Les critiques des commentateurs sur le Divan d’Abu Tayeb al-Mutanabbi
المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي
Enquêteur
الدكتور عبد العزيز بن ناصر المانع
Maison d'édition
مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية
Édition
الثانية
Année de publication
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
Lieu d'édition
الرياض
الجزء الأول
المآخذ على شرح ابن جني
الموسوم بالفسر
1 / 5
نص الكتاب
1 / 7
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرف الإنسان بنطق اللسان على سائر الحيوان، وفضل اللغة العربية على سائر اللغات بالبيان والتبيان، وألقى في صدف الآذان من جوهر بحار الأذهان ما يربي على الدر والمرجان، وألهم من الكلم المنظوم ما يوفي على المنثور إلا على القرآن، وجعل الشعراء يتسابقون في حلبة الشعر كالخيل يوم الرهان: فمنهم مجل نبرز، وسكيت مقصر عن مدى ذلك الميدان، وميز بين الفكر الصحيح والسقيم في استخراج دفائن معان كالعقيان، فلا يهتدي لإصابة عيون تلك المحاسن إلا المحسنو النضال والطعان، وصلى الله على الكامل المبعوث من عدنان، بأكمل الأديان إلى الإنس والجان، وعلى آله وصحبه أولي الضل والإفضال واليمن والإيمان، وبعد:
فإني لما رأيت ما حظي به أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي من اعتناء الناس بشعره؛ العالم منهم والجاهل، ولهجهم بذكره؛ النبيه فيهم والخامل، والتقييد لأوابد أمثاله السيارة، والتنقيب عن غوامض معانيه الحسنة المختارة، والتمثيل بأبياته الشوارد، والترتيل لآياتها في المشاهد، والتضمين لها في صدور الكتب والرسائل، والتزيين بها في قلوب المجالس والمحافل، وكثرة الشارحين لها من الفضلاء، والحانين عليها من الأدباء، حتى لقد كادت تنسيهم أشعار الأوائل وتلهيهم عن تلك
الفضائل، فتهدم منها ذلك المنار، وتطفئ منها تلك النار. وقد قال في ذلك بعض شعراء أهل العصر: (الرمل)
يَا أبَا الطَّيَّب أَهْدَيْ ... تَ لنا من فِيكَ طِيبَا
مَنْطِقًا نَظْمًا كَنظْم ال ... درَّ في الدُّرَّ غَرِيَبا
أَطْرَبَ الأنْفُسَ لَّما ... راحَ للرَّاح نَسِيَبا
مُنْسِيا ذِكْراهُ من ذِكْ ... رى حَبِيبٍ وحَبيبَا
1 / 9
إلا أنهم قصروا في بعض المعاني فهدموا بها تلك المباني، وأشكل عليهم بعض الأبيات، فخفيت عنهم تلك الآيات. فرأيت أن أضع كتابا مختصرا ينبه على ما أغفلوه، ويهدي إلى ما أضلوه، ويبين ما جهلوه، من غير أن أكون زاريا عليهم أو مهدي اللوم إليهم، كيف وقد سهلت أقدامهم من وعره، وبينت أفهامهم من سره، فأصابوا الجم الغفير، وأخطئوا النزر اليسير: (الطويل)
ومَنْ ذَا الذي حَازَ الكمالَ فيَكْمُلاَ
والشروح التي تتبعها، واستخرجت مآخذها وجمعتها خمسة شروح:
شرح ابن جني.
شرح أبي العلاء المعري.
شرح الواحدي.
شرح التبريزي.
شرح الكندي.
لأن هذه المشهورة الدائرة في أيدي الناس، المحفوظة المنقولة بألسن الرواة الأكياس، فإذا وقف الطالب على هذا المختصر، وتأمله ممعنا فيه النظر، تبين أن قد حلت له تلك المعاني المشكلة، وفتحت له تلك الأبواب المقفلة، وتناول بعد ذلك ما سواها في هذه الشروح على ثقة بالصواب، ويقين لدى السؤال بصحة الجواب.
وربما وقع فيها قول لغير من ذكرته فبينت الصحيح من السقيم، والمعوج من القويم، إلا أن هذا الخطر الذي تجشمته، والعبء الذي تحملته مرام بعيد، ومقام شديد، ليس من شأن من استنفد عمره في معرفة وجوه الإعراب، واستفرغ جهده في ضبط لغة الأعراب، ولا من نظم
1 / 10
أبياتا في صدر كتاب أو رد جواب، أو استزارة صديق، أو استهداء رحيق وما أشبه ذلك مما لم ينعم فيه النظر، ويتعب به الفكر. ولكن هذا من شأن من أطال معاركة المعاني والقوافي، فبات منها على مثل الأشافي ودفع إلى سلوك مضائقها، وحماية حقائقها، وجاب سهولها وحزونها، وراض ذلولها وحرونها، وافترع أبكارها وعونها، وفجر أنهارها وعيونها، وأبرم حبال وقصيدها، وأحكم نظام درها وفريدها، وأطال إبالة حيلها وعشارها، وأجال قداحه على أعشارها، وكسع شولها بأغبارها، فإذا وصل إلى هذه الفضيلة، ورقي هذه الرتبة الجليلة، وأحس من نفسه بلوغ كمالها، وإحراز خصالها، فعند ذلك فليتعاظ شرح أشعار الفحول، وليعان استنباط معاني فروعها والأصول، وأحكام علم جملها والفصول. ولست بمدع إدراك هذه المنزلة، وإحراز هذه التكملة، ولكني حاطيها لعلى ممن يدانيها، ويبلي فيها (فيسلك بعض شعابها، ويتمسك ببعض أسبابها)، فإن أصبت الصواب فبيمن من وسمت باسمه هذا الكتاب، وإن زلت قدمي عن الطريق، فمنه استمد الهداية والرشد والتوفيق، ومن الله تلتمس لإعانة، وتقتبس الإبانة.
فأول ما ينبغي أن يبتدأ به من المآخذ في شروح ديوان أبي الطيب، المآخذ على الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني؛ لأنه هو المبتدئ لشرحه، المفتتح لفسره، المسند إليه رواياته، المأخوذ عنه حكاياته، وقد طول في الشواهد وقصر في المعاني، وسأبين ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
1 / 11
فمن ذلك ما ذكره في خطبة الكتاب من قوله: (الخفيف)
حَسَنٌ في عيونِ أعدائِهِ أَقْ ... بَحُ مِنْ ضَيْفِهِ رَأَتْهُ السَّوامُ
قال: الذي يسبق إلى النفس من هذا؛ أنه حسن في عيون أعدائه، وأنه أقبح من ضيفه رأته السوام. وليس الأمر كذلك بل بضده. وإنما معناه: حسن: أي: هو حسن، وتم الكلام. ثم كأنه قال: هو أقبح في عيون أعدائه من ضيفه في وقت رؤية السوام له، وهو المال الراعي؛ لأنه ينحره للأضياف، وكذلك يهلك الأعداء ويبرهم.
وأقول: إن هذا الذي فسره وجه صالح، وليس أن يرد التفسير الأول، وقد ذكره الشيخ أبو العلاء، وهو أن أعداءه يرونه حسن الصورة قبيح الفعل فهم في هذا يرونه قبيحا حسنا، وفي الوجه الآخر يرونه قبيحا. فتفسير أبي العلاء أمدح لإثبات الحسن له (عند كل أحد)، وأصنع لإثبات الحسن له والقبح، (وأخذه) من وجهين مختلفين.
ومن ذلك في الخطبة أيضا قوله:
1 / 12
قال: تم الكلام على أصغره أي: استكبروه منه واستصغروه هو.
ثم قال مبتدئا:
. . . . . . . . . ... أكبرُ من فعِلِهِ الذي فَعَلَهْ
أي: فاعل الفعل أكبر من الفعل، فكأنه قال: هو أكبر من فعله.
وأقول: هذا وجه حسن، وثم وجه آخر قد ذكره غيره، وهو أن يكون أكبر من فعله فاعلا العامل فيه أصغره، كأنه قال: وأصغره رجل أو فارس أكبر من فعله.
ومن ذلك في الخطبة أيضا تفسيره قوله: (الطويل)
وقد عَادَتِ الأجْفَانُ قُرحًا من البُكا ... وعادَ بَهَارًا في الخُدودِ الشَّقَائقُ
قال: ومما استدللت به حصافة لفظه وصحة صنعته ودقة فكره؛ أنني سألته عن قوله في البيت، فقلت: أقرحى: مما أم قرحا: منون؟ فقال: قرحا: منون، ثم قال:
ألا ترى أن بعده: وعاد بهارا؟
يقول: فكما أن بهارا جمع بهارة وإنما بينهما الهاء، فكذلك قرحا جمع قرحة فإنما بينهما الهاء.
1 / 13
وأقول: لعل أبا الطيب لم يرد الذي ذكره من الجمع بينهما بالجمع الذي بينه وبين مفرده الهاء، وإنما أراد بالتنوين المبالغة في المعنى، فجعل الأجفان قرحا ولم يصفها بقرحى؛ لأن الأول أبلغ (كما كان بهارا كذلك)، ويكون من باب: (البسيط)
. . . . . . . . . ... فإنَّما هي إقْبَالٌ وإدبارُ
لأن الوصف بالمصدر أبلغ من الوصف باسم الفاعل، ومنه رجل فطر وصوم، أو يكون أراد تحسين الألفاظ فصرف الكلمتين؛ لأن ذلك أحسن في الذوق وأعذب في السمع.
ومن ذلك قوله: وإني لأعجب ممن يجهل فضله، أو يستجيز تجاهله وهو الذي يقول: (الطويل)
إذَا كان شَمُّ الرَّوح أدنى إليكم ... فلا بَرِحَتْني رَوْضَةٌ وقَبُولُ
فأي محدث يتعالى في عذوبته إلى أن يقول:
. . . . . . . . . . ... فلا بَرِحتَنْي رَوْضَةٌ وقَبْولُ
فيقال له: إذا كان تفسير هذا كما ذكرته وهو: فلا برحت روضة وقبول إياي، لم يكن فبه عذوبة ولا عليه طلاوة، وأما المعنى فلم يقع موقعه من الغزل لذكر الموت وذلك قوله قبله: (الطويل)
1 / 14
وإنَّ رَحِيلًا واحدًا حالَ بيْنَنَا ... وفي المَوْتِ من بعد الرَّحيلِ رَحيِلُ
ومن ذلك قوله في شرح قوله: (الكامل)
وَهَبِ المَلامَةَ في اللَّذَاذةِ كالكَرَى ... مَطْرُودةً بسُهَادِهِ وبكائِهِ
قال: يقول: أجعل ملامتك إياه في التذاذكها كالنوم في لذته، فاطردها عنه بما
عنده من السهاد والبكاء، أي: لا تجمع عليه اللوم والسهاد والبكاء، أي: فكما أن السهاد والبكاء قد أزالا كراه، فاترك ملامتك إياه.
1 / 15
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: أنه قال لعاذله: إن الكرى الذي يستلذ به الإنسان قد طردته عن عيني بالسهاد والبكاء؛ فاجعل الملامة المستلذة عنه كالكرى مطرودة عني بهما.
ويحتمل أن يكون المعنى: هب الملامة التي لا استلذ بها، بل استضر بها، كاكرى في اللذاذة، أفليس الكرى المستلذ به مطرودا بالسهاد والبكاء؟ فما ظنك بالملامة؟ فاجعلها كذلك؛ (والوجه الأ (ول) هو الصواب).
وقوله: (الكامل)
وشَكِيَّتي فَقْدُ السَّقَام لأنَّهُ ... قد كانَ لَّما لي أَعْضَاءُ
قال: يقول: إنما كنت أحس السقام بأعضائي، فلما فنيت وتلفت للضر والمشقة شكوت فقد السقام؛ لأن السقيم، على كل حال، موجود والفاني معدوم، والعدم اعظم من السقم؛ هذا يقتضيه ظاهر اللفظ. ومحصول البيت أنه يطلب أعضاءه لا السقام.
1 / 16