408

Le Déploiement et les Campagnes

المبعث والمغازي

فركب أبو سفيان خلف العباس، ورجع صاحباه إلى مكة، فكلما مر العباس بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوه قالوا: بغلة رسول الله والعباس عليها، فلما مر بنار عمر رضي الله عنه قال: من هذا؟ وقام إليه فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركض العباس ببغلته فسبقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني أضرب عنقه، فقال العباس: يا رسول الله إني قد أجرته، ثم جلس العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر عمر في شأن أبي سفيان، فقال العباس: مهلا يا عمر، أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال عمر: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإن أصبحت فأتني به، فذهب به العباس إلى رحله فبات عنده، فلما أصبح غدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله، قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا، قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله، قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه فإن في النفس منها شيئا حتى الآن، فقال العباس: ويحك أسلم قبل أن يضرب عنقك، فتشهد أبو سفيان شهادة الحق وأسلم، فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فلما أراد أبو سفيان أن ينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند حطم الخيل حتى يمر به جنود الله فيراها، فخرج به العباس فحبسه حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال أبو سفيان: من هؤلاء يا عباس؟ فيقول العباس: سليم، فيقول أبو سفيان: مالي ولسليم، ثم مرت به القبيلة فقال: من هؤلاء؟ قال: مزينة، قال: مالي ولمزينة، حتى مرت القبائل لا يمر قبيلة إلا سأله عنها فإذا أخبره قال: مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتيبة الخضراء فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، فقال العباس: يا أبا سفيان إنه لنبوة، قال: فنعم إذا، قال العباس: ارحل إلى قومك، فخرج أبو سفيان حتى إذا دخل مكة صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قامت إليه هند فأخذت بشعره وقالت: اقتلوه، فقال أبو سفيان: لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فقال الناس: وما يغني عنا دارك يا أبا سفيان، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا طوى فرق جنوده، فبعث عليا رضي الله عنه من ثنية المدنيين، وبعث الزبير رضي الله عنه من الثنية التي تطلع على الحجون، وبعث خالد بن الوليد رضي الله عنه من الليط، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق أذاخر، وأمرهم أن لا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن زمعة وسهيل بن عمرو قد جمعوا جماعة من قريش والأحابيش وأتوا الخندمة، ليقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيهم خالد بن الوليد رضي الله عنه مع من معه من المسلمين فناوشوهم، فقتل خالد منهم ثلاثة وعشرين رجلا وهزمهم، وقتل من المسلمين كرز بن جابر الفهري، فمن هناهنا اختلف الناس في فتح مكة أعنوة كان أم صلحا؟ ولما بلغ أبا قحافة قدوم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال لابنة له: أي بنية اظهري على أبي قبيس، وكان بصره قد كف إذ ذاك، قال: أي بنية، ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا، قال: تلك الخيل، ثم قالت: قد والله انتشر السواد، فقال: والله دفعت الخيل أسرعي بي إلى بيتي فانحطت به وبلغته الخيل قبل أن يصل إلى بيته، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه مغفر من حديد عليه عمامة سوداء.

ولم يلق أحد من المسلمين قتالا إلا ما كان من خالد بن الوليد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ستة أنفس من المشركين قبل قدومهم مكة، وقال: أي موضع رأيتم هؤلاء فاقتلوهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن خطل، والحويرث بن نقيد، ومقيس بن صبابة، وسارة مولاة لقريش، فأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح ففر إلى عثمان رضي الله عنه وكان أخاه من الرضاعة، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمنه، وأما الحويرث بن نقيد وقيل ابن نقيذ بالذال المعجمة فقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأما ابن خطل فتعلق بأستار الكعبة فقتله سعيد ابن حريث وأبو برزة تحت الأستار اشتركا في دمه، وأما مقيس فقتله نميلة بن عبد الله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقتل قرشي صبرا بعد

Page 635