L'Essence de l'Esprit, son Sens et les Divergences des Gens à ce Sujet

مائية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه

Enquêteur

حسين القوتلي

Maison d'édition

دار الكندي

Édition

الثانية

Année de publication

١٣٩٨

Lieu d'édition

دار الفكر - بيروت

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
عونك اللَّهُمَّ
قَالَ أَبُو عبد الله الْحَارِث بن أَسد بن عبد الله المحاسبي الْبَصْرِيّ
رَحْمَة الله عَلَيْهِ
سَأَلت عَن الْعقل مَا هُوَ
وَإِنِّي أرجع إِلَيْك فِي اللُّغَة والمعقول من الْكتاب وَالسّنة وتراجع الْعلمَاء فِيمَا بَينهم بِالتَّسْمِيَةِ ثَلَاثَة مَعَاني
أَحدهَا هُوَ مَعْنَاهُ لَا معنى لَهُ غَيره فِي الْحَقِيقَة
والآخران اسمان جوزتهما الْعَرَب إِذْ كَانَا عَنهُ فعلا لَا يكونَانِ إِلَّا بِهِ وَمِنْه وَقد سَمَّاهَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه وسمتها الْعلمَاء عقلا
فَأَما مَا هُوَ فِي الْمَعْنى فِي الْحَقِيقَة لَا غَيره فَهُوَ غريزة وَضعهَا

1 / 201

فَهُوَ غريزة لَا يعرف إِلَّا بفعاله فِي الْقلب والجوارح لَا يقدر أحد أَن يصفه فِي نَفسه وَلَا فِي غَيره بِغَيْر أَفعاله
لَا يقدر أَن يصفه بجسمية وَلَا بطول وَلَا بِعرْض وَلَا طعم وَلَا شم وَلَا مجسة وَلَا لون وَلَا يعرف إِلَّا بأفعاله
وَقَالَ قوم من الْمُتَكَلِّمين هُوَ صفوة الرّوح أَي خَالص الرّوح
وَاحْتَجُّوا باللغة فَقَالُوا لب كل شَيْء خالصه فَمن أجل ذَلِك سمي الْعقل لبا وَقَالَ الله ﷿ ﴿إِنَّمَا يتَذَكَّر أولُوا الْأَلْبَاب﴾ يَعْنِي أولي الْعُقُول
وَلَا نقُول ذَلِك إِذا لم نجد فِيهِ كتابا مسطورا وَلَا حَدِيثا مأثورا
وَقَالَ قوم هُوَ نور وَضعه الله طبعا وغريزة يبصر بِهِ ويعبر بِهِ
نور فِي الْقلب كالنور فِي الْعين وَهُوَ الْبَصَر
فالعقل نور فِي الْقلب وَالْبَصَر نور فِي الْعين

1 / 204

فالعقل غريزة يُولد العَبْد بهَا ثمَّ يزِيد فِيهِ معنى بعد معنى بالمعرفة بالأسباب الدَّالَّة على الْمَعْقُول
وَقد زعم قوم أَن الْعقل معرفَة نظمها الله ووضعها فِي عباده يزِيد ويتسع بِالْعلمِ المكتسب ١٠٦ الدَّال على الْمَنَافِع والمضار
وَالَّذِي هُوَ عندنَا أَنه غريزة والمعرفة عَنهُ تكون
وَكَذَلِكَ الْجُنُون والحمق لَا يُسمى نكرَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْمعرفَة هُوَ الْعقل سمي الْجُنُون نكرَة والحمق نكرَة لِأَن النكرَة ضد الْمعرفَة وَالْجهل ضد الْعلم
فَلَمَّا امْتنع أهل الْعلم أَن يسموا الْمَجْنُون مُنْكرا جَاهِلا وَلَا يسمون الْمُنكر مَجْنُونا وَالْجَاهِل مَجْنُونا وَقَالُوا بِأَنَّهُ مَجْنُون صَحَّ مَا قُلْنَاهُ
وَمِمَّا يدل على أَن الْعقل هُوَ الغريزة الَّتِي بهَا عرف فَأقر وَعرف فَأنْكر أَو ظن فَأنْكر لِأَن الْإِنْكَار فعل فَكَذَلِك ضد الْمعرفَة فعل
فَمِنْهُ فعل عَن طبع يُوجِبهُ الطَّبْع كالضرة كمعرفة

1 / 205

وَفِي الصمت ستر العي يَوْمًا وَإِنَّمَا
صحيفَة لب الْمَرْء أَن يتكلما ...
وَأما الاثنتان اللَّتَان جوزتهما اللُّغَة فِي الْكتاب وَالسّنة وتراجع أهل الْمعرفَة فِيمَا بَينهم بِالتَّسْمِيَةِ فجوزتهما اللُّغَة على حَقِيقَة الْمَعْنى بِأَن سمتهما عقلا إِذْ كَانَا عَن الْعقل لَا عَن غَيره
فإحداهما الْفَهم لإصابة الْمَعْنى وَهُوَ الْبَيَان لكل مَا سمع من الدُّنْيَا وَالدّين أَو مس أَو ذاق أَو شم فَسَماهُ الْخلق عقلا وَسموا فَاعله عَاقِلا
وَقد رُوِيَ فِي التَّفْسِير لما قَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى ﵇ ﴿فاستمع لما يُوحى﴾ قيل اعقل مَا أَقُول لَك
وَهَذِه خصْلَة يشْتَرك فِيهَا أهل غريزة الْعقل الَّتِي خلفهَا الله فيهم من أهل الْهدى وَأهل الضَّلَالَة من بعض أهل الْكتاب لما تقدم عِنْدهم من أهل الدّين
ويجتمع عَلَيْهَا أهل كل إِيمَان وضلال فِي أُمُور الدُّنْيَا خَاصَّة والمطيع والعاصي وَهُوَ فهم الْبَيَان
وَقَالَ الله ﷿ فِي مَا يعيب بِهِ أهل الْكتاب فَقَالَ

1 / 208

﴿يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه وهم يعلمُونَ﴾
وَقَالَ ﷿ ﴿يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾
وَقَالَ ﴿؟﴾ يعلمُونَ أَنه الْحق من رَبهم
وَقَالَ ﴿يعلمُونَ أَنه منزل من رَبك بِالْحَقِّ﴾
فالفهم وَالْبَيَان يُسمى عقلا لِأَنَّهُ عَن الْعقل كَانَ
فَيَقُول الرجل للرجل
أعقلت مَا رَأَيْت أَو سَمِعت
فَيَقُول نعم يَعْنِي أَنِّي قد فهمت وتبينت
وَالْعرب إِنَّمَا سمت الْفَهم عقلا لِأَن مَا فهمته فقد قيدته بعقلك وضبطته كَمَا الْبَعِير قد عقل أَي أَنَّك قد قيدت سَاقه إِلَى فَخذيهِ
وَقَالُوا اعتقل لِسَان فلَان أَي استمسك

1 / 209

وَيُقَال اعقل شَاتك إِذا حبستها وَهُوَ أَن يضع رجله بَين نوفها وفخذها وَيُقَال اعتقل رجل فلَان إِذا صارعه
وَالْمعْنَى الثَّالِث هُوَ البصيرة والمعرفة بتعظيم قدر الْأَشْيَاء النافعة والضارة ١٠٧ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمِنْه الْعقل عَن الله تَعَالَى
فَمن ذَلِك أَن تعظم مَعْرفَته وبصيرته بعظيم قدر الله تَعَالَى وبقدر نعمه وإحسانه وبعظيم قدر ثَوَابه وعقابه لينال بِهِ النجَاة من الْعقَاب وَالظفر بالثواب
فَإِذا كَانَ لله مُعظما كَانَ لله مجلا هايبا
وَإِذا كَانَ لله مجلا هايبا كَانَ مِنْهُ مستحيا وَإِلَى الله طَاعَته مسارعا ولمساخطه مجانبا
وَإِذا كَانَ مُعظما لما ينَال بِهِ النجَاة من الْعقَاب وَالظفر بالثواب عني بِطَلَب الْعلم وَرغب فِي الْفَهم وَالْعقل عَن الله ﷿ أَكثر همته

1 / 210

وَإِذا عني بِطَلَب الْعلم بذلك اسْتدلَّ بِهِ على عظم قدر الْمولى وَقدر ثَوَابه وعقابه
وَإِذا اسْتدلَّ على ذَلِك أبْصر وَفهم حقائق مَعَاني الْبَيَان
فَإِذا فهم عقل عَظِيم قدر الله تَعَالَى وَعرضه على الله سُبْحَانَهُ وعقابه وثوابه
وَإِذا عظم قدر ذَلِك هاب الله وَفرق وَرَجا وَرغب واشتاق فَكَأَنَّمَا يعاين ذَلِك كرأي الْعين فَكَانَ عَن الله تَعَالَى عَاقِلا وَسمي ذَلِك مِنْهُ عقلا إِذْ كَانَ بِالْعقلِ طلب ذَلِك وبالعقل فهم ذَلِك وبالعقل لزم ذَلِك وبالعقل جَانب مَا يُزِيلهُ عَن ذَلِك
فَهَذَا الَّذِي عقل عَن ربه
ألم تسمعه ﷿ يَقُول وَتَعيهَا ﴿أذن وَاعِيَة﴾
قَالَ أذن عقلت عَن الله تَعَالَى يَعْنِي عقل عَن الله مَا سَمِعت أذنَاهُ مِمَّا قَالَ وَأخْبر

1 / 211

فَهَذَا هُوَ الْعقل
وَمن زَالَ عَن ذَلِك وَمَعَهُ غريزة الْعقل الَّتِي فرق الله تَعَالَى بهَا بَين الْعُقَلَاء والمجانين فَهُوَ غير عَاقل عَن الله ﷿ وَهُوَ عَاقل للْبَيَان الَّذِي لَزِمته من أَجله الْحجَّة
وَقد وصف الله ﷿ هَذَا فِي كِتَابه عَن رجال وسما لَهُم عقلا فَقَالَ تَعَالَى ﴿لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا﴾ يَعْنِي عَنهُ
وَقَالَ الله ﷿ ﴿وَجَعَلنَا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ يَعْنِي عقولا ﴿فَمَا أغْنى عَنْهُم سمعهم وَلَا أَبْصَارهم وَلَا أفئدتهم من شَيْء إِذْ كَانُوا يجحدون بآيَات الله﴾ ثمَّ سمى بعض الْكفَّار من أهل الْكتاب عَاقِلا للْبَيَان الَّذِي لزمتهم بِهِ الْحجَّة ﴿يحرفونه من بعد مَا عقلوه وهم يعلمُونَ﴾
فَأخْبر أَنهم لَا يعْقلُونَ يَعْنِي عَنهُ وَعَن مَا قَالَ من عَظِيم قدره الْمُبين عَنهُ

1 / 212

ثمَّ قَالَ ﴿يحرفونه من بعد مَا عقلوه﴾ يَعْنِي عقل الْبَيَان
وَآخَرُونَ لَهُم عقول الغرايز لَا يعْقلُونَ الْبَيَان وَلَا الْمُبين عَنهُ بالفهم لَهُ إِلَّا أَنهم يسمعُونَ بلغَة يعرفونها كلَاما لَا يعْقلُونَ مَعَانِيه بالفهم لَهُ كمشركي الْعَرَب فَقَالَ ﴿إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾
فَلم يعقلوا مَا قَالَ ﷿ لإعجابهم برأيهم ولتقليدهم آبَاءَهُم وكبراءهم وَقد كَانَت لَهُم عقول غرايز يعْقلُونَ بهَا أَمر دنياهم
وَلَو تركُوا الْإِعْجَاب بِالرَّأْيِ وتقليد الكبراء ثمَّ تدبروا لعقلوا مَا قَالَ الله وَلَكِن أعجبوا بآرائهم وقلدوا كبراءهم
فَقَالَ ﷿ ﴿وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾
وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿أَفَمَن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا﴾
وَقَالَ ﴿وَيَحْسبُونَ أَنهم على شَيْء أَلا إِنَّهُم هم الْكَاذِبُونَ﴾
فَلم يعقلوا مَا قيل لَهُم كَمَا عقله المحرفون للسان بَعْدَمَا عقلوه

1 / 213

فهم يعلمُونَ أَمر دنياهم
ودقايق مَعَايشهمْ أدق فِي الغموض من أَعْلَام الدّين فَقَالَ الله جلّ وَعز ﴿يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون﴾
قَالَ حَدثنِي عَفَّان قَالَ حَدثنَا صَخْر بن جوَيْرِية عَن الْحسن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ قَالَ
لَا جرم وَالله لقد بلغ من علم أحدهم بدنياه أَنه يقلب الدِّرْهَم على ظفره ويخبرك بوزنه وَمَا يحسن يُصَلِّي
قَالَ حَدثنِي عَفَّان قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن شَرْقي فِي

1 / 214