دروس للشيخ ياسر برهامي
دروس للشيخ ياسر برهامي
النظر إلى النفس بعين التقصير من علامات الكمال
الحمد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن الله عز جل أغنى الأغنياء عن الشرك، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، ولذا كان العمل الذي فيه نية إرادة الناس مع إرادة وجه الله ﷿ غير مقبول عند الله تعالى، فقد سئل النبي ﵊: (أرأيت الرجل يقاتل يلتمس الأجر والذكر؟ قال: لا شيء له)، فهذا الرجل قاتل من أجل شيئين: الأجر من الله، والذكر من الناس، بأن يذكره الناس ويعرفوا مكانه، فقال ﵊: (لا شيء له) فالله ﷿ هو الغني الكريم، وهو الغني الحميد، ومن غناه ﷾ أنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجه، ولذا كان على الإنسان أن يراقب نيته، وأن يكون مع الله ﷾ دون نظر إلى الناس، وعندما ينظر الإنسان إلى نفسه بعين التقصير والنقص فإنه سوف يكون في معاملته مع الناس كذلك؛ لا يرى حقًا لنفسه، ولا شك أن هذا من علامات كمال النفس وأنها استغنت بالله ﷿، فينبغي أن يكون الإنسان في معاملته للناس ألا يرى نفسه صاحب حق، ولا صاحب منزلة، ولا يرى نفسه أكمل منهم وأنهم لا بد أن يعطوه حقه، فإن هذا فضل الله ﷾ عليه، فليس له من الخير نصيب وإنما هو ﷾ الذي يجري على ألسنتهم أو أيديهم ما يكون فيه مصلحته، فكيف يطلبه منهم؟! ولذلك يكون عنده من الجود والكرم والسماحة ما يستغني به عن الانتقام لنفسه، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله فينتقم لله ﷿ فرسول الله ﵌ في معاملته مع الناس لا يراعي حق نفسه، والله ﷿ لم يضيعه أبدًا، ولم يجعل أحدًا من الناس يناله بالسوء والأذى، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] بل جعل أصحابه يتسابقون إلى معرفة قدره وإلى تعظيم حقه، وإلى مراعاة منزلته ﵊.
إذًا: لم يكن ﵊ ينتقم لنفسه قط، وما طلب لنفسه حقًا، وإنما جعل الله قلوب الناس هي التي تفيء إليه بالحق، وهي التي تعطيه هذا الحق امتثالًا لأمر الله من غير طلب منه، وهذا هو الجود والكرم، فالإنسان الذي قد جاد بحقه، ولا يرى لنفسه حقًا، ولا يرى أنه قد قُصِّر في حقه؛ هذا هو الذي قد استغنى بالله ﷿، فكان مع الخلق بلا نفس يراعي حظها، ويراعي نصيبها، فهو لم يطالبهم بما له عندهم، ولذلك كان هذا من المرحومين، كما قال النبي ﵊: (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى، وكان فيمن كان قبلكم رجل كان من خلقه الجواز، كان يعامل الناس وكان يداينهم فكان يقول لغلمانه: يسروا على الموسر، وأنظروا المعسر أو ضعوا عن المعسر، فقال الله ﷿: نحن أولى بذلك منه، تجاوزوا عنه)، لم يكن له من عمل صالح كما قال ﵊ إلا أنه من خلقه التجاوز والتسامح والعفو والصفح، وهكذا كان رسول الله ﵌.
وهذه قصة ابن عم النبي ﵊ وهو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الذي كان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ وتحريضًا عليه، مع أنه كان ينبغي له أن يكون من أشد الناس حرصًا على النبي ﵊؛ لأنه ابن عمه، فلما فتح الله على نبيه مكة وأسلم أبو سفيان بن الحارث كان النبي ﷺ يعرض عنه لما كان من أذاه له ومن شدته عليه، فاشتكى أبو سفيان بن الحارث إلى علي رضي الله تعالى عنه ما يجد من رسول الله ﷺ، فقال له: (ائته من قبل وجهه وقل له: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولًا منه، فجاءه من قبل وجهه وقال له: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فالتفت إليه النبي ﵊ وقال: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢])، فهكذا كان ﵊ أحسن قولًا وردًا كما كان يوسف ﵇ أحسن قولًا وردًا؛ لأنه استغنى بالله ﷿، والغنى بالله ﷾ يجعل الإنسان في غير حاجة إلى ما عند الناس، ولا إلى ما يقولون أو يفعلون معه، ولا يلتفت هل أدوا إليه حقه أم لا؟ فإنه استغنى عن ذلك بالله ﷿، استغنى بعبوديته لله سبحانه فاضمحل ما في أيدي الناس في نظره، ولم يلتفت إليهم قط، فإن عملوا شيئًا له فهم يعاملون الله به، وإن قصروا في شيء نحوه لم يشعر بهذا التقصير، ولم يلتفت إليه، فكان هذا الأمر من أخلاق النبيين.
فكان ﵊ يحسن استقباله بعد ذلك، ويرى فيه بديلًا عن حمزة رضي الله تعالى عنه.
59 / 8