307

Leçons par Sheikh Abi Ishaq Al-Huwaini

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

حكم التأسي برسول الله ﷺ
آداب رسول الله ﷺ كثيرة: أدب منامه، ومأكله ومشربه، وأدب تعامله مع جيرانه ومع أزواجه وأعدائه، لم يترك العلماء بابًا من هذه الأبواب إلا ووضعوا فيه حديثًا أو حديثين، أو واقعة أو أكثر تدلل على خلق رسول الله ﷺ، لو أردت أن تتأسى بأي صفة تخطر لك على بال وجدت رسول الله إمامًا فيها، فأتم برسول الله ﷺ، فإن أصل الائتمام به واجب، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، فالأصل في طاعة أي رسول أنها واجبة على قومه، ولا تصرف الأدلة الجزئية أو الوقائع التفصيلية من الوجوب إلى الاستحباب إلا بدليل، وإلا فأصل التأسي واجب.
والعلماء لما ذكروا التأسي بالنبي ﵊ اختلفوا: هل التأسي به واجب على الإطلاق، أم مستحب على الإطلاق؟ والصواب أن المسألة فيها تفصيل: بعض أفعال النبي ﷺ كان يفعلها فعلًا جبليًا، كطريقة مشيه ﵊، فكان إذا مشى كأنما تحدر من صبب، يمشي بقوة وفتوة ﵊، وكان يمشي محلول الأزرار، وكان يمشي وفي يده عصا كل هذه تدل على المشروعية أو على الجواز أو على الاستحباب؛ لأن مثلها ارتفع إلى درجة الاستحباب والمشروعية بدليل من خارج، ولذلك العلماء يفرقون بين الأفعال الجبلية والأفعال التي قصد بها المشروعية.
فالشعر مثلًا أوصى به النبي ﵊، فلا يعامل الشعر معاملة حمل العصا ولا فك الأزرار، لا، الشعر أعلى، يعني استحبابه أوضح؛ لأن النبي ﷺ مع تركه لشعره حتى كان يضرب إلى منكبيه، كان يقول: (من كان له شعر فليكرمه) هذا حض منه على إكرام الشعر، ولم يكتف بمجرد الإطلاق لشعره فقط، حتى حض على إكرامه، وقال ﷺ: (إذا أخذت فخذ منه كله أو دعه كله).
ولكن العلماء يقولون: حتى الأفعال الجبلية التي كان يفعلها ﷺ بغير قصد أن يُتأسى به يأخذ المسلم عليها أجرًا إن قصد الموافقة؛ لأن الموافقة هي دليل الحب، فمثلًا شخص يمشي حاملًا في يديه عصى، لأن الرسول ﵊ كان يحمل العصا، لكن بشرط ألا تكون عصا المارشال، التي كان يأخذها شخص ويذهب عند الهرم، وأراد أن يكون الهرم الرابع، العصا هذه تدخل النار، لأن الذي يحملها كله كبر، لكن أن تحمل العصا بقصد التأسي برسول الله ﷺ فإنه يكتب لك بها الأجر.
فالأفعال الجبلية كلها إذا قصدت بها مطلق التأسي انتقلت من المباح إلى المستحب مباشرة، ولا يفعل هذا إلا محب، لا يبلغك عن رسول الله ﷺ شيءٌ إلا وينبغي أن تبادر إلى إثباته ولو مرة في حياتك، وهذا هو عنوان الحب.
نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل رسول الله لنا إمامًا، اللهم اجعل رسول الله لنا إمامًا، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وسلم.

26 / 7