بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتعالي في عز جلاله عن مطارح الافهام فلا يحيط بكنهه العارفون، المتقدس بكمال ذاته عن مشابهة (1) الأنام فلا يبلغ صفته الواصفون، المتفضل بسوابغ الانعام فلا يحصي نعمه (2) العادون، المتطول بالمنن الجسام فلا يقوم بواجب شكره الحامدون، القديم الأبدي فلا أزلي سواه، الدائم السرمدي فكل شئ مضمحل عداه. أحمده سبحانه حمدا يقربني إلى رضاه (3)، وأشكره شكرا أستوجب به المزيد من (4) مواهبه وعطاياه، وأستقيله من خطاياي (5)، استقالة عبد معترف بما جناه، نادم على ما فرط في (6) جنب مولاه، وأسأله (7) العصمة من الخطأ والخطل، والسداد في القول والعمل.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكريم الذي لا يخيب (8) لديه الآمال، القدير فهو لما يشاء فعال. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المبعوث لتمهيد قواعد الدين وتهذيب مسالك اليقين، الناسخ بشريعته المطهرة (9) شرائع الأولين، والمرسل (10) بالارشاد والهداية رحمة للعالمين، صلى الله عليه وآله الهداة المهديين، و
Page 3
عترته الكرام الطيبين، صلاة ترضيهم وتزيد على منتهى رضاهم، وتبلغهم غاية مرادهم ونهاية مناهم، وتكون لنا عدة وذخيرة يوم نلقى الله سبحانه ونلقاهم، وسلم تسليما.
وبعد (1): فان أولى ما أنفقت في تحصيله كنوز الأعمار، وأطالت التردد بين العين والأثر في معالمه الأفكار، هو العلم بالأحكام الشرعية والمسائل الفقهية، فلعمري إنه المطلب الذي يظفر بالنجاح طالبه، والمغنم الذي يبشر بالأرباح كاسبه، والعلم الذي يعرج بحامله إلى الذروة العليا، وينال (2) به السعادة في الدار الأخرى.
ولقد بذل علماؤنا السابقون وسلفنا (3) الصالحون، رضوان الله عليهم أجمعين، في تحقيق مباحثه جهدهم، وأكثروا في تنقيح مسائله كدهم. فكم فتحوا فيه مقفلا ببنان أفكارهم! وكم شرحوا منه مجملا ببيان آثارهم! وكم صنفوا فيه من كتاب يهدي في ظلم الجهالة إلى سنن الصواب! فمن مختصر كاف في تبليغ الغاية، ومبسوط شاف بتجاوزه النهاية، وإيضاح يحل من قواعده المشكل، و بيان يكشف (4) من سرائره المعضل، وتهذيب يوصل من لا يحضره الفقيه بمصباح الاستبصار إلى مدينة العلم، ويجلو بإنارة مسالكه عن الشرائع ظلمات الشك والوهم، وذكرى دروس مقنعة في تلخيص الخلاف والوفاق، وتحرير تذكرة هي منتهى المطلب في الآفاق، ومهذب جمل يسعف في مختلف الاحكام بكامل الانتصار، ومعتبر مدارك يحسم مواد النزاع (5) من صحيح الآثار، ولمعة روض يرتاح لتمهيد أصوله الجنان، وروضة بحث تدهش بارشاد فروعها الأذهان.
فشكر الله تعالى سعيهم، وأجزل من جوده مثوبتهم وبرهم.
وحيث كان من فضل الله علينا أن أهلنا لاقتفاء اثارهم، أحببنا (6) الأسوة
Page 4
بهم في أفعالهم; فشرعنا - بتوفيق الله تعالى في تأليف هذا الكتاب الموسوم ب " معالم الدين وملاذ المجتهدين "، وجددنا به معاهد المسائل الشرعية، وأحيينا به مدارس المباحث الفقهية، وشفعنا فيه تحرير الفروع بتهذيب الأصول، وجمعنا بين تحقيق الدليل والمدلول، بعبارات قريبة إلى الطباع، وتقريرات مقبولة عند الاسماع، من غير إيجاز موجب للاخلال، ولا إطناب معقب للملال. وأنا أبتهل إلى الله، سبحانه، أن يجعله خالصا لوجهه الكريم. وأتضرع إليه أن يهديني حين تضل الافهام إلى المنهج القويم (1)، ويثبتني حيث تزل الاقدام على الصراط المستقيم.
وقد رتبنا كتابنا هذا على مقدمة وأقسام أربعة، والغرض من المقدمة منحصر في مقصدين.
Page 5
المقصد الأول في بيان فضيلة العلم وذكر نبذ مما يجب على العلماء مراعاته وبيان زيادة شرف علم الفقه على غيره ووجه الحاجة إليه وذكر حده ومرتبته وبيان موضوعه ومباديه ومسائله.
[وفيه فصول]
Page 7
[فضيلة العلم] إعلم: أن فضيلة العلم وارتفاع درجته وعلو رتبته (1)، أمر كفى انتظامه في سلك الضرورة مؤونة الاهتمام ببيانه; غير أنا نذكر على سبيل التنبيه أشياء في هذا المعنى من جهة العقل والنقل، كتابا وسنة، مقتصرين على ما يتأدى به الغرض، فان الاستيفاء في ذلك يقتضي تجاوز الحد ويفضي إلى الخروج عما هو القصد (2).
فأما الجهة العقلية، فهي أن المعقولات تنقسم إلى موجودة ومعدومة، وظاهر أن الشرف للموجود. ثم الموجود ينقسم إلى جماد ونام، ولا ريب أن النامي أشرف. ثم النامي ينقسم إلى حساس وغيره، ولا شك أن الحساس أشرف. ثم الحساس ينقسم إلى عاقل وغير عاقل، ولا ريب أن العاقل أشرف. ثم العاقل ينقسم إلى عالم وجاهل، ولا شك أن العالم أشرف; فالعالم حينئذ أشرف المعقولات.
فصل وأما الكتاب الكريم، فقد أشير إلى ذلك في مواضع منه:
الأول: قوله تعالى في سورة " العلق " (3) - وهي أول ما نزل على نبينا، صلى
Page 8
الله عليه وآله، في قول أكثر المفسرين: " إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم " (1)، حيث افتتح كلامه المجيد بذكر نعمة الايجاد، وأتبعه بذكر (2) نعمة العلم; فلو كان بعد نعمة الايجاد نعمة أعلى من العلم (3)، لكانت أجدر بالذكر.
وقد قيل - في وجه التناسب بين الآي المذكورة في صدر هذه السورة المشتمل (4) بعضها على خلق الانسان من علق وبعضها على تعليمه ما لم يعلم: إنه تعالى ذكر أول حال الانسان، أعني كونه علقة وهي بمكان من الخساسة، وآخر حاله وهو صيرورته عالما وذلك كمال الرفعة والجلالة. فكأنه سبحانه قال:
كنت في أول أمرك في تلك المنزلة الدنية (5) الخسيسة ثم صرت في آخره إلى هذه الدرجة الشريفة النفسية.
الثاني: قوله تعالى: " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، يتنزل الامر بينهن لتعلموا " (6)، الآية. فإنه سبحانه جعل العلم علة لخلق العالم العلوي والسفلي طرا، (7) وكفى بذلك جلالة وفخرا.
الثالث: قوله سبحانه: " ومن يؤت الحكمة، فقد أوتي خيرا كثيرا " (8).
فسرت الحكمة بما يرجع إلى العلم.
الرابع: قوله تعالى: " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب " (9).
الخامس: قوله تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (10).
السادس: قوله سبحانه: " شهد الله أنه لا إله إلا هو، والملائكة
Page 9
وأولو العلم " (1).
السابع: قوله تعالى: " وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم " (2).
الثامن: قوله تعالى: " قل: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم الكتاب " (3).
التاسع: قوله تعالى: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ". (4) العاشر: قوله تعالى، مخاطبا لنبيه، صلى الله عليه وآله وسلم، آمرا له مع ما آتاه من العلم والحكمة: " وقل رب زدني علما ". (5) الحادي عشر: قوله تعالى: " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ". (6) الثاني عشر: قوله تعالى: " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ". (7) فصل وأما السنة، فهي في ذلك كثيرة، لا تكاد تحصى (8):
فمنها: ما أخبرني به، إجازة، عدة من أصحابنا، منهم السيد الجليل شيخنا نور الدين علي بن الحسين بن أبي الحسن الحسيني الموسوي (9)، أدام الله تأييده; والشيخ الفاضل عز الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي، قدس الله روحه; والسيد العابد نور الدين علي بن السيد فخر الدين الهاشمي، قدس الله روحه،
Page 10
بحق روايتهم، إجازة عن والدي السعيد الشهيد زين الملة والدين، رفع الله درجته، كما شرف خاتمته، عن شيخه الاجل نور الدين علي بن عبد العالي (1) العاملي الميسي، عن الشيخ شمس الدين محمد بن المؤذن الجزيني، عن الشيخ ضياء الدين على بن شيخنا الشهيد، عن والده، قدس الله سره، عن الشيخ فخر الدين أبي طالب محمد بن الشيخ الامام العلامة، جمال الملة والدين، الحسن بن يوسف بن المطهر (2)، عن والده، رضي الله عنه، عن شيخه المحقق السعيد نجم (3) الملة والدين أبى القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد، قدس الله نفسه، عن السيد الجليل شمس الدين فخار بن معد الموسوي، عن الشيخ الامام أبي الفضل شاذان (4) بن جبرئيل (5) القمي، عن الشيخ الفقيه العماد أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري (6)، عن الشيخ أبي علي الحسن بن الشيخ السعيد الفقيه أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، عن والده، رضي الله عنه، عن الشيخ الامام المفيد محمد بن محمد بن النعمان (7)، عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن الشيخ الجليل الكبير أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن عبد الله بن ميمون القداح، ح، وعن محمد بن يعقوب، عن محمد بن الحسن وعلي بن محمد عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، ح، وعن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم
Page 11
رضى به، وإنه ليستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ".
وبالاسناد عن الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، عن الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، رحمه الله، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن يونس بن عبد الرحمن، عن الحسن بن زياد العطار، عن سعد (1) بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (2): " تعلموا العلم، فان تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وهو عند الله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبل الجنة، وهو أنيس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسلاح على الأعداء، وزين الأخلاء، يرفع الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم، وتقتبس آثارهم، وترغب الملائكة في خلتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم، لان العلم حياة القلوب ونور الابصار من العمى، وقوة الأبدان من الضعف، ينزل الله حامله منازل الأبرار، ويمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا و الآخرة. بالعلم يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله ويوحد، وبالعلم توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام (3). والعلم امام العقل، والعقل تابعه، يلهمه (4) السعداء، ويحرمه الأشقياء ".
فصل وروينا بالاسناد عن محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن
Page 12
أبيه، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " طلب العلم فريضة على كل مسلم (1)، ألا إن الله يحب بغاة العلم " (2).
وعن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عمن حدثه، قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام، يقول: " أيها الناس! اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إن المال (3) مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم وضمنه، وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله، وقد أمرتم بطلبه من أهله، فاطلبوه " (4).
وعنه، عن محمد بن (5) يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى (6)، عن محمد بن خالد، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما أورثوا أحاديث (7) من أحاديثهم. فمن أخذ بشئ منها، فقد (8) أخذ حظا وافرا; فانظروا (9) علمكم هذا عمن تأخذونه; فان فينا أهل البيت، في كل خلف (10)، عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " (11).
وعنه، عن الحسين بن محمد، عن علي بن محمد بن سعد، رفعه عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين عليه السلام، قال: " لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه، ولو بسفك المهج وخوض اللجج. إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال: إن أمقت (12) عبيدي إلى الجاهل، المستخف بحق أهل العلم، التارك
Page 13