Lessons by Sheikh Muhammad Hassan Abd Al-Ghaffar
دروس الشيخ محمد حسن عبد الغفار
خلاف العلماء في حكم إرضاع الكبير
اختلف فيها العلماء على أقوال ثلاثة: القول الأول: ذهب جماهير أهل العلم إلى أنه لا رضاع للكبير، وأنه لا يحرم، وهذا هو قول الشافعية والمالكية والأحناف، وعلى ما أذكر قول الحنابلة أيضًا، وهو قول جماهير الصحابة وأزواج النبي ﷺ، ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فالشافعية قالوا: قد أتم الله الرضاعة إلى الحولين، فما بعد التمام من شيء إلا النقصان، فلا يحرم ما فوق الحولين.
واستدلوا على ذلك أيضًا: بقول الله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤]، وأيضًا: قول النبي ﷺ: (لا رضاع إلا في الحولين)، وهذا تصريح أنه لا رضاع محرم إلا في الحولين، وقال النبي ﷺ يبين لما سألوه عن الرضاع: (ما أنبت اللحم وأنشز العظم)، أي: تغذت به المعدة وشبع به الطفل، ولا يشبع الطفل من اللبن إلا في غضون الحولين، وبعد الحولين لا يشبعه لبن المرأة، فكل هذه دلالات باهرات تثبت أن رضاع الكبير لا يحرم.
وقالوا: إن رضاع سالم مولى أبي حذيفة حالة خاصة بـ سالم، خصص بها العموم، ويرجع العموم على ما هو عليه.
ولعل النبي ﷺ خصصه لأن سالمًا كان مولى لـ أبي حذيفة، وكان الرجل يدخل دائمًا على امرأته، فلما نزل الحجاب قالت: شق علينا أن يدخل ويرانا بهذه الطريقة، فقال النبي ﷺ: (أرضعيه يحرم عليك)، فكانت هذه حالة خاصة بها وبـ سالم وبـ أبي حذيفة، فقالوا: هذه دلالة على الخصوصية، وليس هذا من جهة أنفسنا، وهو من كلام أم سلمة وزينب وغيرهن من أزواج النبي ﷺ، حتى أنهن أنكرن على عائشة ﵂ وأرضاها، والحديث صريح صحيح أن أم سلمة دخلت على عائشة ﵂ وأرضاها تنكر عليها، وتقول: يا عائشة! يدخل عليك الشاب الأيفع، ولا نرضى أن يدخل علينا، فقالت عائشة ﵂ وأرضاها: أما علمت أن النبي ﷺ أباح لـ سالم مولى أبي حذيفة أن يفعل كذا وكذا -وروت لها الحديث- فأرضعيه يحرم عليك.
فكانت ﵂ وأرضاها إذا أرادت أن يدخل عليها أحد من الأجانب الكبار تجعل أختها أو أحد أقاربها يرضعه، فتكون له خالة، فيحرم عليها، ويدخل عليها ﵂ وأرضاها، وكان ذلك مذهبًا ومنهجًا لـ عائشة وحدها ﵂ وأرضاها.
هذا هو ما أجاب به الجمهور على من قال بأن رضاع الكبير يحرم.
القول الثاني: هو على العموم، فرضاع الكبير مباح، وهذا على ما أذكر قول ابن حزم إذا لم أكن واهمًا، وهو قول طائفة من أهل العلم، بأن رضاع الكبير يحرم في كل الأحوال، فلو أراد الإنسان أن يدخل على امرأة، ويريد أن يكون محرمًا لها، فتسافر به ويدخل عليها فليرضع منها، أو من أختها، وهذا القول من أضعف الأقوال، وهو أوهن من بيت العنكبوت.
القول الثالث: وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وبين أنه قول عطاء والليث بن سعد، وهو الفقيه المصري المحدث الذي قال فيه الشافعي: الليث أفقه من مالك لولا أن قومه لم يحملوه.
فشيخ الإسلام ابن تيمية بعدما ذكر قول عائشة والليث بن سعد وعطاء توسط بين قول جماهير العلماء وبين قول عائشة، وقال: أقول: هي واقعة عين لا يقاس عليها إلا مثلها، فشيخ الإسلام ابن تيمية نظر إلى قول عائشة فوجدها أباحته مطلقًا، وكذلك عطاء والليث ونظر إلى قول الجماهير وأم سلمة وزينب والأئمة الأربعة الذين حرموا رضاع الكبير، وقالوا: إنه خاص بـ سالم مولى أبي حذيفة.
ومعنى قول ابن تيمية: إنها واقعة عين لا يقاس عليها إلا مثلها: أنه من كان حاله كحال سالم أخذ حكم سالم، فإذا تربى ولد يتيم بين رجل وامرأة، ثم كبر سنه فخشي الرجل أن يرى امرأته، فإنه يجوز له الرضاع حتى يكون محرمًا لهؤلاء النسوة.
وهذا هو القول الوسط، وهو الذي أميل إليه، فرضاع الكبير قضية خاصة بـ سالم، ولا تجوز مطلقًا، بل هي واقعة عين يقاس عليها مثلها، وأصول الشريعة توافقه؛ لأن المشقة تجلب التيسير، والحرج مرفوع عن الأمة، فهذا قول قوي، وهو الراجح في هذه المسألة.
34 / 6