Manaqib Shafici

مناقب الشافعي للبيهقي

Enquêteur

السيد أحمد صقر

Maison d'édition

مكتبة دار التراث

Édition

الأولى

Année de publication

١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م

Lieu d'édition

القاهرة

Régions
Iran
•
Empires & Eras
Seldjoukides
مناقب الشافعي
لأبي بكر أحمَد بْن الحُسَيْن البَيْهَقِي
٣٨٤ - ٤٥٨
تحقيق
السيد أحمد صقر
الجزء الأول
مكتبة دار التراث
٢٢ شارع الجمهورية - القاهرة

المقدمة / 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ • الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ • الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ • مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ • إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ • اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ • صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ

المقدمة / 3

بسم الله الرحمن الرحيم
شغف البيهقي بسنة النبي ﷺ، وأنفق حياته في تحصيلها ودرسها وإيصالها نقية بيضاء إلى أبناء الإسلام الذين افترض عليهم ربهم أن يأخذوا ما آتاهم الرسول، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، والذين أمرهم رسولهم الكريم أن يبلغوا عنه مقالته إلى من بعدهم لتكون كلمة الله وكلمة رسوله باقية على وجه الزمان؛ تنير للمسلمين سبيلهم، وتدير على الحق أعمالهم وأقوالهم، وتجمع قلوبهم على عبادة من خلقهم ورضى لهم الاسلام دين عزة وسعادة في الدنيا والآخرة.
* * *
وقد دفعه هذا الشغف العظيم إلى العناية بآثار الشافعي: ناصر السنة، ومؤسس فقهها، وفاتح أقفالها، والذي شهد له أعلام العلماء بأنهم ما عرفوا فقه السنَّة إلا بعد أن استخرج مكنونها، واستنبط فنونها، وجلّى دقائقها ببيانه المشرق المتين، وأسلوبه الجزل الرصين.
وما كانت عناية البيهقي بآثار الشافعي وليدة الخطرة العابرة، والفكرة السائرة، والنظرة الطائرة، بل كانت وليدة التأمل الوثيق، والتفكر العميق، والاعتبار الدقيق، والمقايسة بين ما كتبه أعلام الأئمة الذين قاموا بعلم الشريعة، وبنوا مذاهبهم على مبلغ علمهم من كتاب الله، وسنة رسول الله.
وقد انتهت تلك المقايسة بالبيهقي إلى عرفانه أن الشافعي أكثر الأئمة اتباعا، وأقواهم احتجاجا، وأصحهم قياسا، وأبينهم بيانا، وأفصحهم لسانا،

المقدمة / 7

وأوضحهم إرشادا فيما صنف من كتب في الأصول والفروع جميعا.
ولما فرغ البيهقي من تصنيف مصنفاته في السنة ألَّف كتابا عن منشئ السنة وهو كتاب «دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة ﷺ».
ولما انتهى من ترتيب كتب الشافعي وتصنيفها وتخريج أحاديثها رأي كذلك أن يخص الشافعي بكتاب، وقوَّى من عزمه أن بعض أصحابه اقترح عليه تأليف هذا الكتاب، وفي ذلك يقول: «وقد سألني بعض أصحابنا من أهل العلم والبصيرة أن أجمع كتابا مشتملا على ذكر مولد الشافعي ونسبه، وتعلمه، وتعليمه، وتصرفه في العلم، وتصانيفه، واعتراف علماء دهره بفضله، وما يستدل به على كمال عقله، وزهده في الدنيا، وورعه، واشتهاره بخصال الخير ومكارم الأخلاق - في وقته وبعد وفاته - فأجبته إلى مسألته؛ اقتصارًا مني في ذكر معرفته بالفقه، وحسن مناظرته على تسمية تصانيفه، وطرف من حكاياته دون ذكر كيفية تصرفه؛ فإن العلم به إنما يقع بالنظر في كتبه المصنفة في أصول الفقه ثم في «المبسوط» المردود إلى ترتيب المختصر، ثم في «السنن» حتى خرجتها على مسائل «المبسوط» في مائتي جزء وأكثر، ثم بالنظر في كتاب «معرفة السنن والآثار» والذي أوردت فيه كلام الشافعي على الأخبار، بالجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل في سبعين جزءا، ثم في كتاب «المدخل» المخرج على أصوله.
فيستدل بذلك على صحة أصول الشافعي، وحسن بنائه الفروع عليها، موافقا لشريعة المصطفى في اتباع الكتاب، والسنة، والإجماع، وآثار

المقدمة / 8

الصحابة، والقياس على ما ثبت بأحد هذه الأصول.
وقد اعترف البيهقي بأنه قد سبق إلى التأليف في هذا الموضوع حيث يقول:
«وقد صنف جماعة من أهل العلم في فضل الشافعي، ومناقبه كتبا مشتمله على ذكر ما نقل إليهم من أحواله الجميلة، وأقواله الحسنة، وأفعاله المحمودة، وما خص به من الجمع بين علم الأصول والفروع في أحكام الشريعة، ومشاركة غيره في سائر أنواع العلوم».
ولم يكن البيهقي في حديثه هذا بسبيل ذكرها وذكر أصحابها، ولكنه كان يريد الاستشهاد بما ذكره على صحة جواز أن يكون الشافعي هو المراد بحديث عالم قريش؛ لأن الشافعي كما قال: «قد صنَّف الكتب، وفتق العلم، وشرح الأصول والفروع، وعلا في الذكر بما ألف وشرح، وفتح الله على لسانه العلم الكثير، ومر في آذان السامعين، ووعته القلوب، فازداد على مر الأيام حسنا وبيانا».
ولكن البيهقي قد ذكر في ثنايا الكتاب: الكتب المصنفة في فضائل الشافعي التي روى عنها أو قرأها، وهي:
(١) كتاب أبي سليمان: داود بن علي الأصفهاني، إمام أهل الظاهر (٢٠١ - ٢٧٠)
(٢) كتاب أبي عبد الله: محمد بن إبراهيم البوشنجي، الملكي (٢٠٤ - ٢٩٠)
(٣) كتاب أبي يحيى: زكريا بن يحيى الساجي المتوفى سنة ٣٠٧
(٤) كتاب أبي محمد: عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢٤٠ - ٣٢٧)

المقدمة / 9

(٥) كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين الآبري العاصمي المتوفى سنة ٣٦٣
قال السبكي عنه: وهو كتاب حافل رتبه على أربعة وسبعين بابا.
(٦) كتاب الصاحب بن عباد (٣٢٦ - ٣٨٠)
(٧) كتاب أبي منصور: محمد بن عبد الله بن حمشاذ (٣١٦ - ٣٨٨)
(٨) كتاب أبي بكر: محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني المتوفى سنة ٣٨٨
(٩) كتاب الحاكم النيسابوري أبي عبد الله محمد بن عبد الله، المعروف بابن البيِّع، قال عنه ابن السبكي: وهو مصنف جامع (٣٢١ - ٤٠٥)
(١٠) كتاب أبي القاسم: حمزة بن يوسف السهمي المتوفى سنة ٤٢٧)
(١١) كتاب أبي نعيم: أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني المتوفى سنة ٤٣٠
وقد ألّف في مناقب الشافعي قبل البيهقي أو في عصره كثير من العلماء - عدا هؤلاء، لكن لم يشر إليهم البيهقي في هذا الكتاب ومنهم:
(١) أبو حاتم: محمد بن حبان البستي صاحب الصحيح (المتوفى سنة ٣٥٤)
(٢) أبو علي: الحسن بن الحسين بن حمكان الأصبهاني (المتوفى سنة ٤٥٠)
(٣) أبو عبد الله: محمد بن أحمد شاكر القطان (المتوفى سنة ٤٠٧)
(٤) إسماعيل بن محمد السرخسي القراب (المتوفى سنة ٤١٤)
(٥) أبو منصور: عبد القاهر بن طاهر البغدادي (المتوفى سنة ٤٢٨)
(٦) أبو عبد الله: محمد بن سلامة المصري (المتوفى سنة ٤٥٤)
وقد ألف أبو الحسين: محمد بن عبد الله الرازي (المتوفى سنة ٣٤٧) والد تمام الرازي (٣٣٠ - ٤١٤) كتابا مستقلا فيمن روى عن الشافعي،

المقدمة / 10

ولكن البيهقي لم ينقل عنه، وإنما نقل عن كتاب «أسامي من روى عن الشافعي» للدارقطني.
* * *
بدأ البيهقي كتابه ببيان فضل أهل الحديث، وأنهم الطائفة القائمة على إحقاق الحق حتى تقوم الساعة، كما وعد رسول الله، ﷺ.
ثم تحدث عن فضل قريش وما جاء في تخصيصها بالتقديم والاتباع، وأن الشافعي هو المشار إليه بحديث النبي، ﷺ: أن عالم قريش يملأ طبق الأرض علما.
ثم تحدث عما جاء في تخصيص بني هاشم بالاصطفاء وبني عبد المطلب الذين ينتمي إليهم الشافعي، وتفضيل أهل اليمن بالإيمان، والفقه، والحكمة.
ثم فصل القول في حديث: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» وتأويل بعض العلماء لهذا الحديث بأن الذي جاء على رأس المائة الثانية هو الشافعي.
ثم نقد البيهقي العلماء الذين ظفروا بالوجاهة والثروة عند الرؤساء، ونالوا من الشافعي، ورمَوْه بأنه كان قليل العلم بالكتاب، وأنه لم يكن من أهل الاجتهاد، وأعقبه بالحديث عمن آذى قرابة الرسول أو أراد هوانهم، ثم بين سبب تأليفه للكتاب.
وتحدث بعد ذلك عن مولد الشافعي، ومكان ولادته ونسبه، وأفاض القول في ذلك إضافة شافية مقنعة.
ثم تحدث عن تعليم الشافعي، وما روي في اشتغاله بتعلم الأدب والشعر وعن رحلته وهو ابن ثلاث عشرة سنة إلى مالك بن أنس بالمدينة.
ثم بين خروج الشافعي إلى اليمن وولايته بعض أعمالها، ومقامه فيها حتى

المقدمة / 11

اتهم بالاشتراك في مؤامرة بعض العلويين بها، وحمله إلى الرشيد وحبسه ببغداد، وما كان بينهما من محاورات ومراجعات انتهت بعفو الرشيد عنه، وإكرامه له.
ثم أسهب في بيان المناظرات الرائعة، والمحاورات العلمية الشائقة، التي جرت بين الشافعي وبين محمد بن الحسن الحنفي في مجلس الرشيد، وفي غيره من المجالس بمدينة بغداد ومدينة الرقة، وأن الرشيد كُتِبَ له بخبر تلك المناظرات التي ظهر فيها الشافعي على محمد، وقطع حجته، وطبع على فمه بخاتم الصمت، فأعجب الرشيد بموقف الشافعي الهاشمي، وقال: «وما يُنكَر لرجل من عبد مناف أن يقطع محمد بن الحسن؟» وأمر له بجائزة، ورغب إليه في أن يلازمه كما رغب إليه المأمون في ذلك.
ثم بين مكانة الشافعي عند الرشيد والمأمون، وعودة الصفاء والإخاء بين الشافعي ومحمد بن الحسن، وكتابة الشافعي لكتب محمد، وتأليف الكتاب البغدادي للرد على الأحناف، ورأى الشافعي وغيره في أبي حنيفة وأصحابه.
ثم تحدث عن صحة نية الشافعي، وقصده الجميل في تأليفه لكتبه، وحسن مناظرته لمن خالفه، وغلبته كُلَّ من ناظرة بالعلم والبيان، وذكر نماذج رائعة من تلك المناظرات.
وخلص من هذا إلى الحديث عن دخول الشافعي العراق أيام المأمون للتدريس والتعليم. ثم تحدث عن سبب تصنيف الشافعي لكتاب «الرسالة القديمة» ثم في ذهاب الشافعي إلى مصر، وتصنيفه بها الكتب المصرية الجديدة. وذكر البيهقي في صدر هذا أن الربيع بن سليمان لقيه بمدينة «نصيبين» قبل أن

المقدمة / 12

يدخل مصر، وقال عنه: كان الشافعي يعمل الباب من العلم ثم يقول: يا جارية قومي إلى القَدّاح فتقوم، فتسرج له، فيكتب ما يحتاج أن يكتبه ويرسمه في موضعه، ثم يطفئ السراج ويستقي على ظهره فيعمل الباب من العلم.
. . . وهكذا، فقلت له: يا أبا عبد الله، لو تركت السراج يَقِدُ؛ فإن هذه الجارية منك في جهد، فقال: إن السراج يشغل قلبي.
وقال لي يوما: كيف تركت أهل مصر؟
فقلت: تركتهم على ضربين: فرقة منهم قد مالت إلى قول مالك، وأخذت به، واعتمدت عليه، وذبت عنه وناضلت. وفرقة قد مالت إلى قول أبي حنيفة، فأخذت به، وناضلت عنه.
فقال الشافعي: أرجو أن أقدم مصر - إن شاء الله - وآتيهم بشيء وأشغلهم به عن القولين جميعا.
قال الربيع: ففعل ذلك - والله - حين دخل مصر.
ثم روى البيهقي عن بحر بن نصر الخولاني أنه قال:
قدم الشافعي من الحجاز، فبقى بمصر أربع سنين، ووضع هذه الكتب في أربع سنين. . وكان يضع الكتب بين يديه ويصنّف، فإذا ارتفع له كتاب جاء صديق له يقال له: «ابن هرم» فيكتب، ويقرأ عليه «البويطي» وجميع من يحضر يسمع في «كتاب ابن هرم» ثم ينسخونه بعد. وكان «الربيع» على حوائج الناس فربما غاب في حاجة، فيعلّم له؛ فإذا رجع قرأ الربيع عليه ما فاته.
ثم عقد بابا عظيما ذكر فيه عدد ما وصل إليه من مصنفات الشافعي؛ فذكر في الكتب التي تجمع الأصول وتدل على الفروع ثلاثة عشر كتابا، ثم قال:

المقدمة / 13

«ومن الكتب التي هي مصنفة في الفروع وهي التي تعرف «بالأم» في الطهارات: كتاب الوضوء والتيمم. . إلخ وفي الصلوات والزكوات والصيام، والحج، والمعاملات، والإجارات، والعطايا، والوصايا، والفرائض وغيرها، والأنكحة، والجراح، والحدود، والسير والجهاد، والأطعمة والقضايا والعتق وغيره.
وذكر تحت كل عنوان من هذه العناوين الكتب التي ألفها الشافعي فيها، ثم قال: «فذلك مائة ونيف وأربعون كتابا».
وهذا الباب من أهم أبواب الكتاب؛ لأنه بين فيه الكتب الأخرى - عدا ما سبق - والتي أملاها على أصحابه ورواها عنه الربيع بن سليمان المرادي، وبين الكتب التي لم يسمعها الربيع من الشافعي، والتي يقول فيها: «قال الشافعي ﵀. كما بين فيه كتب الشافعي التي ألفها في القديم، ورواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني، والكتب التي أعاد تصنيفها في الجديد، والكتب التي أمر بتمزيقها، لتغير اجتهاده فيها، والكتب الأخرى التي رواها عنه الحسين الكرابيسي، وأحمد بن يحيى الشافعي البغدادي: أبو ثور، وأحمد ابن حنبل، والحميدي، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وابن مقلاص، والربيع بن سليمان الجيزي - وهو غير المرادي - والحارث ابن سريج النقَّال، والحسين الفلاس، وبحر بن نصر، وغيرهم.
ومن أجمل ما في هذا الباب قول الشافعي: «ألّفت هذه الكتب واستفرغت فيها مجهودي، ووددت أن يتعلّمها الناس ولا تُنْسَبَ إليّ».

المقدمة / 14