Majmucat Ajza

مجموعة أجزاء حديثية مسألة سبحان

Maison d'édition

دار الخراز،السعودية،دار ابن حزم

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Lieu d'édition

بيروت - لبنان

Genres
parts
•
Régions
Irak
•
بِسْمِ اللَّهِ الرَحْمَنِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَكَتَبْتُهُ مِنْ أَصْلِهِ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَثَلَاثِمَائَةٍ، وَأَنَا حَاضِرٌ أَسْمَعُ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُوَفِّقِ لِطَاعَتِهِ وَأَدَاءِ أَمَانَتِهِ، وَالْإِيمَانِ بِوَحْيِهِ وَآيَاتِهِ، وَتَصْدِيقِ أَنْبِيَائِهِ وَأَنْبَائِهِ، مَنْ سَبَقَتْ لَهُ فِي عِلْمِهِ الرَّحْمَةُ مِنَّةً مِنْهُ وَفَضْلًا ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وْالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَهَادِي الْمُهْتَدِينَ، وَخِيرَةِ رِبِّ الْعَالَمِينَ، نَمَى إِلَيَّ خَبَرُ مَجْلِسٍ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْقُرَّاءِ وَحَمَلَةِ الْعِلْمِ، فَتَذَاكَرُوا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [المؤمنون: ٩١] وَخَاضُوا فِي ذَلِكَ خَوْضًا لَمْ يَبْلُغُوا فِيهِ النِّهَايَةِ الَّتِي تُشْفِي صَدْرَ السَّامِعِ، وَتُلْحِقُ بِالْمَتْبُوعِ التَّابِعَ، وَأَنَا أُبَيِّنُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ، وَأَسْتَعِينُ بِاللَّهِ، فَأَوَّلُ ذَلِكَ: قَوْلُهُ لِلْمَلَائِكَةِ حِيَنَ سَأَلَهُمُ اللَّهُ ﷿ عَنِ الْأَسْمَاءِ؛ لِيُرِيَهُمْ أَنَّهُ قَدْ خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ تَبَارَكَ وتَعَاَلَى: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] فَقَدْ عَلِمُ اللَّهُ ﷿ أَنُّهُ لَا عِلْمَ لِهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَاهُمُ الْعَجْزَ، وَأَنَّهُ قَدْ عَلَّمَ ذَلكَ آدَمَ ﷺ، فَقَالُوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] أَيْ تَنْزِيهًا لَكَ أَنْ يَكُونَ فِي خَلْقِكَ مَنْ يَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلِمْتَهُ قَبْلَهُ، ثُمَّ عَلَّمْتَهُ إِيَّاهُ، أَوْ أَنْ يَعْلَمَ كَوْنَ مُحْدَثٍ إِلَّا بِإِعْلَامِكَ إِيَّاهُ

1 / 379

وَمَعْنَى «سُبْحَانَ»: التَّنْزِيهُ، وَالتَّعْظِيمُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَالْإِبْعَادُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] أَيْ بَعِيدٌ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ﷿، وَتَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنْهُ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَنْ هَذَا، أَيْ: بَرَّأْتُهُ مِنْ هَذَا بَرَاءَةً، َوَنَزَّهْتُهُ تَنْزِيهًا، ثُمَّ جُعِلَتْ «سُبْحَانَ» مَكَانَ ذَلِكَ، فَهِيَ مَنْصُوبَةٌُ عَلَى الْمَصْدَرِ، فَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْشَى:
أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاجِرِ
فَنَصَبَ «سُبْحَانَ» غَيْرَ مُنَوِّنٍ، لَأَنَّهُ نَوَى الْإِضَافَةَ، فَالْمَعْنَى: تَنْزِيهًا لِلْفَخْرِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلْقَمَةُ مِنْ أَهْلِهِ،

1 / 380

وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقُدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَقَوْلُهُمْ «نُسَبِّحُ» أَيْ نُنَزِّهُكَ وَنُبَاعِدُ عَنْكَ مَا وُصِفْتَ بِهِ مِنْ خِلَافِ صِفَاتِكَ، وَقَوْلُهُ: «بِحَمْدِكَ» أَيْ بِرِضَاكَ، وَرِضَانَا بِذَلِكَ، وَالتَّقْدِيسُ: التَّطْهِيرُ، وَبِهَذَا سُمِّيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، أَيْ بَيْتَ الطَّهَارَةِ. وَبِهَذَا سُمِّيَ جِبْرِيلُ ﵇: رُوحَ الْقُدُسِ، أَيْ رُوحَ الطَّهَارَةِ، قاَلَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
أَمِينَاهُ رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ مِنْهُمْ ... وَمِيكَالُ ذُو الْوَحْيِ الْقَوِيِّ الْمُسَدَّدِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [يونس: ٦٨] أَيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] الْقُنُوتُ: الطَّاعَةُ فَالْمَعْنَىَ: تَنْزِيهًا لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا مَمْلُوكًا لَهُ، لَيْسَ فِيهِمْ وَلَدٌ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٢] فَالصَّمَدُ: الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْأُمُورِ، لَا نِهَايَةَ بَعْدَهُ، وَهَذَا كَلَامُ الْعَرَبِ، قَالَ أَوْسُ بُنْ حُجْرٍ:
أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بَخَيْرَيْ بَنِي أَسَدِ ... بَعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وِبِالسَّيِّدِ الصَمَدِ،

1 / 381

فَهَذَا كَلَامُ الْعَرَبِ، وَقَدْ قِيلَ: الصَّمَدُ: الَّذِي لَا يَطْعَمُ، فَهَذِهِ السُّورَةُ صِفَةُ اللَّهِ ﷿، أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ التَّوْحِيدَ، وَأَنَّهُ بِخَلَافِ خَلْقِهِ، كُلٌُّ وَالِدٍ وَمَوْلُودٍ وَفِيهِمُ الْأَكْفَاءُ، أَيِ النُّظَرَاءُ، وُكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ لَائِقٍ بِصَفَاتِ اللَّهُ ﷿، قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
هُمْ أَنْكَحُوا قَبْلِي لَبِيدًا وَأَنْكَحُوا ... ضِرَارًا وَهُمْ أَكْفَاؤُنَا فِي الْمَنَاصِبِ
وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] أَيْ تَنْزِيهًا لَكَ عَمَّنْ زَعَمَ أَنَّ خَالِقًا سِوَاكَ، فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ إِيمَانًا بِذَلِكَ وَتَصْدِيقًا، إِذْ كَانَ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ وَيُسَبِّحُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَنَحْنُ نُسَبِّحُ وَنُصَدِّقُ، فَقِنَا مَا تَلُومُ غَيْرَنَا، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] أَيْ: مَا خَلَقْتُ ذَلِكَ إِلَّا لِآمُرَ وأَنْهَى وَأُثِيبَ وَأُعَاقِبَ، وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] أَيْ تَنْزِيهًا لَهُ عْنْ ذَلِكَ،

1 / 382

وَنَحْوٌ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ: «اللَّهُ أَكْبَرُ»، أَيْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ عَظِيمٍ. وَكَذَلِكَ مَعْنَى «سُبْحَانَ» أَيْ كُلُّ صِفَةٍ دُونَ صِفَاتِهِ، وَبَعِيدٌ مِنْهُ غَيْرُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ عِيسَى ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] أَيْ سُبْحَانَكَ عَمَّا قَالَهُ هَؤُلَاءِ، حِينَ قَالُوا: إِنَّ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَهٌ، وَأَنَّهُ وَلَدٌ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيوُبِ﴾ [المائدة: ١١٦] أَيْ لَمْ أَقُلْهُ، وَلَوْ قُلْتُهُ لَكُنْتَ عَلِمْتَهُ، أَيْ لَمْ أَقُلْهُ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلِهُ: ﴿أَتًُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ بِمَا لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَعَلِمَهُ، وَإِنَّمَا النَّفْيُ لِمَا قَالُوهُ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: مَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يَنْفِي الْكَوْنَ، أَيْ لَوْ كَانَ لَعَلِمَهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] أَيْ تَعْلَمُ مَا أُخْفِي وَلَا أَعْلَمُ مَا أَخْفَيْتَهُ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَّفَيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٍ﴾ [المائدة: ١١٧] وَقَدْ أَحْكَمْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ «الشِّهَادَاتِ»، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [

1 / 383

الأنعام: ١٠٠] أَيْ عَمَّا يَصِفُونَ مِنَ الْكَذِبِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] أَيْ كَذِبَهُمْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فَالْمَعْنَى: تَنْزِيهًا لَكَ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مَا أَرَدْتَهُ مِنْ أَنْ أَرَاكَ أَوْ أَنْ تَمْنَعَنِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا طَمِعَ مُوسَى ﵇ فِي رُؤْيَةِ رَبِّهِ حِينَ كَلَّمَهُ، فَسَأَلَ مَا يَجُوزُ عِنْدَهُ، وَلَمْ يُعَنِّفْهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فَلَمْ يَيْأَسْ مُوسَى ﵇ مِنَ الرُّؤْيَا، حَتَى رَأَى الْجَبَلَ قَدْ صَارَ دَكًّا، وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقِرَّ الْجَبَلُ وَأَنْ يَرَى رَبَّهُ، فَلَمَّا مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أَيْ رَجَعْتُ عَمَّا كُنْتُ سَأَلْتُ، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أَيْ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِمَا تُوحِيهِ إِلَيَّ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ هُمْ أَوَّلُ أُمَمِهِمْ إِيمَانًا حِينَ يَأْتِيهِمُ الْوَحْيُ، ثُمَّ يُبَلِّغُونَ، فَيُؤْمِنُ مَنْ يُؤْمِنُ، وَيَكْفُرُ مَنْ يَكْفُرُ، وَذَلِكَ مُتَقَدِّمٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ ﷿، وَغَيْبِهُ، مَطْوِيٌّ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّارِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾، أَيْ خُذْهُ أَخْذَ الْقَابِلِ لَهُ، وَالْعَامِلِ بِهِ، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لِمَا آتَيْتُكَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] أَيْ: يُنَزِّهُونَهُ بِأَسْمَائِهِ، وَيَسْجُدُونَ لَهُ،

1 / 384

وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ: ﴿دَعَوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللُّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] أَيْ هُمْ فِي الْجَنَّةِ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمَّا نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ، كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا، ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلِّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، رِضًا بِمَا أَعْطَوْهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵎: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]
١ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ عِرْفَانَ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ⦗٣٨٦⦘. وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وَ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨]، كُلُّ ذَلِكَ أَصْلُهُ مَا وَصَفْتُهُ لَكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١]، أَيْ نَزِّهِ اسْمَهُ عَنْ غَيْرِ مَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]، أَيْ ادْعُهُ بِأَسْمَائِهِ، فَنَزِّهْهُ بِهَا عَمَّا قَالَهُ الْمُخَالِفُونَ. وَكُلُّ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]، وَ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١]، فَمَعْنَاهُ كُلُّهُ: نَزِّهْهُ، وَعَظِّمْهُ مِنْ غَيْرِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ. وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، أَيْ كُلٌّ يُنَزِّهُهُ وَيُعَظِّمُهُ بِأَسْمَائِهِ، وَأَسْمَاءُ اللَّهِ صِفَاتٌ لَهُ، وَصِفَاتُ اللَّهِ مَدْحٌ. وَكُلُّ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ ⦗٣٨٧⦘ فَقَدْ أَطَاعَهُ، إِذَا وَصَفَهُ بِصِفَتِهِ الَّتِي رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ وَنَفَى سِوَاهَا عَنْهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلِهِ فِي الْحِجْرِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]، وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ النَّمْلِ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]، أَيْ تَعْظِيمًا لَهُ، وَتَنْزِيهًا عَنْ إِشْرَاكِهِمْ بِهِ. وَلَسْتَ تَرَى ذِكْرَ ﴿سُبْحَانَ﴾ [الإسراء: ١] فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ إِلَّا وَمَعَهَا إِثْبَاتٌ وَنَفْيٌ، فَالْإِثْبَاتُ لِأَسْمَائِهِ الَّتِي هِيَ صِفَاتِهِ، وَالنَّفْيُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ. كَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ [النحل: ٥٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، أَيْ تَنْزِيهًا لَهُ، وَتَعْظِيمًا عَنْ قَوْلِ الْمُكَذِّبِينَ بِأَنْبَائِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، فَهَذَا إِثْبَاتٌ مِنْهُ عَزَّ وَعَلَا التَّسْبِيحَ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ لَا يَفْقَهُ تَسْبِيحَهُمْ إِلَّا هُوَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُعَلِّمَ بَعْضَ خَلْقِهِ بَعْضَ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ عَلَّمَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦]، فَهَذَا مِمَّا لَا يَفْقَهُهُ خَلْقُهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُعَلِّمَهُ إِنْسَانًا عَلَّمَهُ

1 / 385

٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خُزَيْمَةَ الْعَابِدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ كَعْبٍ ⦗٣٨٨⦘ قَالَ: " صِيَاحُ الدُّرَّاجِ فِي السَّمَاءِ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى "

1 / 387

٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ قَالَ: " مَرَّ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵇ بِدِيكٍ يَصِيحُ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ هَذَا الدِّيكُ؟ يَقُولُ: يَا غَافِلِينَ اذْكُرُوا اللَّهَ ". وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥]، فَهَذَا مَعَ قِصَّةِ عِيسَى ﵇، وَمَا ادُّعِيَ فِي أَمْرِهِ مِمَّا نَفَاهُ اللَّهُ. وَقَوْلِهِ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، أَيْ اذْكُرُوا اللَّهَ بِأَسْمَائِهِ. وَالْوَحْيُ هَاهُنَا، إِنَّمَا هُوَ إِعْلَامٌ مِنْ زَكَرِيَّا، وَقَدْ ⦗٣٨٩⦘ ضُرِبَ عَلَى لِسَانِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، وَالرَّمْزُ: الْإِيمَاءُ، وَالْحَرَكَةُ. قَالَ جَرِيرٌ:
[البحر الكامل]
أَمْسَى يُرَمِّزُ حَاجِبَيْهِ كَأَنَّهُ ... ذِيخٌ لَهُ بِقَصِيمَتَيْنِ وَجَارٌ
الذِّيخُ: ذَكَرُ الضَّبُعِ. فَالْإِيحَاءُ هَاهُنَا فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا: إِعْلَامٌ بِغَيْرِ كَلَامٍ. وَقَدْ حُكِيَ أَنَّهُ خَطَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَلَعَمْرِي مَا تَمْنَعُ اللُّغَةُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَهُمْ بِأَيِّ جِنْسٍ كَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ. قَالَ النَّجَاشِيُّ:
[البحر الطويل]
يَخْطُطْنَ بِالْبَطْحَاءِ وَحْيًا عَلِمْنَهُ ... عَلَى أَنَّهُ أَعْيَا عَلَى كُلِّ كَاتِبِ
وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ طه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠]، يُوصِيهِ بِالْأَوْقَاتِ: ابْتِدَاءِ النَّهَارِ، وَآخِرِهِ، وَأَطْرَافِهِ، وَآنَاءِ اللَّيْلِ، وَهِيَ ⦗٣٩٠⦘ أَوْقَاتُهُ: وَاحِدُهَا إِنًى وَإِنْيٌ وَإِنْوٌ، وَأَنْشَدَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى:
[البحر البسيط]
حُلْوٌ وَمَرٌّ كَعَطْفِ الْقِدْحِ مِرَّتُهُ ... بِكُلِّ إِنًى حَدَاهُ اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ
وَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾، فَهَذِهِ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ. وَالصَّلَاةُ الْوُسْطَى: الْعَصْرُ. وَقَوْلِهِ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]، فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ ﷿ بِالتَّسْبِيحِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَوْقَاتًا يَحُضُّ عَلَى التَّسْبِيحِ فِيهَا

1 / 388

٤ - حَدَّثَنِي الْحُنَيْنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩] قَالَ: «مُسَبِّحٌ لِلَّهِ»

1 / 390

Majmucat Ajza | Usul