من العناية بأمر المكاتب والمدارس حتى
أنه أنشأ من جيبه الخاص الكثير منها.
ولا ننكر ما لسمو عزيز مصر (عباس الثاني) من الاهتمام بأمر العلم،
والأزهر الشريف شاهد عدل، ورجاؤنا بأغنياء المصريين وسائر العثمانيين الاقتداء
بسلطانهم الأعظم وخديويهم المعظم في هذا الأمر الذي هو كل أمر والله الموفق.
«يتبع بمقال تالٍ»
1 / 19
الكاتب: محمد رشيد رضا
مجمل الأحوال السياسية
لم نَرَ عامًا كثرت مشاكله السياسية كهذا العام. فإنا نرى خلل الرماد وميض
نار ويوشك أن يكون لها ضرام، في الشرق والغرب، في العالم القديم
والعالم الجديد.
ففي مياه الصين تتجمع الأساطيل الأوربية، وتتكاثف تكاثف الغيوم قبل نزول الصواعق. وفي إفريقيا تزحف الجنود وتتسابق الحملات إلى أعالي النيل، تسابق
خيل الطراد، وفي الهند قد سُقِيَتْ الأرض بدم الإنسان وسمدتها فضلات النسور
والعقبان من جثث القتلى، فأخرجت في هذا الربيع نبتًا خصيبًا، وفي كوبا وراء
الأوقيانوس العظيم قد صارت الحرب بين الأسبان والأميركان قاب قوسين أو أدنى،
وفي كريت لا يزال السيف مصلتًا والإخوة العثمانيون يفني بعضهم بعضًا، وفي
النمسا استفحل الخلاف بين العناصر المختلفة، فصار البعض يتوقعون انتشار عقد
الوفاق وسقوط تلك المملكة العظيمة، وفي إيطاليا وفينسيا ساد الجوع إثر غلاء
الخبز وقلة الأعمال، فثار الشعب ينهب الأفران مقتحمًا حراب البوليس، وهجمت
النساء صارخات طالبات لهن ولأولادهن خبزًا، أما في فرنسا فقد مرت الزوبعة
السياسية مرور الزوابع الطبيعية على أعشاب الأرض تعبث بها ولا تجر ضررًا.
ويطول بنا المقال إن رمنا تفصيل تلك الحوادث السياسية الخطيرة. على أنه
لا بد من الإلماع إليها إلماعًا، يطلع قراء المنار على إجمال تفاصيلها الماضية،
ويكون توطئة للحوادث الآتية.
***
المسألة الصينية
قتل بعض أشقياء الصينيين بعض مراسلي الكاثوليك الألمان في البلاد
الصينية، فاتخذت ذلك ألمانيا وسيلة إلى احتلال ثغر من أهم الثغور الصينية يدعى
كياوتشو، أنفذت إليه أسطولها في الشرق الأقصى فاحتله بلا حرب ولا نزاع؛ لأن
الحامية الصينية غادرته حين علمت بقصد الجنود الألمانية. ثم احتل الأسطول
الروسي بورت آرثر مقابل احتلال الألمان لكياوتشو، فأرغت اليابان وأزبدت،
وقامت إنكلترا وقعدت، وأنفذت الدول بوارجها إلى مياه الصين تباعًا، حتى حسب
الناس أن الحرب صارت أقرب من حبل الوريد وظنوا أنه قد حان تقسيم تلك
المملكة الواسعة.
ثم بان أن الدول لا تنوي التقسيم، لما يحول دون ذلك من الموانع السياسية،
وطلبت الصين قرضًا، فتنازع روسيا وإنكلترا عقد هذا القرض، واشترطت إنكلترا
على الصين شروطًا أهمها: فتح تاليان وان، فأثار ذلك تأثر روسيا، وآذنت الصين
بأنها إن هي فتحت (تاليان وان) أساءت الروسية معاملتها، فتنازع الصين عاملان
قويان، فباتت لا تعلم أيهما تعمل، حتى جاء يوم قيل فيه: إن إنكلترا أرجأت
البحث في فتح (تاليان وان) إلى فرصة أخرى. وقد وافت الرسائل البرقية في
الأسبوع الماضي تقول: إن الصين إجابة لطلب اليابان سألت روسيا عما إذا كان
ينسحب أسطولها من بورت آرثر في فصل الربيع، فأجابت روسيا: إن في
احتلالها بورت آرثر مصلحة للصين وكوريا معًا. ثم جاء أن روسيا تلح على
الصين بأن تؤجر هاربورت آرثر وتاليان وان إلى ٩٩ سنة، كما أجرت ألمانيا ثغر
كياوتشو وأنظرتها خمسة أيام، فإذا انقضت ولم تجبها الصين إلى طلبها عملت
روسيا في الصين عملًا عسكريًّا. فقامت التيمس بعد هذا الإنذار تقول: إن إنكلترا
منذ حرب القريم لم تكن يومًا أفرغ صبرًا مما هي الآن، وخطب ناظر البحرية في
مجلس العموم عند عرضه ميزانية البحرية فقال: إن الأسطول في غاية الاستعداد
فإن بقيت السلم كانت سلمًا شريفة، وإن نشبت الحرب (لا قدر الله) خرج
الأسطول ظافرًا. أما ناظر الخارجية الإنكليزية فقد صرح أنه لا يرى دليلًا على ما
قيل من أن روسيا قدمت للصين إنذارًا. والله أعلم بمصير المسألة الصينية.
***
المسائل الإفريقية
قلنا: (المسائل الإفريقية) لا المسألة؛ لأن المشاكل في إفريقيا متعددة. أولها
حملة مصر على الدراويش. ثم الحملة الفرنساوية في النيل الأعلى. ثم ثورة أوغندا
ثم مسألة النيجر بين الفرنساويين والإنكليز. ثم مسألة الترنسفال بين البوير
والإنكليز أيضًا.
أما الحملة المصرية، فسنفرد للبحث في أمورها مقالات خصوصية، وأما
الحملة الفرنسية السائرة في مجاهل إفريقيا بقيادة الضابط الباسل مرشان، فلا يعلم
أحد الغرض الذي ترمي إليه حتى الآن. والمشهور أنها زاحفة لاحتلال الأراضي
التي وراء بحر الغزال في أعلى النيل، وبما أن تلك الأراضي هي غرض إنكلترا
أيضًا فالمنتظر أن تقوم قائمة الخلاف والنزاع بين الدولتين بشأن تلك الأصقاع في
وقت قريب. وقد أنفذت إنكلترا من جهة أوغندا إلى أعالي النيل من شهور عديدة
حملة إنكليزية بقيادة الماجور مكدونالد، غير أن تلك الحملة ما قطعت مسافة قصيرة
حتى ثار رجالها وهم من السودانيين على القائد مكدونالد، فتحصنوا في حصن هناك،
فحاصرهم الماجور قمعًا لثورتهم وإرغامًا لأنوفهم، ولطلب المدد تشديدًا للحصار،
غير أن السودانيين رأوا من المحاصرين غفلة، ففروا من الحصن ونجوا بأنفسهم،
فرجع مكدونالد أدراجه، ولم يزل مرشان يغذ السير إلى غرضه بخطى واسعة.
وأشيع يومئذ أن حملة مرشان قد ذبحت عن آخرها، غير أنه ظهر بعد ذلك أن هذا
الخبر كان مكذوبًا. هذا ويرى البعض أن احتلال فرنسا أعالي النيل سيكون بداية
فتح المسألة المصرية.
وأما الخلاف الذي بين فرنسا وإنكلترا بشأن النيجر فهو ناشِئ عن طمع كل
من الدولتين في تلك الأراضي واختلافهما على تحديد أملاكهما فيها. ويقول
الفرنسيون: إن شركة النيجر منشأ ذلك الخلاف كله، وقد عقدت في باريس من عهد
قريب لجنة من الإنكليز والفرنسيين للبحث في دعاوى الطرفين وحل تلك المشاكل
بالطريقة الودية. وقد أضيف في الأسبوع الماضي مشكلة جديدة إلى تلك المشاكل
القديمة، فإن حملة الفرنسيين اجتازت نهر النيجر وحاولت الزحف على أرض تقول
إنكلترا: إنها تحت حمايتها، وقد أمدت إنكلترا سلطان تلك الأرض بجند يساعده
على إرجاع الفرنساويين على أعقابهم، ولم يرد بعد ذلك نبأ جديد.
وأما الخلاف بشأن الترنسفال فمَنْشَؤُهُ طموح إنكلترا إلى تقييد تلك الجمهورية
الصغيرة بقيود سيطرتها، وقد نظم دكتور إنكليزي يدعى جمسن حملة هجم بها على
تلك الجمهورية على حين غفلة، فالتقتها سيوف البوير ونالت منها ما نالته سيوف
الأحباش في موقعة عدوه من الطليان، ولا يزال مستر شامبرلين وزير المستعمرات
الإنكليزية يؤكد لتلك الجمهورية، حتى الآن أنها تحت الحماية الإنكليزية. ولعمر
الحق إن إمبراطورية الأحباش وجمهورية الترنسفال قد أظهرتا بأسلوب عجيب
مقدرة الشرقيين على الدفاع عن حريتهم واستقتالهم في سبيل ذلك الدفاع
الشريف.
وسنتكلم فيما يلي من الأعداد على بقية المشاكل السياسية.
***
الحبشة
بنى السيف في القرن التاسع عشر إمبراطوريتين عظيمتين؛ الأولى:
الإمبراطورية الألمانية، والثانية: الإمبراطورية الحبشية.
فإن تسليم سيدان وباريز ألبس غليوم الأول تاج الإمبراطورية الألمانية،
وانتصار الأحباش على الطليان في موقعة عدوه أنال منليك رئاسة الحبشة وجعله
إمبراطورًا على ملوكها المتحدة.
والحبشة أمة شرقية، قد أيقظها دوي مدافع الطليان من سباتها العميق، فهبت
إلى دخول التمدن من أبوابه، ولا يبعد أن نراها بعد خمسين سنة تضاهي شقيقتها
اليابان الشرقية قوة ومنعة وعزًّا. وإذا بلغت الحبشة مبلغ اليابان كان ذلك دليلًا ثانيًا
على استعداد الشرقيين للتقدم العصري والارتقاء، وعلى قابليتهم للانتظام ومقدرتهم
على الثبات خلافًا لما يشيعه عنهم الأخصام.
وليس غرضنا الآن تبيان ما بلغته الحبشة وما ستبلغه من التقدم إن استمرت
على سيرها الحثيث.
وانما غرضنا ذكر حديث جرى في بورسعيد بين أحد مكاتبي الجرائد
الأوروبية والمسيو أتوجوزف سكرتير منليك الخاص، فإن في ذلك الحديث بعض
اللذة والفائدة، وهو بصور السؤال والجواب.
س: هل تحب مصر؟
ج: لا أحبها لأنها بلاد قوم لا يحبوننا، فهم يزعمون أن الحبشي ملك يدهم،
لذلك يسمونه " عبدا "
س: وما رأيك في الإنكليز؟
ج: لا نخشى لهم بأسًا وحسبهم الآن الدراويش خصمًا. وإنا لا نحذر غير
الفرنساويين، ولو أنا انكسرنا في حربنا مع الطليان لبتنا طعمة للفرنساويين.
س: وما صنعتم بأسرى الطليان؟
ج: لقد عاملنا الجميع بكل رفق وتؤدة؛ لأن قوانين الحبشة تنهى عن مضايقة
الأسرى أو تعذيبهم، وقد أطلقنا سراحهم جميعهم، فرحل البعض بسلام إلى بلادهم،
وعلق البعض نساءنا فاستحبوا الإقامة عندنا. وقبل أن يطلق الطليان أسرانا سمعنا
أنهم أساءوا معاملتهم، فلم يحملنا ذلك على مقابلة الإساءة بالإساءة؛ لأنا نعتبر
الأسير مقدسًا، لا يجب أن يمس بسوء.
س: ما قولك فيما شاع من أن إنكلترا ستمنحكم زيلع على أن تلتزموا الحياد
في الحرب التي بين مصر والدراويش؟
ج: لا أعلم في ذلك شيئًا؛ لأني أجهل حوادث بلادي منذ سبعة أشهر، علمًا
أني لا أرى أفضل من الحياد في مثل هذا الظرف، فإن المتحاربين مسلمون، ولا
أرى ما يوجب علينا اختراط الحسام دفاعًا عن المسلمين.
س: وهل تحمل لجلالة الإمبراطور كثيرًا من الهدايا؟
ج: لقد بعث معي جلالة السلطان فرسين من الخيل الجياد، ونيشانًا باهرًا،
وبعث جلالة القيصر كلبي صيد وسيفًا ثمينًا وغير ذلك من الهدايا.
س: هل لك أن تتفضل عليّ بوصف هيئة الحكومة في بلادكم؟
ج: لا عندنا مجالس شورى ولا دستور ولا نواب، فإن جلالة الإمبراطور هو
الحاكم الأعلى وله مجلسان: عقلاء الشيوخ يستدعيهم عند الاقتضاء، وهناك محكمة
فيها قاض واحد لا يحكم في قضية إلا عند شهادة رجلين، أما القاتل فجزاؤه القتل،
وإن شاء الإمبراطور أن يعفو عن القاتل كان لعائلة المقتول أن تعترض على ذلك العفو
ولعائلة المقتول أن تنفذ بيدها حكم الإعدام.
س: وهل الملكة نبيهة متهذبة؟
ج: اسم جلالتها تايتيس أعني الشمس وهي نبيهة وشديدة الاهتمام بالآداب
العمومية.
س: بما أنك ذكرت لي معنى اسم الملكة فأرجو أن تذكر لي ما معنى اسم
(منليك)؟
ج: إن تاريخ هذه الكلمة قديم، فقد جاء في التقاليد القديمة أن ملكة سبأ سمعت
بحكمة سليمان الحكيم، فوفدت عليه. ثم وضعت منه غلامًا فراعها ذلك فصاحت:
(ماذا يقول سليمان) . فقولها: (ماذا يقول) ترجمته في اللغة الحبشية (منليك)،
ولذلك سمي به ابن ملكة سبأ.
س: ما عدد سكان الحبشة؟
ج: عددهم خمسة ملايين من الأحباش المسيحيين ومليونان ونصف من
المسلمين، واثنا عشر مليونًا من الوثنيين.
س: وهل يعيش هؤلاء كلهم براحة وسلام؟
ج: يعيشون بالراحة الممكنة على أن الأرض مخصبة والهواء معتدل والحرية
مطلقة للجميع. أما الآداب العمومية فنقية؛ لأن الاهتمام بها عظيم. وفي المدن
الكبرى مدارس للفرير تربي الأولاد أحسن تربية.
س: نسيت أن أسألك عن نظام البوليس؟
ج: لا بوليس في الحبشة. فإن كلًاّ منا يحترم ملك الغير وحقوقه، وعنواننا
كلنا: (أغلق شفتيك وافتح بابك) - يريد: قلة الكلام وكثرة الضيافة. انتهى
على أن تلك الأمة الخارجة من غياهب الهمجية خروج الزهور من أكمامها، لا
تزال في ظلمة التعصب الديني والجهل الوخيم، لذلك لا تُحْسِن معاملة المسلمين من
رعاياها، على أنها ستعلم خطأها حين يسقط عن عينيها برقع الجهل والغباوة وما
سبب التعصب الذميم إلا الجهل الوخيم. اهـ من ترجمة بعض الكتاب.
هذا ما اخترناه من العدد الأول وما بعده إلا (الأخبار المحلية) وبرقيات
الأسبوع.
«يتبع بمقال تالٍ»
1 / 23
٢٩ شوال - ١٣١٥هـ
فبراير - ١٨٩٨م
Page inconnue
الكاتب: محمد رشيد رضا
القول الفصل
محاورة في سعادة الأمة [١]
نظر بعض أصحاب الأفكار الصافية، والعقول النيرة في كتب التاريخ نظر
التأمل والاعتبار، ووقف على شيء من أحوال الأمم في أطوارها وأدوارها، من
بداوة وحضارة، وهمجية ومدنية، وقوة وضعف، وصعود وهبوط، وغلبة
وانغلاب، ونحو هذا من الصفات المتقابلة، والشؤون المختلفة، فحدا بهمته النظر
بعين البصيرة إلى طلب النظر بعين البصر، والسير في الأرض لمشاهدة آثار
العالمين، وتطبيق ما يرى على ما علم، فضرب في الأرض شرقًا وغربًا، وخالط
الأمم عجمًا وعربًا، واكتنه الأخلاق، واختبر العادات، وشاهد سير العلوم والفنون،
ووقف على أمهات الصنائع والأعمال، وسبر قوى العقول والأفكار، ثم شرع في
المقابلة والتنظير، فتجلى له أن الاستعداد الفطري والقوى الطبيعية في تلك الأمم
واحدة وأن اختلاف الحالات لم يأتِ من اختلاف المدارك، والتفاوت في الاستعداد
وإن انتهى إلى درجة يكاد يلتحق بها فريق بالعجماوات، ويخرج من عداد الإنسان،
ويرتقي بها فريق آخر عن النوعية الآدمية إلى مصاف الملائكة وإنما جاء من أمور
عارضة وظروف خارجية. وأعمل فكره في معرفة مناشئ هذه العوارض، وعلل
هاته الطوارئ، وارتقى في الأسباب الكثيرة، وتبصر في تأثيرها، فعرف كيف
يمكن اتقاء العوارض المضرة، وإزالة الطوارئ التي دفعت في صدور بعض الأمم
فأخرتها، وأمسكت بحجزاتها عن التقدم الذي يرشدها إليه الإلهام الإلهي، والقوى
القدسية التي منحها الله للإنسان. ثم رجع هذا العاقل إلى وطنه وقد أوتي الحكمة
وفصل الخطاب، وصار من أطباء النفوس القادرين على مداواة أمراض أمته،
وعجب لإغفال الجماهير من قومه هذا النظر وهذه السياحة، حتى كأنهم عميان،
وصار يردد في نفسه هذه النصوص ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا﴾ (ق: ٦) ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ (الأعراف: ١٨٤)، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ
آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: ٤٦) ثم وجه عنايته لتنبيه قومه على ما استفاد في سياحته ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (طه: ١١٣) .
ولما أن جاء البشير القوم للسلام عليه سألوه عن رحلته من حيث سهولة السفر
ومشقته وما كان طعامه وشرابه فيه، وعن منتزهات البلاد التي زارها، فعذلهم
بلطف على هذه الأسئلة، واعتذر لهم عن نسيانه لهذه الأمور، وطفق يحدثهم عن معارف البلاد لا عن معازفها، وعن مصانعها لا عن مراقصها، وأطال في الكلام
عن الأمم المتمدنة وعما رأى فيها من موارد الراحة السائغة وبرود النعمة السابغة
حتى أدهشهم، وكان يتكلم عن انفعال وتأثر، ويشوب كلامه بالتأوه والتحسر،
فأثرت حالته في نفوسهم، وحركت منها كوامن الغيرة، وأحب فريق منهم أن يبحث
معه في سعادة الأمم وشقائها، وشدتها ورخائها، وهبوطها وارتقائها، فاعترضه
آخرون قائلين: إن الكلام في هذا الموضوع يتعب البال، ويزعج الخاطر، وهو عبث لا يفيد شيئًا، فإن الأمر كله لله وليس لإرادة الناس أثر في أعمالهم، ولا
لأعمالهم أثر في منافعهم، بل ليس لهم إرادة أيضًا، بل هم في الحقيقة كالريش في
الفضاء تصرفه رياح الأقدار المتناوحة وتتلاعب به، ولا إرادة ولا اختيار، نستغفر
الله، لا ننكر الاختيار فإنه مذهب أهل السنة، ولكن الحقيقة ما قاله بعض المحققين:
(سُني في الظاهر جَبري في الباطن) فأجابهم أولئك قائلين: إنكم تؤمنون بلفظ
الاختيار دون معناه وكأنكم ترون أن حركة اللسان بلفظ الاختيار هي الفصل الذي
يخرجكم من عداد طائفة الجبرية الذين اتفق أساطين علماء الملة على فسوقهم من
الاعتقاد الحق، ونبذهم بلقب الابتداع في الدين.
أما علمتم أن الألفاظ لا تدخل في ماهية العقائد وحقيقة المذاهب وأن الخلاف
في إطلاق اللفظ على معنى متفق عليه يرجع إلى الاصطلاح الذي لا مشاحة فيه.
أتزعمون أنه لا واسطة بين الجبر والقدر، وأن الذين يسمون أهل السنة هم جبرية
في الحقيقة، لكنهم لما عجزوا عن الجواب على ما يستلزمه هذا المذهب من تخطئة
تشريع الشرائع وإنزال الكتب تستروا بلفظ الكسب والاختيار ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا
لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (الفتح: ١١) . حاشاهم حاشاهم، ونستغفر الله من هذا الضلال
البعيد.
فأجابهم السائح العاقل: على رسلكم، فما هؤلاء بجبرية ولا سنية ولا قدرية،
ولكن عموم الجهل جعلهم ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ﴾ (النساء: ١٤٣) وإنني رأيت الكثير من أمثالهم في سياحتي في البلاد الإسلامية.
كنت إذا ذاكرت المصري مثلًا في أمر يتعلق بمصلحة وطنية يتوكأ على عكاز الجبر
ويقول: (هو بيدنا إيه) وإذا كلمت سوريًّا في مثل ذلك يستند على هذه العصا أيضًا
ويقول: (شو طالع باليد) وربما أردفوها على سبيل الاحتجاج بهذا النص الشريف
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (النجم: ٥٨) .
كلمة حق أريد بها باطل، وتمسُّكهم بها عَرَض زائل، أرأيت إن ألمت ملمة
بشؤونهم الخاصة كيف يجتهدون بتلافيها بما يستطيعون من الأسباب، بل ويتعدون
الأسباب الطبيعية إلى ما ليس بسبب أصلًا ويتخذون الوسائل الوهمية التي يأباها
الشرع وينبذها العقل، كالاستعاذة بالعوامل غير المنظورة من الجن والشياطين،
والاستعانة بالأموات من العلماء والصلحاء، يخاطبون هؤلاء لدى أجداثهم
ويستنهضون هممهم بالصياح والصراخ وتقديم هدايا الفواتح، ويستنفرون أولئك
بالعزائم والطلاسم وإحراق البخور في المجامر، ويستنبئون عن حقيقة الأمور
بخطوط الرمل أو الطرق بالحصا وحبوب الفول، ويتعرفونها من الدجاجلة
والعرافين.
فتبين لكم كيف أن هؤلاء الحمقى قد جمعوا بين المذاهب المبتدعة على تضادها
وتباينها، وتخطوا أوساط الأمور إلى طرفي الإفراط والتفريط، فهم جبرية بإزاء
المصالح العامة، وقدرية تلقاء منافعهم الخاصة.
وقد نظرت في التاريخ سير العلوم واختبرت حالتها اليوم فرأيت العلماء
الباحثين في مسائل الجبر والقدر والكسب قصروا أنظارهم على مفهومات هذه
الألفاظ، وتفلسفوا فيها، ولم يلتفتوا إلى ما تحدث هذه العقائد في الإرادة من الآثار،
وما يتبع تلك الآثار من الأعمال، وما ينشأ عن تلك الأعمال من ضعف أو قوة،
فينبهوا الأمة عليه.
ألّفوا فيها المتون والشروح، وعلقوا عليها الحواشي والتقارير، فما زادت
الأمةَ تآليفُهُمْ إلا حيرة وإشكالًا، وكانوا كجواب المجاهيل يغذ أحدهم السير سحابة
نهاره وعامة ليله ثم لا يدري هل أراد بسيره قربًا أو بعدًا (سيفرد المنار مقالة
مخصوصة لهذه المسألة) .
وأما الذين لم يبلغ الجهل منهم مبلغ إنكار الوجدان والقول بالجبر الصراح،
فهم يعلمون أن الأخذ بالأسباب عملًا واعتقاد ارتباطها بالمسببات بحيث لا تتخلف
عنها إذا تمت شروطها، ولا تحصل إلا معها هو الحق، وأن انكشاف الخطوب على
أيدي الآخذين بأسبابها التي سنها الله تعالى لها لا يقتضي أنهم عاندوا الإرادة الإلهية
وكانوا هم الكاشفين لها من دون الله تعالى.
فخجل المحتجون بالجبر عند هذا البيان، واتفق القوم كلهم على البحث مع
السائح العاقل في شؤون ترقية أمتهم، وعن الأسباب التي ينبغي الأخذ بها للحصول
على هذه الأمنية الشريفة. وأجمعوا على أن يكون البحث على طريق السؤال
والجواب؛ لأنه أدعى إلى إلقاء السمع وتوجيه الفكر، وأقرب إلى التنبه والتبصر
وأن يكون السائح هو السائل؛ لأنه أعلم بحاج الأمم؛ لما أفاده العلم والاختبار، ثم
إذا اختلفوا في الأجوبة يحكمونه فيما شجر بينهم، ويكون بقوله العمل وعليه الفتوى.
فقال: إنني ملقٍ عليكم مسائل متعددة في مواضيع مختلفة، وكلها تتعلق بسعادة
الأمم، وأطلب عليها كلها جوابًا واحدًا يؤدى بكلمة واحدة. فقالوا له: يشبه أن يكون
كلامك هذا من الألغاز والأحاجي فكيف السبيل إلى حل معماه، وكشف مخباه،
وكيف يكون الجواب عن الأسئلة في المواضيع المختلفة واحدًا ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ
عُجَابٌ﴾ (ص: ٥) .
فقال: لا عجب، فإن كل كثرة لا بد أن تجمعها جهة وحدة، فكما أن الوحدة
التي نسميها سعادة الأمة لا تحصل إلا بأمور كثيرة ترجع إلى شيء واحد وهو
(سعادة الأمة)، كذلك وسائل هذه الأمور الكثيرة التي منها تستمد مسائلي تئول إلى
شيء واحد. (وسيلة ترجع إليها جميع الوسائل، وسبب يجمع كل الأسباب) وهو
الجواب الذي سأشرحه لكم، ثم أنشأ يسرد الأسئلة فقال:
(س) ما هو الناموس الذي يحصل به الجذب والانجذاب بين العناصر
المتفرقة، ويحكم الالتصاق بين أفرادها فيكوِّن المجموع أمة واحدة، وبماذا
توجد الرابطة التي تجعل مدار هذا المجموع على محور واحد؟
(س) أي شيء يمحو من نفوس أفراد الأمة الأثرة والاختصاص بالمنافع
دون قومهم، ويثبت فيها حب الوطنية والجامعة الجنسية، بحيث يرى كل واحد أن
منفعته في منفعة أمته ومضرتها عين مضرته، بل ما هي الروح التي تنفخ في
آحادها، فتحيا بعد مماتها، وتجتمع بعد شتاتها، وتكون جسدًا واحدًا إذا اشتكى له
عضو تداعى له سائر الجسد، فإنني أرى هذا الروح هو المدبر لبعض الأمم، وكأنه
فقد من أمتنا بالكلية فانتثر عقد اجتماعهم، وانحل تركيب بنيتهم، وتفرقت كلمتهم،
ورُزِئُوا بالتخاصم والتنازع، والتباغض والتحاسد، وأصبحوا و﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ
شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر:١٤)،
وأَنَّى يفقهون معنى هذه الحياة الجنسية، وسر هاته الجامعة الوطنية، وكيف
تحصل لهم، وبماذا توجد فيهم، وأنَّى يجتمعون في صعيد واحد مع اختلاف
منابتهم وتقطع وشائجهم؟
(س) إذا اعتقدت الأمة بأفرادها انحطاط المدارك وضعف العقول وعدم
الاستعداد الفطري لاحتذاء الأمم الأخرى فيما جاءت به من عجائب الصناعات، وما
استنبطته من دقائق العلوم والفنون؛ لأنها شاهدت الآثار التي انتهت إليها وهي في
غيبة عن مبدئها، وكيفية نموها، فأنى يكون تنبيهها إلى ما أودع فيها من
القوى الطبيعية والقدر الوهبية الكامنة في أرواحها، ككمون النار في الحَجَر أن
قَدَحْته أورَى، وإن تركته توارى، وإنه ليس عليهم في إبراز آثار هذه
القوى إلا استعمالها فيما خلقت كما استعملها الآخرون؟
(س) إذا تمكن في النفوس اليأس من التقدم، والقنوط من الترقي؛ لاعتقاد
أن زمن التدارك قد فات، وأنه لا يمكن مجاراة المتخلف لمن بلغ الغاية، وإن كان
الاستعداد واحدًا، فغلت لذلك الأيدي عن العمل، كأنما هي مشلولة، ووقفت الأرجل
عن السعي حتى كأنها مقطورة. (أي محبوسة في المقطرة، وهي خشبة
مثقوبة توضع فيها أرجل المحبوسين)، فبماذا تنزع الأغلال، وتكسر المقاطر،
وتنعم تلك النفوس بحلاوة الرجاء بعد مرارة اليأس، وتندفع اندفاع الجياد القرّح
إلى طلب المجد المؤثل الذي تطلبه بحق وتجري فيه على عرق؟
(س) إذا حاول بعض أهل الثراء أن يحتذي شاكلة السابقين، ويتلو
تلو الشعوب المتمدنة، فأنشأ يقلدهم في أحوال معيشتهم التي انتهت بهم إليها
طبيعة بسطة الملك وسعة الثروة، فشيد القصور، ونقش الجدران وزينها
بالأرائك والزرابي والسجوف والمصابيح، وسائر أنواع الآنية والماعون النفيس،
الذي يجلبه من بلاد تلك الشعوب، فكيف يمكن إقناع هؤلاء بأن هذا التقليد تذفيف
على جرح الأمة، وإجهاز على حياتها، وبه ينضب معين ثروتها، على أنه
ليس لديها من أمواه الثروة إلى بقية وشل. وإن التقليد النافع إنما يكون في
خدمة المعارف، والسير في طرقها التي سار فيها أولئك، وفي الأعمال
النافعة التي هم لها عاملون؟
(س) كيف تحافظ الأمم على أديانها ولغاتها وعوائدها النافعة إذا كانت مهددة
من أمم أخرى بحكم ناموس تنازع البقاء، وكيف ظلت اللغة العبرانية محفوظة في
ألسنة الإسرائيليين مع ما ابتلوا به من فقد السلطة والشتات في الأقطار، وما رُزِئُوا
به من جور الحاكمين، واضطهاد الظالمين، ولماذا فسدت ملكة اللغة العربية من
ألسنة أربابها مع نمو عمرانهم وامتداد سلطانهم؟
تسمع ولدان اليهود في روسيا وألمانيا وأوستريا وفرنسا وإنكلترا وأسبانيا
وإفريقية وأميركا يتكلمون بلسان كتابهم (التوراة) على نحو ما كان يتكلم به
آباؤهم الأولون. ولم يصدهم عن حفظه معرفة لغات الشعوب الذين هم عائشون في
بلادهم. وشيوخ العلم في مصر والشام والعراق والمغرب، بل وفي الحجاز
واليمن يكتفون بوجود لغة (القرآن) في مطاوي الكتب وبطون الدواوين؟ !
(س) كيف يمكن التفلت من إشراك العادات الرديئة وأحابيلها. والتفصي
من عقل التقليدات المضرة التي أوقفتنا عن السير، وأحدثت فينا قناعة البهم،
وبغضت إلينا كل جديد، وإن كان فيه سعادتنا، وقد استحكمت بتوالي الأيام وكرور
السنين. وقويت على سلطان العقل وإرشاد الدين، حتى اعتقد الآخذون بها حسنها،
وأنكروا على من أخل بشيء منها ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: ١٠٤)، أما والله لو أن أجسادنا هذه تدبرها أرواح
كأرواح آبائنا الأولين لكنا نحن السابقين إلى كل ما يسمى اختراعًا واكتشافا وعملًا
نافعًا؟
(س) إننا نرى كثيرًا من الأخلاق والعادات لها وجهة للخير ووجهة للشر،
يجتني نفعها أناس ويصاب منها بالضرر آخرون. فكيف يتفرع عن الأصل الواحد
فروع مختلفة وآثار متباينة. وبماذا اهتدى الأوربيون للانتفاع من اختلاف رجال
العلم ورجال السياسة وتنازعهم، وتبينوا من هذا الاختلاف والتنازع محجة الصواب
وحقيقة الأمر، حتى كأن نور الحقائق العلمية والمصالح السياسية لمعان البرق،
لا يظهر إلا بين الإيجاب والسلب.
ولماذا كان الاختلاف والتنازع في الشعوب الشرقية حجابًا على وجه الحقيقة،
وغشاوة على عين البصيرة، تضيع فيه المصالح، وتندرس رسوم المنافع، حتى
كان تصادم أفكارهم تصادم القوارير؟
(س) ما هو الغاسول المطهر للأذهان من أقذار الوساوس والأوهام التي
توقع في الخوف مما لا يخيف، ورجاء ما لا يفيد، وبماذا يكون ترميج (إفساد
السطور المكتوبة) ما سطر في ألواح النفوس من أساطير الخرافات أو محوه بالكلية
ورسم آيات الحكمة وإثبات نقوش الحقائق على هذه الألواح الشريفة القدسية؟
(س) بماذا يعرف المجد الصحيح من المجد الباطل، والكمال الحقيقي من
الكمال الوهمي، فتتحول مجاري نفقات الأفراح والأحزان من الولائم والوضائم وما
يتبعها إلى التعليم والتربية، ويستبدل تشييد المكاتب والمدارس الوطنية بتشييد
القصور على القبور (الأحواش) الذي استن المصريون فيه بسنة (خوفو)
و(خفرع) و(منكورع) الذين شادوا الأهرام لحفظ جثثهم الشريفة؟
(س) ما هو العلاج الذي يستأصل جراثيم الفساد، والدواء القاتل
(لميكروب) الأدواء الروحية، الشافي من الأمراض القلبية التي تتولد عنها المآثم
والموبقات؟
(س) متى تقل الأمراض الجسدية، ويتزين مجموع الأمة ببرود الصحة
الضافية، ويلقون عن وعواتقهم أسمال الأمراض وأخلاق الأسقام، ويقل فيهم فتك
الأوبئة إذا لم يكن محو هذه المصائب بالكلية؟
(س) بماذا تحصل الثروة للأمم؛ فإننا نرى بعض الشعوب استولى عليها
الفقر المدقع، فلا يوجد فيها من الأغنياء إلا أفراد قلائل، والكثير منهم ما نال
الثروة بطرق مشروعة وأعمال شريفة، والسؤال إنما هو عن ثروة الأمة من الطرق
الشريفة المشروعة. ولو وزعت ثروة من ذكرنا على الأمة بالتعديل لم تخرج من
عداد الأمم الفقيرة؟
(قال السائل الحكيم): وإذا قلتم: زراعة، صناعة، تجارة، فإنني لا أعتد
ذلك جوابًا، بل هو يحملني على التفصيل بإلقاء أسئلة أخرى في موضوع الثروة
فأقول:
(س) ما الوسيلة إلى تحسين حالة الزراعة بحيث تفيض الأرض بالخيرات
والبركات التي هي كنوزها الحقيقية. ولماذا كان أهالي فرنسا، بل وأهالي زيلندا
(جزيرة في البحر المحيط) أكثر ثروة زراعية من أهالي مصر بالنسبة لمساحة
الأرض، مع أن أرض مصر أخصب تربة، ورجالها أكثر جلدًا على العمل،
وعندهم النيل الذي ليس له في زيلندا ولا في فرنسا نظير؟
(س) ما الذريعة إلى إتقان الصناعة وتوسيع دائرتها، والتفنن في تنويعها
بحيث تكتفي بها الأمة وتحفظ ثروتها عن اغتيال الأجانب لها، وجعلها عالة عليهم
ثم تكفي غيرها من الأمم التي أصابها مرض الجهل والكسل فأقعدها عن الأعمال؟
(س) ما هي الطريقة للتصرف بأساليب التجارة التي عليها مدار الثروة
الأكبر، والتي هي من الصناعة والزراعة كالقوة المتصرفة من المعلومات
والمدركات. أو كالشرايين والأوردة لدم الإنسان والحيوان؟
(س) كيف تسنى لأفراد من طلاب الكسب الأجانب احتكار ماء النيل وماء
نهر الكلب (نهر في لبنان تجره إلى بيروت شركة أجنبية)، كما تحتكر السلع
وعروض التجارة، وبيعه لأهل البلاد بالمال. ومَن كان (لولا المشاهدة) يصدق
أن الأمة تنحط إلى دركة لا يمكن للوطني معها أن يتناول جرعة من ماء بلاده إلا إذا
اقتضى الأجنبي منه ثمنها المعلوم عن رضى واختيار، (أما وسر العلم والاجتهاد لو
وجد مثل هذا الخبر في كتب تاريخ الأمم القديمة لعد من هذيان القصاص المولعين
بتلفيق الأكاذيب للإعجاب والإغراب)؟
(س) بماذا تحرز الأمم القوة والمنعة، وتعقد على ألويتها الغلبة والظفر،
وكيف استولت إنكلترا على ممالك الهند وعلى أستراليا والكاب والنيجر وكندا،
وكيف استولت فرنسا على بلاد الجزائر وتونس والسنغال ومدغسكر وأنام
وكمبوديا وكوشين صين وتونكين، وكيف استولت هولندا على كذا وألمانيا على
كذا؟
(س) كيف يسهل على نفر قليل الاستيلاء على شعب كبير، يصرفونه في
مصالحهم ويستخدمون أفراده في منافعهم، ويستعملونه كما تستعمل الدواب والأنعام،
بل يديرونه كما تدار الآلة الصماء، وهو لا يدري علة هذه السلطة ولا وقوف
لأفراده على حقيقة أسبابها، ولعله لا يتفكر فيها أيضًا، كأنما فقد كل إحساس وشعور؟
(س) كيف أمكن للأميركانيين إلقاء السلطة الإنكليزية عن عواتقهم وطرح
أوزار سيطرتها عن كواهلهم، واتحاد ولايات بلادهم تحت لواء واحد، تستضيء
بنجومه أمم، ويخشى من شهبه آخرون. حتى إن أوربا تحذر منه على ما بقي لها
في العالم الجديد، وتتوقع تنفيذ قول مونرو: (أميركا للأميركيين)؟
وبالجملة:
(س) ما هي الآلة الرافعة للمتطوحين في عواثير التعاسة والشقاء،
والمتدهورين في مهاوي الخذلان. وما هي المدارج التي ترقى فيها الأمم إلى المدنية
الصحيحة، والمعارج التي تصعد عليها إلى مراتب الكمالات الصورية والمعنوية،
من دينية ودنيوية، وما هو النور الذي يستضاء به في ظلمات الجهل والغباوة،
والمنار الذي يهتدى به في مَهَامِهِ الحيرة ومجاهيل الخطوب؟
فلما فرغت المسائل، وسكت السائل، وطلب ما عند القوم من الجواب، ابتدر أحدهم فقال: لا شك أن الأمراء والحكام هم الذين يكونون بِنَى (جمع بنية)
الأمم، وينفخون فيها روح الوحدة. وينشقونها نسيم الحياة الوطنية. ويمدون فيها
جداول الثروة، بما يمهدون من طرق الكسب ويحفرون من الترع ويبنون من
المعامل والمصانع، ويهيئون من الآلات والأدوات إلخ ما أشرتم إليه من أسباب
السعادة.
فرد عليه السائل قائلًا: إذا فرضنا أن الحكومة غنية مع فقر الأمة وأمكنها أن
تعمل كل هذه الأعمال فهل في استطاعة الحاكم أن يقتلع من نفوس الأمة جراثيم
الأخلاق الذميمة، وينقي منها بذور العادات الرديئة التي تنجم عنها الأفعال المضرة،
ويغرس فيها أشجار الأخلاق الفاضلة والسجايا الجميلة التي تثمر الأعمال النافعة؟
كلا إن من يلقي التبعة كلها على الحكام مخطئ في حكمه، وإنني رأيت أكثر الأمم
الشرقية لا يرون لأنفسهم وجودًا إلا بالحكام، ويرون أن صلاح الأمة وفسادها وغيها
ورشادها وصحتها ومرضها وغناها وفقرها، بل ومحياها ومماتها كل ذلك بيد الحاكم
حتى كأن الحاكم بيده ملكوت كل شيء وهو يجير لا يجار عليه، وكأن هذا الوهم
متسلسل فيهم بالإرث من عهد من قال ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (البقرة: ٢٥٨) وعهد
من قال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (النازعات: ٢٤)، وجهلوا أن الحاكم ليس إلا رجلًا
من الأمة، وأن الحاكمية مازادت في فضائله، ولا منحته قوة فوق القوى البشرية،
بل ربما أفسدت أخلاقه وأسقمت مداركه، (كما شوهد في البعض)، والصواب أن
إصلاح الأمة لا يكون من الحاكم، نعم إن الحاكم إذا ساعده يكون أسرع سيرًا وأقرب
نجاحًا.
ثم انبرى آخر للمجاوبة وقال:
إن الطريق الوحيد لإنهاض الأمة من ضعفها وإقالة عثرتها وإقامتها في مصاف
الأمم القوية إنما هو تسليم أزمة أمورها الكلية إلى رجال من ساسة تلك الأمم،
يقيمون فيها القسط، ويرفعون لواء العدل والمساواة، ويغلون أيدي المتسلطين عن
التعدي، ويجتثون شجرة الرشوة الخبيثة من أصولها، ويعممون فيها الأمن،
وينشئون المعامل والمصانع، ويسهلون الطرقات، ويقربون الأبعاد بما يمدون من
السكك الحديدية وأسلاك التلغراف والتليفون، ويوسعون دائرة الاكتساب بإنشاء
الشركات المالية التي هي أسس جميع أنواع التقدم من زراعة وصناعة وتجارة،
وينشرون المعارف الصحيحة التي لا توجد إلا في لغاتهم، فلا يمضي على الأمة
أربعون سنة حتى تنشأ خلقًا جديدًا.
فقال السائل وقد اضطربت نفسه وانفعلت روحه وتبيَّغ دمه حتى كان يتفصد
من وجهه:
اذا استشفيت من داء بداء ... فأقتل ما أعلك ما شفاكا
لقد أخطأ ظنك يا أخي واستحوذ عليك شيطان الوهم، ولقد نثرت الملح على
جرحي بجوابك هذا، أما علمت أن ساسة تلك الأمم الذين أشرت إلى تسليم كليات
الأمور اليهم قد تربوا في بلادهم على حب أوطانهم ووقف حيلتهم على نفع أمتهم،
وقد تطبعوا على ذلك عملًا فصار ملكة راسخة في نفوسهم تصدر عنها جميع
حركاتهم وسكناتهم من غير روية ولا تكلف.
وإن جميع ما يبرز من أعمالهم مفيدًا للأمة التي يتولون إصلاحها في الظاهر،
لا بد أن يكون في باطنه منفعة لأمتهم، فإن المنفعة هي القطب الذي تدور عليه
رحى أعمالهم، فلا ينشرون من المعارف في البلاد إلا ما يشرب القلوب حبهم،
واعتقاد عظمتهم ويفسد على الأهلين لغتهم وعوائدهم وتقاليدهم التي كانوا بها أمة
ممتازة عن غيرها مستقلة في وجودها.
ولا يوسعون دائرة الكسب إلا للعارفين بأساليبه من أبناء طينتهم، فتسهيل
طرق الثروة حسية ومعنوية، وتعميم الأمن، والضرب على أيدي المتسلطين، كل
ذلك وسيلة لتمكنهم في الأرض، وسد أَثْبَاج الثروة عن أبناء الوطن، وتحويل
تلك الأثباج والمجاري إلى الآخرين.
نعم إن الوطنيين يتمتعون منها بقليل من الراحة التي تزيد في كسلهم
ونقاعدهم، حتى يئول الأمر إلى امتلاك الأغيار لأراضيهم الواسعة ويتخذونهم
أجراء ومزارعين، فيعلمون كيف دس لهم السم في الدسم حين لا ينفعهم العلم.
سألت عما ينهض بالأمم، فأجبتني بما يقذفها في تيهور العدم، ويهبط بها إلى أسفل
سافلين.
ثم تصدى للجواب رجل ثالث فقال: إن الجرائد الحرة هي التي تنبه أفكار
الأمة وتنير عقولها بنشر المعارف، وترشدها إلى التحلي بالفضائل، والتخلي
عن الرذائل، وتدلها على أساليب المدنية، وتزعجها إلى العمل بها تارة
بالترغيب والتنشيط، وطورًا بالترهيب والتحذير من عواقب التفريط، وتحرك من
نفوسها كوامن الغيرة التي تدعو إلى المنافسة والمباراة، إلى غير ذلك من الفوائد
التي لا تعزب عن علمكم.
فقال السائل: إن الجرائد وإن كان لها الشأن العظيم عند الأمم المُمَدَّنَة والأثر
المشهود في سير مدنيتهم التي تعتبر الجرائد كالحداة له، إلا أنها ليست هي
الموجدة لتلك المدنية. فإذا لم يوجد في الأمة سير إلى المدنية الفاضلة فلماذا يكون
الحداء.
نعم، ينبغي أن تنشأ عندنا جرائد لأجل الحث على الاجتماع وتعيين الغاية التي ينبغي أن تقصد، والوجهة التي يجب أن تولى، ثم الحث على السير إلى تلك الغاية في الطرق الطبيعية التي سنها الله تعالى لها، وهدانا إلى سلوكها، ثم الحداء الذي يسهل على السائرين احتمال المتاعب وقطع المسافة مع النشاط والارتياح.
ولا أقول: إن الجرائد هي المصلحة لحال الأمة، بل هي مساعدة على
الإصلاح إذا صدقت وأخلصت، وأفضل عملها إيصال أفكار الطبقة العاقلة من الأمة
إلى سائر الطبقات تحت مبدأ واحد شريف، فإنما المدار على الوحدة كما أشرنا أولًا.
ثم التفت إلى القوم فقال: هل بقي عندكم شيء من الأجوبة؟ فأجابوا بلسان
واحد: لا، وإننا نطلب الجواب من حضرة السائل الحكيم.
فقال: إن الجواب الذي قلت: إنه وسيلة لسعادة الأمة تجمع كل الوسائل،
وسبب يرجع إليه جميع الأسباب هو (تعميم التربية والتعليم)، وهذا اللفظ تلوكه
الألسنة كثيرًا إلا أن معناه لم يُعْطَ حقه من التبصر والتأمل. فإن كنتم في ريب
مما قلت فإنني مستعد لإقناعكم. وإنْ أذعنتم ولم توجهوا كل قواكم العقلية والمالية
للحصول على هذه الرغيبة، فأنتم العاملون على ضياع أوطانكم وخائنون
أمتكم وملتكم.
«يتبع بمقال تالٍ»
(١) نشرت في فاتحة العدد الثاني الذي صدر في يوم الثلاثاء ٢٩ شوال سنة ١٣١٥هـ.
1 / 31
الكاتب: محمد رشيد رضا
مجمل الأحوال السياسية
ألمعنا في العدد الماضي إلى أمهات السياسة الحاضرة، وتكلمنا على بعضها،
ووعدنا بالكلام على باقيها فيما يأتي من الأعداد، وإنجازًا للموعد نأتي على
بيانها بالإجمال على الوجه الذي يوجب العظة والاعتبار مبتدئين بتمهيد في بيان
الاستعمار الذي هو منشأ هذه الأحوال فنقول:
من طبيعة العمران البشري استيلاء القوي على الضعيف، ومن هنا كان طلب
الفتوح والتغلب طبيعيًّا في البشر. ولم يكن في العصور الأولى طريق للفتوح
والتغلب إلا الحرب العوان، التي لم يُلْقِ الإنسان أوزارها عن عاتقه في دور من
الأدوار، ولقد انطبعت الأنفس عليها بالعمل المتكرر وحتى كادت تكون مقصودة
لذاتها، أعني الفتك المجرد عن ملاحظة المنفعة التي عليها مدار جميع أعمال
الإنسان. وأول تغيير مهم حصل في تاريخ الحرب فخفف ويلاتها وجعلها في ضمن
دائرة معقولة ما جاء به الدين الإسلامي، وإن لم يجر عليه المسلمون في بعض
حروبهم وغزواتهم [١]، وسنفرد للكلام على تاريخ الحروب فصلًا مخصوصًا،
ولكنني الآن بإثبات الآية القرآنية الشريفة التي تسمى (آية الجهاد) وما يتلوها من
الآيات المبينة حكمة الحرب، وسبب الإذن فيه، وما يشترط في المحاربين
إثباتًا لقولنا وهي:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا
مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن
يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا
الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج: ٣٩-٤١) .
وهذه الآيات صريحة في أن الفائدة من الحرب ينبغي أن يلاحظ منها منفعة
المحاربين (بفتح الراء) بالإرشاد إلى إزالة المنكرات وعمل المعروف بواسطة
التعليم، لا بواسطة الجبر والإلزام، وهذا هو الذي تدعيه الأمم الأوربية اليوم،
حيث يزعمون أن غرضهم من الفتوحات نشر المدنية وتهذيب الأمم المتوحشة.
وإذا أنكرنا صدقهم في هذه الدعوى، وجزمنا بأن الغرض الصحيح تحويل
مجاري الثروة من البلاد التي يفتحونها إلى بلادهم، وفتح أبواب الرزق لأممهم، فلا ننكر عليهم الاجتهاد في تخفيف مصائب الحروب والتباعد عنها ما وجدوا إلى ذلك
سبيلًا. والأصل الذي تعتمد عليه تلك الأمم في ذلك، وهو أساس مدنيتهم ودعامة
قوتهم: الاقتصاد وتوفير الثروة، ولذلك جعلوا وسيلة الفتوح الكبرى الشركات
التجارية التي تستولي على الأفكار والعقول بواسطة التربية والتعليم، ونشر لغات
أممهم وآدابها، وغيروا اسم الفتوح والتغلب فسموه استعمارًا، واكتفوا بالقبض على
زمام السلطة بالفعل، وأبقوا للأمراء الشرقيين ألقابهم الضخمة يتمتعون بها؛ ففي
الهند نحو من تسعين ملكًا ما بين: نواب (الأمير المسلم)، وراجا (الأمير الوثني)،
وليس لهم من الأمر شيء إلا ما ينفذون به إرادة الحكمدار الإنكليزي ويأتمرون
بأوامره (إلا قليلًا منهم) .
وتبارت تلك الأمم في الاستعمار، وانحدرت على الشرق انحدار الغيث
المدرار حتى لم يبق صقع من أصقاعه، ولا قطر من أقطاره إلا وتدفق عليه هذا
السيل المنهمر، فمنها ما أدركته بوادره، ولا ندري ماذا تكون أواخره، وبالجملة لم
تبق مدينة ولا قرية إلا وأصابها شيء من رشاشه، فإن لم يصبها وابل فطل، هذا
هو الاستعمار الذي هو منشأ جميع المشاكل السياسية الحاضرة، ومثار الخلاف بين
الأمم، ومولد الفتن بين الدول، وقد ذكرنا لك بعض هذه المشاكل، وإليك بيان
بعض آخر.
***
الهند
مستعمرة عظيمة شرع الإنكليز في تأسيسها عندما أحسوا بخيال الحرية يطوف في أذهان الأميركيين الذين استعمروهم من قبل، وعلموا أن التربية الصحيحة وتعلم
الفنون العقلية والعملية لا بد أن ينفخَ فيهم روح الثورة، فيهبوا إلى طلب الحرية
والاستقلال.
ولقد صدق الظن ووقع ما كانوا يحذرون واستغنوا بممالك الهند الفسيحة عن
ولايات أميركا التي اتحدت على محاربتهم، فتسنى لها الظفر عليهم واستقلت،
فسميت (الولايات)، وهم يحذرون اليوم من الهنود ما لاقوه من الأميركيين من قبل،
وإن كانت وسائل التربية عند هؤلاء ضعيفة، والعلوم لم تنشر إلى الدرجة التي
ينشأ عنها مثل تلك الأعمال التي صدرت من الأميركيين، لكن الأمة الإنكليزية
الحكيمة تبني حياطها على أسس الاحتياط، ولذلك عملت على إنشاء مستعمرة
عظيمة في إفريقية تستغني بها عن الهند إذا أتيح لها التفصي من عُقُلها، والتملص
من سلطتها بواسطة انتشار التعليم، أو بمساعدة دولة روسيا الطامعة فيها، ومع هذا
لم تأل جهدًا في سبيل المحافظة عليها، فقد جعلت لها السلطة على ترعة السوسي
التي هي طريق الهند بحرًا واكتفت بالسد المنيع الذي بينها وبين روسيا من جهة
الشمال، وهو الأمة الأفغانية التي لا تجهل روسيا قوتها ومنعتها، وحفظت بريطانيا
العظمى لهذه الإمارة الصغرى حقوق الجوار وساعدتها على تقوية بلادها بالمال
والرجال، وعقدت معها المحالفة، كما هو الشأن بين الأكفاء والأمثال.
ثم لما شعرت بدبيب الروس نحو تلك الحدود، حاولت امتلاك المضايق
وشعاب الجبال، والاستيلاء على جميع المراكز الحربية، وساعد الأمة على ذلك
قبض حزب المحافظين على زمام الحكومة، ومن سياسة هؤلاء توسيع دائرة السلطة
في كل آن، خلافًا لحزب الأحرار. وفي العام الماضي تحرشت العساكر الهندية
الإنكليزية بالقبائل المستقلة في الحدود الهندية الأفغانية ابتغاء إدخالها تحت الحماية
البريطانية، فنفرت تلك القبائل خفافًا وثقالًا، ودافعوا عن استقلالهم، واستنفروا مَنْ
في جوارهم من القبائل، واستفحل أمر الفتنة، وكانت الحرب سجالًا، بل دارت
الدائرة في الأكثر على الإنكليز، فجهزوا جيشًا عرمرمًا يربي على السبعين ألفًا،
فجاء الشتاء ولم يقووا معه على إطفاء نار الثورة، فأرجئوا الحرب إلى فصل الربيع.
ونادَى اللورد سالسبري رئيس الوزارة بعدم الحاجة إلى توسيع نطاق الملك،
وقالت التيمس بعد بحث طويل في حرب الحدود: إن إنكلترا لا تعوزها الأراضي
الآن، فيجب أن تغض الطرف عن المضايق التي تسعى لامتلاكها إلا مضيق خبير.
ثم قالت بعد: إن قبائل الإفريدس أولو قوة وأولو بأس شديد، وعندهم الأمانة، فإذا
وكل إليهم حراسة ذلك المضيق قاموا به أحسن قيام.
ولا يخفى أن هذه القبائل أشد الثائرين شكيمة، فقول التيمس ينبئ عن تعسر
إخضاع العصاة أو تعذره. وقد أعلن قائد الجيش الهندي أخيرًا أنه مستعد لإخضاعهم
بالقوة إذا لم يستسلموا بأنفسهم، ويتوقع إعادة الكرة قريبًا والله أعلم بمصير الأمور.
وقد منيت الهند في العام الماضي بالطاعون، وعاودها في هذه السنة، ففتك
فيها فتكًا ذريعًا. وهو الآن آخذ بالتناقص لذهاب البرد. وقد اتخذت الحكومة وسائل
صحية مخالفة لعادات أهل البلاد وتقاليدهم، فثار بعضهم على الحكومة، واعتصب
عمال المرافئ كلهم في الاحتجاج عليها، فراجعت الحكومة نفسها وأباحت أمورًا
كانت حظرتها، كما ترى في الأخبار التلغرافية [٢] .
***
كوبا
أما جزيرة كوبا فهي أكبر جزائر الأنتيل، وسكانها زهاء مليون ونصف،
وعاصمتها هافانا. وهي من مستعمرات الأسبان، وقد ثار سكان الجزيرة على
الأسبان يطلبون الحرية، فأرسلت إسبانيا الجنرال ويلر لإخضاعهم بعد إخضاعه
جزائر فيلبين في بحر الصين التي انتقضت عليها أيضا. فسلك الجنرال ويلر مع
الكوبيين مسلك القسوة والشدة، فازدادت نار الثورة احتدامًا. فأنفذت إسبانيا المرشال
بلانكو مكان الجنرال ويلر، فعامل الكوبيين أحسن معاملة، واضعًا السيف في
موضع السيف، والرفق في موضع الرفق، وقد أجاب طلب الكوبيين فأنالهم برضى
الحكومة الأسبانية حكومة مستقلة تتولى إدارة الجزيرة، ففرح الكوبيون وظن الناس
أن الثورة قد خمدت نارها، غير أن هذا الاستقلال الإداري لم يرق للجنة الثورة
التي في نيويورك، فإن غرض هذه اللجنة إنالة كوبا تمام الاستقلال، ويزعم
البعض أن للولايات المتحدة يدًا في تحريك تلك اللجنة حملًا لها على رفض ما
عرضته إسبانيا عليهم من الاستقلال الإداري طمعًا في تمام الاستقلال.
وزعمهم هذا مبني على رغبة أميركا في تحرير كل المستعمرات الأوروبية في
الأقطار الأميركية عملا بقانون مونرو. والمقصود من قانون مونرو قسمة الكرة
الأرضية إلى قسمين: تسوسه الممالك الأوربية فلا تمد إليه أميركا يدا، وقسم تسوسه
الولايات المتحدة فلا تمد له أوربا يدا. وبمقتضى هذا القانون يجب أن تتخلى
الدول الأوربية للولايات المتحدة عن جميع مستعمراتها في الأقطار الأميركية.
فأضرمت اللجنة المذكورة نار الثورة ثانية، فساد الهرج في عاصمة الجزيرة،
فأنفذت أميركا إلى مياه تلك العاصمة الدارعة (ماين)، وهي أضخم دوارعها،
فساء ذلك الحكومة الأسبانية، حيث حسبته عدوانًا أو تشديدًا لعزم الثائرين،
فأخبرتها حكومة الولايات أن القصد من إرسال الدراعة ماين إلى هافانا حماية
رعية الولايات المتحدة وتودد للأمة الأسبانية. فأجابتها إسبانيا: وأنا أيضًا سأنفذ
إحدى دوارعي إلى مياه نيويورك توددًا للأمة الأميركية.
ثم أخلد الثائرون إلى الاستكانة، فهدأت الخواطر، وشهدت الصحف الأوروبية أن الدولة الأسبانية قد صنعت كل ما يمكنها صنعه، ومنحت الثائرين مع انتصارها
عليهم فوق ما كانوا يطلبون. غير أنه لم يطل وقت السكينة حتى نشرت لجنة
الثورة في نيويورك كتابًا خصوصيًّا كتبه سفير إسبانيا في واشنطون وسرقه أحد
الكوبيين، وقد جاء في الكتاب ما خلاصته: إن رئيس الولايات المتحدة يعد في
السياسة من الطبقة السفلى، وهمته في استرضاء رعاع الأميركان. فأكبرت
الولايات المتحدة هذا الكتاب، وطلبت عزل السفير إلا أن السفير كان قد قدم
استعفاءه عندما علم بنشر الكتاب.
ولم تكد تسكن الخواطر إثر هذا الحادث حتى تلاه حادث أقام الأمة الأميركية
وأقعدها، وهو انفجار الدارعة ماين انفجارًا ذهب بها في لحظة إلى قاع البحر،
فقتل من بحارتها زهاء المائتين، ولم يسلم منهم غير القليل.
وحسب الأميركان أن الانفجار كان مسببًا عن نسف خارجي أقدم عليه الأسبان
تشفيًا وانتقامًا، فقامت الجرائد تثير خواطر الأمة، وثارت الأمة تطلب الحرب،
فأنفذت الحكومة الأميركية إلى موضع الانفجار لجنة لتحقيق تلك الحادثة المحزنة.
فوصلت اللجنة إلى موضع الحادثة، وشرعت في التحقيق وهي تكتم ما تتحققه كل
الكتمان إلى أن تقدم باكتشافاتها تقريرًا مفصلًا.
على أن الدولة الأميركية تجد في الاستعداد للحرب، فاضطرت إسبانيا إلى
مجاراتها في ذلك الاستعداد. وقد قررت الحكومة الأميركية خمسين ألف ألف دولار للدفاع، وابتاعت طرادين، وحصنت القلاع والحصون التي على الشطوط،
وحشرت عليها نحو مائة ألف من الجنود. وقد نقل البرق في هذا الاسبوع أن
إسبانيا أبلغت أميركا أن الحرب لمثل تلك الأسباب جناية على الإنسانية.
وقد أرسلت إسبانيا من قبلها لجنة لتحقيق حادثة الدارعة ماين، فقررت
اللجنة الأسبانية المذكورة أن الانفجار كان من الداخل لا من الخارج، وستتمسك
إسبانيا بذلك على ما روته الرسائل البرقية. على أن جميع العالم المتمدن في
انتظار تقرير اللجنة الأميركية. فإن جاء فيه أن الدارعة ماين نسفت من الخارج
بخيانة شبت نار الحرب بين الأمتين، وإن جاء فيه أن الانفجار كان عرضًا بقيت
كأس السلم صافية، والله أعلم.
(١) راجع ص ٤٥٥ من المجلد ٤ و٢٩٧ من ٦ و٧٦٨ من ٧ و٨٦٥ من ٩.
(٢) لم ننشر الأخبار التلغرافية في هذه الطبعة لعدم الحاجة إليها.
1 / 46
الكاتب: محمد رشيد رضا
اليهود في فرنسا وفي مصر
قبل أن يلبَس بونابرت تاج الإمبراطورية كانت حجته القوية لدى الشعب
الفرنساوي: دفاعه عن الحرية العمومية، وخدمة المبادئ الجمهورية. غير أنه بعد
ارتقائه العرش الإمبراطوري لم يألُ جهدًا في محو تلك الحرية، ودوس تلك المبادئ
الدستورية.
وهذا شأن الإنسان في كل آن، يطلب الحرية مرءوسًا، ويكرهها رئيسًا،
يستنجد العدالة مظلومًا، وينبذها ظالمًا، إلا مَن وفقه الله وقليل ما هم.
لقد شاعت أنباء المشاكل السياسية الداخلية التي قامت في فرنسا إثر
مسألة دريفوس، وقضية زولا، وما قاساه اليهود فيها من الإهانة والاضطهاد
وسوء المعاملة، ولا يحسب القراء أن هذا الاضطهاد قد نشأ عن تعصب ديني في
الأمة الفرنسوية، وكيف وهي أقرب إلى وهن العقيدة منها إلى التعصب الذي مثاره
الغلوّ في الدين. أما مصدر هذا الاضطهاد: فالتعصب الجنسي والحسد الذميم،
أثارهما في صدور الأمة فئة من أرباب الجرائد المعادين لليهود الطامعين بما في
أيديهم من خزائن الأموال.
على أن تلك الحوادث القبيحة لو جرى مثلها بين الشرقيين لطبق السماءَ
صراخُ تلك الجرائد، وسلقت الشرقيين وآدابهم بألسنة حداد، وأقلام أنفذ من السهام.
بل لو كانت تلك الجرائد في بلاد تكون فيها ضعيفة الجانب ضعف اليهود
في فرنسا - لكانت أسرع الناس طلبًا للحرية المطلقة، والعدالة العامة للبشر
على اختلاف أجناسهم، وهذا معنى قولنا: يستنجد الإنسان بالعدالة مظلومًا وينبذها
ظالمًا.
ومن الغريب أن داء الجرائد الإفرنسية قد سرى إلى بعض الجرائد المصرية.
فقامت تُصْلِي اليهود نارًا حامية، وتأخذ عليهم في مهارتهم في الكسب، وتفننهم
في أساليب الربح، أما نحن فرأينا أن الحرية العمومية ليست مختصة بفريق دون
فريق. فإن التمدن الصحيح، والعدالة الحقيقة يفرضان المساواة المطلقة بين جميع
بني الإنسان في المنافع العمومية. والعمل والكسب بالطرق الشرعية فضيلة من
الفضائل الاجتماعية وللإنسان أن يعمل ويربح بالطرق المشروعة ما استطاع إلى ذلك
سبيلًا، ومن يعترضه في ذلك فقد اعترض مبدأ الحرية العمومية.
ولذلك لا ترى عاقلًا من عقلاء الأمة الإفرنسية راضيًا عما نال اليهود في
فرنسا من الاضطهاد قديمًا وحديثًا. وقد سمى ذلك بعض كبار فلاسفتهم مرضًا من
الأمراض العارضة، وأمل ذهابه بتقدم المدنية والآداب العمومية.
فالمأمول أن لا يُدْخِل الكُتّاب في هيئتنا الشرقية عاملًا جديدًا للنزاع والشقاق،
فحسبنا ما لدينا من تلك العوامل القبيحة، وإنا الآن أحوج إلى عوامل الاتفاق منا إلى
عوامل الشقاق.
وعسى أن يستفيد إخواننا الشرقيون - لا سيما المسلمون منهم - بما نقصّ
عليهم من أحوال الأمم ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾ (غافر: ١٣) .
اهـ ما اخترناه من العدد الثاني.
1 / 53