Leçons par Sheikh Abi Ishaq Al-Huwaini
دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني
Régions
Égypte
بيان أن التأسي فطرة من فطر الله تعالى
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
إن الله ﵎ لما خلق الناس ركز في فطرهم التأسي، وقد ذكر ربنا ﵎ في أكثر من آية في كتابه هذا المعنى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال في حق النبي ﷺ بعدما ذكر ثمانية عشر نبيًا في سياق واحد، قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، وقال ﵎ لما ذكر القصص: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَاب﴾ [يوسف:١١١]؛ وإنما ذلك لما ركزه الله ﵎ في فطر الناس من التأسي.
وقد ورد مثل هذا المعنى في كثير من الأحاديث الصحيحة؛ منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث كعب بن مالك ﵁، فساق خبره في تخلفه عن غزوة تبوك، فكان مما ذكره في مسألة الأسوة، ذكر موضعين: الموضع الأول: أنه ذكر تخلفه عن الناس، وأنه في كل مرة يعزم على أن يلحق بهم فيصده النظر في أرضه وفي ثماره عن مواصلة السير خلف الغزاة، قال: (فياليتني فعلت -أي: يا ليتني لما عزمت على أن ألحق بهم فعلت- قال: وكان يحزنني أني لا أجد لي أسوة إلا منافقًا مغموصًا عليه، أو رجل ممن عذر الله ﷿ الذي كان يحزنه بعدما خرج الناس إلى الغزوة أنه لا يجد في المدينة إلا مغموصًا عليه في النفاق ممن تخلف عن النبي ﷺ، أو رجلًا ممن عذر الله ﷿.
ثم ذكر خبره وأن النبي ﷺ بعدما قدم من تبوك، وجاءه المعذرون من الأعراب، والمنافقون يعتذرون عن تخلفهم عنه في غزوة تبوك، قال: (فقبل رسول الله ﷺ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله.
قال: فلما رآني تبسَّم تبسم المغضب وقال لي: ما خلفك؟ فقلت: يا رسول الله! لو كنت عند أحد من أهل الدنيا لخرجت من سخطه بعذر، لقد أوتيت جدلًا، ولكنني إذا حدثتك حديثًا تجد به علي إني لأرجو فيه عقبى الله، ما كان لي من عذر، وما جمعت قط بين راحلتين إلا في هذه الغزوة.
فقال ﷺ: أما هذا فقد صدق.
قال: فتبعني رجال من بني سلمة، وجعلوا يؤنبونني، وقالوا: والله ما نعلم أنك أذنبت ذنبًا قبل ذلك، ولقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك.
قال: فما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي أحد غيري هذا الذي لقيت؟ قالوا: نعم.
فقال: من هم؟ قالوا: هلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع.
قال: فذكروا لي رجلين صالحين ممن شهدا بدرًا لي فيهم أسوة).
فانظر إلى الموضع الأول الذي أحزنه: أن يكون أسوته منافقًا.
وانظر إلى الموضع الثاني بعدما هم أن يكذب نفسه، ويرجع إلى النبي ﷺ فيقول: يا رسول الله أنا مخطئ! بعدما هم أن يكذب نفسه الذي ثبته وجعله رابط الجأش؛ أن رجلين فاضلين ممن شهد بدرًا لقيا ما لقيه، فقوى ذلك قلبه.
26 / 2