Les Secrets Éclatants dans l'Exégèse des Aurores
لوامع الأسرار في شرح مطالع الأنوار
[مقدمة الشارح]
[المقدمة]
هذا الكتاب شرح مطالع الأنوار فى المنطق
بسم الله الرحمن الرحيم
Page 2
الحمد لله فياض ذوارف العوارف وملهم حقايق المعارف واهب حيوة العالمين ورافع درجات العالمين والصلاة على خير بريته وخليفته فى خليقته محمد وآله خير آل ما ظهر لامع الا وخطر معنى ببال اما بعد فان العلوم على تشعب فنونها وتكثر شجونها ارفع المطالب وانفع المآرب وعلم المنطق من بينها ابينها تبيانا واحسنها شانا يا له منقبة تجلت فى الشرف والبهاء ومرتبة جلت عن الفضل والسناء فيه شفاء عن الاسقام ونجاة عن الآلام واشارات الى كنوز التحقيق وتنبيهات على رموز التدقيق وكشف الاسرار وبيان لعويصات الافكار بل انوار الهداية ومطالعها ووسائل الدراية وذرايعها ومباحث كاشفة عن الحقائق ومقاصد جامعة للدقائق من رام اختيار المعلوم فهو عينها او رغب فى انتقاد نقود المعارف فهو فضتها وعينها لا يؤمن من الاغاليط وتمويهات الاوهام الا به ولا يهتدى الى سواء السبيل الا بدرك مطالبه ولو لاه لا اتضح الخطاء عن الصواب ولم يتميز الشراب عن لامع السراب وانه لمعيار النظر والاعتبار وميزان التامل والافكار فكل نظر لا يتزن بهذا الميزان ليبرز فى معرض البطلان وكل فكر لا يعبر بهذا المعيار فهو لا يكون الا فاسدا العيار فيه معالم للهدى ومصابيح بخلو الدجى وصياقل الاذهان ولأمر ما اصبح العلماء الراسخون الذين تلألأ فى ظلم الليالى انوار قرائحهم الوفادة واستنار على صفحات الايام اثار جواهرهم النقادة يحكمون بوجوب معرفته ويفرطون فى اطرافه ومدحته حتى ان الشيخ ابا على بن سينا اذا حاول التنبيه على جلالة قواعد وفضلها قال المنطق نعم العون على ادراك العلوم كلها وابا نصر الفارابى ذلك الفيلسوف الذي لم يظفر بمثله فى تحقيق المعانى وتشييد المبانى وترقى امره الى حيث لقب بالمعلم الثاني راه كالعلق النفيس واذا قاسه بالعلوم الاخرى احله منها محل الرئيس ازهاره زهرت اعرافه ظهرت انواره بهرت فى ظلمة الليل وانى كنت فيما مضى من الزمان الى هذا الأوان مشعوفا بتحصيله مفتشا من اجماله وتفصيله شاطا راكبا على قطوف التأمل فى الشوط فاضلا نبال اللهج عن قوس الفرط واثقا فى استتبانه بصدق همة تلفظ مراميها الى المطالب وجودة قريحة تسوق حاد بها الى المآرب لم ار عالما من علماء الزمان مشارا اليه فى البيان بالبنان الا وقد استطلعته طلع بدايع اشكاله وسألته الكشف عن مواقع اشكاله ولا يبقى كتاب فيه يبالى بشأنه او يرغب فى انتهاج سنن ميدانه الا وقد تصفحت سينه وشينه وتعرفت غثه وسمينه لا سيما كتاب الشفاء الذي لا يطلع على مقاصده الا واحد بعد واحد من الازكياء ولا يهتدى الى دقايقه الا وارد بعد وارد من الفضلاء فكم صعد نظرى فيه وصوب وكم نقر عن معضلاته ونقب حتى وجدت فى اكثر ما نقل عنه المتأخرون خللا بينا والفيت فى جل ما اعترضوا عليه زللا مبينا ما قدروا على افتراغ بكار معانيه فهى بعد تحت حجب الألفاظ مستورة ولا فتقوا ارتق مبانيه وازاهيرها من وراء الأكمام ظاهرة منظورة
اذا لم تكن للمرء عين صحيحة ... فلا غروان يرتاب والصبح مسفر
فخالج قلبى ان ارتب فى هذا الفن كتابا انقد فيه الافكار واوضح الاشرار واحقق ما غفل سوء الفهم عن تحقيقه او ابين ما تطرق الشبهة فى طريقه كاشفا عن مواضع البس مميزا بين السها والشمس لا بل اشيد قواعد الكلام بما يسطع صبح الحق عن افق بيانه واوشح معاقد الايام بما ينظم التقرير المحرر من لئالي تبيانه واجمع عقد الدر بعد شتاته بقدر اجتهاد الوسع والوسع مبذول وكم غرمت فانتقض العزم وقد تقدمت فتاخر الفهم اذ انا فى زمان صار الجهل فيه مشهورا والعلم كان لم يكن شيئا مذكورا درست المعالم وعفت اثارها وارتفعت المجاهل واتقدت نارها العالم فيه مطروح على الطرق والجاهل محمول على الحدق لو قلت عميت اعين الزمان لما كذبت او عيرت ادوار الفلك الدوار عن سمت الصواب لما تجنبت ولكننى عذرت دهرى ونبذت فعلته وراء ظهرى حين عاينت حسنة كبرى من حسناته وشاهدت اية عظمى من آياته فهى التي تغطى على جميع السيئات بمكانتها بل لا يكترث لشان الزمان وحوادثه من يكون فى دايرة صيانتها وما هى الا دولة الصاحب الذي يصاحبه الاقبال والمجد والكرم المخدوم الاعظم دستور اعاظم الوزراء فى العالم مالك زمام حكام العرب والعجم رافع مراتب العلم الى الغاية القصوى مظهر كلمات الله العليا المخصوص بالنفس القدسية المكرم بالرياسة الأنسية ناظورة ديوان الوزارة عين اعيان الأمارة الفائز من قداح الفضل بالقدح المعلى المشهود له فى المعارف باليد الطولى كاشف اسرار استار الحقائق بفكره الصائب منور اسرار الدقائق برايه الثاقب
لما بدت منه محامد جمة ... فى الناس سمى بالأمين محمد
الصاحب المفضال منصور اللوى ... الماجد القرم الكريم الأوحد
راى له كالبدر يشرق فى الدجى ... ويريك احوال الخلائق فى غد
يا من يسائلنا عن الغايات ان ... فكرت فيه فهو غاية مقصد
ما ان مدحت محمدا بمقالتى ... لكن مدحت مقالتى بمحمد
Page 3
غياث الحق والدنيا والدين رشيد الإسلام ومرشد المسلمين ظل الله على الخلائق اجمعين اجرى الله تعالى اثار معاليه على صفحات الايام وربط اطناب دولته باوتاد الخلود والدوام ولا زال ركن الدين بلطائف اعتنائه ركينا ومتن العلم بعواطف اشفاقه متينا ويرجم الله عبدا قال امينا فهو الذي ارتفعت رايات ايالة الملك والدين بآرائه وانتشرت آيات الحق المبين بايمائه تلألؤ فى سرادقات جلاله انوار السعادة الأبدية وازهر فى حدائق كماله اشجار الكرامة السرمدية شمل ارباب الفضل افضاله واستنزال الدهر عن طباعه الأبية اقباله وصار عود الامل عن سحب اياديه تغدق اسافله وتورق اعاليه ان شبهته بالشمس المنيرة فكذبت او مثلته بالسحب المطيرة لما اصبت من اين للشمس دقايق معان تبهر الالباب وجلائل عبارات تنشر الفضل اللباب وانى للسحاب من الانعام ما عم جمهور الانام ودام مدى الليالى والايام ولما قصدت شكر بعض نعمه التي تتظاهر اثارها على وهممت بذكر شى ء من فواضله التي يتطرق انوارها بين يدى انتهزت وسنا من اعين الزمان وسنا في دياجير الحدثان وقصرت العزيمة على نقض العلائق والاشتغال بالتدبير اللائق فلاحظت الكتب المصنفة فى هذا الفن المشار اليه واخترت كتاب المطالع منها معرجا عليه لما رايت الأصحاب يهتمون ببحثه ودرسه ويستكشفون عنى مظان لبسه ويسئلوننى ان اشرحه شرحا يرفع ستائره ويوضح سرائره ملحين فى ذلك غاية الالحاح مقترحين على بشوافع الاقتراح فاخذت فى شرح له كشف عن وجوه فرايده نقابها وذلل من مسالك شعابه صعابها ولم اقتصر على جل تراكيبه والإفصاح عن نكت اساليبه بل حققت ايضا قواعد الفن وبينت مقاصد القوم وبالغت فى نقد الكلام وايراد ما سنخ لى من الرد والقبول والنقض والابرام نعم قد اخرجت من بحر الفكر فرايد الجواهر ونظمتها فى سمط العبارات الزواهر وسميتها بلوامع الاسرار فى شرح مطالع الأنوار وخدمت بها حضرته العلية وسدته السنية لا زالت مدين الفضائل والمآثر ومحط رحال الأفاضل والأكابر وتمنيت بعروة خدمته الاستمساك وفى سلك ذوى الاختصاص به الانسلاك لعلى اظفر من فاتحة الطافه بفتح وتتقرى الليل البهيم عن صبح صارفا بحسن عنايته غادية الزمان الخوان منشطا بلطف اعزازه عن عقال الهوان فان روج ذلك الزيف ناقد طبعه القويم ولاحظنى بعين انعامه العميم فشعشعة من ذكاء يميط ليلا ادهم بل شنشنة اعرفها من اخزم وها انا افيض فى شرح الكتاب والله الموفق بالصواب. قال:
اللهم انا نحمدك اقول الحمد هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل وهو باللسان وحده والشكر على النعمة خاصة لكن مورده يعم اللسان والجنان والأركان فبينهما عموم وخصوص من وجه لأن الحمد قد يترتب على الفضائل والشكر يختص بالفواضل والآلاء هى النعم الظاهرة والنعماء هى النعم بالباطنة كالحواس وملائماتها وخص الحمد بالالاء والشكر بالنعماء الاختصاصه بالظاهر وعدم اختصاص الشكر به وتحقيق ماهيتهما ان الحمد ليس عبارة عن قول القائل الحمد لله بل هو فعل يشعر
Page 4
[مقدمة مطالع الأنوار]
اللهم انا نحمدك والحمد من آلائك ونشكرك والشكر من نعمائك ونسئلك هدايا الهداية ونعوذ بك من الغباوة والغواية ونبتغى منك اعلام الحق والهام الصدق فانه لا علم لنا الا ما علمت ولا دراية إلا ما الهمت انك انت العليم الحكيم والجواد الكريم
Page 5
بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما وذلك الفعل اما فعل القلب اعنى الاعتقاد باتصافه بصفات الجلال والجمال او فعل اللسان اعنى ذكر ما يدل عليه او فعل الجوارح وهو الاتيان بافعال دالة على ذلك والشكر كذلك ليس هو قول القائل الشكر لله بل صرف العبد جميع ما انعم الله به عليه من السمع والبصر وغيرهما الى ما خلق واعطاه لأجله كصرف النظر الى مطالعة مصنوعاته والسمع الى تلقى ما ينبئ عن مرضاته والاجتناب عن منهياته وعلى هذا يكون الحمد اعم من الشكر مطلقا لعمومه النعم الواصلة الى الحامد وغيره واختصاص الشكر بما يصل الى الشاكر والهداية الدلالة على ما يوصل الى المطلوب والغباوة عدم الفطنة والغواية سلوك طريق لا يوصل الى المطلوب والإلهام القاء معنى فى القلب بطريق الفيض والحق حال القول والعقد المطابق للواقع بقياسه اليه اعنى كونه مطابقا للأمر الواقع واذا قيس الى الواقع فهو الصدق اى كونه مطابقا له اذا تمهد هذا التصوير فتقول للنفس الناطقة قوتان نظرية وعملية ويمكن حمل قرائن هذه الخطبة على مراتبها فى كل واحدة منهما اما مراتب القوة النظرية فلأن النفس فى مبدء الفطرة خالية عن العلوم كلها لكنها مستعدة لها والا لامتنع اتصافها بها وحينئذ تسمى عقلا هيولائيا تشبيها لها بالهيولى الخالية فى نفسها عن جميع الصور القابلة اياها ثم اذا استعملت آلاتها اعنى الحواس الظاهرة والباطنة حصل لها علوم اولية واستعدت لاكتساب النظريات وحينئذ تسمى عقلا بالملكة لأنها حصل لها بسبب تلك الاوليات ملكة الانتقال الى النظريات ثم اذا رتبت العلوم الأولية وادركت النظريات مشاهدة اياها سميت بالعقل المستفاد لاستفادتها من العقل الفعال واذا صارت مخزونة عندها وحصلت لها ملكة الاستحضار متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهى العقل بالفعل ولما كان للانسان فى مبدء الفطرة المرتبة الاولى وآلات تحصيل المرتبة الثانية اى المشاعر الظاهرة والباطنة وهى كلها نعم يجب الحمد والشكر عليها حمد الله تعالى على اعطائه اياهما اشارة الى المرتبتين وقوله ونسئلك هدايا الهداية اشارة الى المرتبة الثالثة فان تحصيل المطالب النظرية من مباديها يتوقف على هداية الله تعالى الى سواء الطريق اذ الطرق متعددة والتميز بين الصواب والخطاء لا يتم بمجرد الطاقة البشرية ولما كانت الهداية وان اقتضت حصول المطالب غير كافية فيه بل لا بد معها من ارتفاع الموانع كالغباوة والغواية استعاذ بالله تعالى عنهما وقوله ونبتغى منك اعلام الحق والهام الصدق اشارة الى المرتبة الرابعة لان ملكة الا استحضار لا تحصل الا بعد اعلامات متتالية والهامات متوالية وفيه استعار بان المبدأ الفياض للصور العقلية خزانة حافظة كها على ما تقرر فى الحكمة ثم كرر الاشارة الى المراتب الاربع بان رتب اربع قرائن بازاء كل مرتبة قرينة واحدة تعليلا لما رسم فيها فكانه قال انما حمدتك على المرتبة الاولى لأن استعداد العلوم ليس الا من حضرتك وعلى المرتبة الثانية لأن دراية العلوم الأولية فيها المعدة ونبتهل اليك فى ان تصلى على محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين وبعد فهذا مختصر فى العلوم الحقيقية والمعارف الالهية سميته بمطالع الأنوار ورتبته على طرفين الأول فى المنطق والثاني اربعة اقسام الأول فى الأمور العامة والثاني فى الجواهر خاصة والثالث فى الاغراض خاصة والرابع فى العلم الالهى خاصة
نحو اكتساب الثوانى تمتنع حصولها الا بإلهامك وانما سألتك الهداية فى تحصيل النظريات لانحصار العلم والحكمة فيك واعلام الحق والهام الصدق منك لأنك الجواد الحق والكريم المطلق واما مراتب القوة العملية فأولاها تهذيب الظاهر باستعمال الشرائع النبوية والنواميس الالهية المشتمل على جلها بل على كلها معنى الحمد والشكر حسب ما حققناه وثانيتها تهذيب الباطن عن الملكات الردية ونفض اثار شواغله عن عالم الغيب وذلك لا يتم الا بهداية الله تعالى وصرفه النفس عن الغباوة والغواية وثالثها ما يحصل بعد الاتصال بعالم الغيب وهو تجلى النفس بالصور القدسية ولا يكون ذلك الا باعلام الحق والهام الصدق ورابعها ما يتجلى له عقيب اكتساب ملكة الاتصال والانفصال عن نفسه بالكلية وهو ملاحظة جمال الله وجلاله وقصر النظر على كماله حتى يرى كل قدرة مضمحلة فى جنب قدرته الكاملة وكل علم مستغرقا فى علمه الشامل بل كل وجود وكمال انما هو فايض من جنابه والى هذه المرتبة اشار بحصر العلم والحكمة والجود فيه قال ونبتهل اليك فى ان تصلى على محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين اقول من القضايا المذكورة فى العلوم الحقيقية ان استفادة القابل من المبدأ يتوقف على مناسبة بينهما وكثيرا ما يستعملها الحكماء فى كتبهم منها انهم قالوا فى المزاج ان انكسار الكيفيات المتضادة واستقرارها على كيفية متوسطة وحدانية توجب ان تكون لها نسبة الى مبدئها الواحد بسببها يستحق ان يفيض على الممتزج صورة او نفس وكلما كان المزاج اعدل والى الواحدة الحقيقية اميل كانت النفس الفائضة عليه بمبدئها اشبه ومنها قولهم ان النفوس الفلكية تستخرج بسبب حركاتها الاوضاع الممكنة من القوة الى الفعل فيحصل لها بواسطة ذلك مناسبات الى المبادى العالية التي هى بالفعل من جميع الوجوه فيفيض عليها من تلك المبادى الكمالات اللائقة بها الى غير ذلك من المواضع ولها مثل فى المواد الجزئية لا تكاد تنحصر ولما كانت النفس الانسانية منغمسة فى العلائق البدنية مكدرة بالكدورات الطبيعيه وذات المفيض عز اسمه فى غاية التنزه عنها لا جرم وجب الاستعانة فى استفاضة الكمالات من تلك الحضيرة بتوسط يكون ذا جهتى التجرد والتعلق حتى يقبل الفيض من المبدأ الفياض بتلك الجهة الروحانية وهى منه بهذه الجهة فلذلك وقع التوسل فى استحصال الكمالات العلمية والعملية الى المؤيد بالرياستين مالك ازمة الأمور فى الجهتين بافضل الوسائل اعنى الصلاة عليه والثناء بما هو اهله ومستحقه قال وبعد فهذا مختصر فى العلوم الحقيقية اقول اراد بالعلم هاهنا ادراكات المركبات وبالمعرفة ادراك البسائط وهذا الاصطلاح يناسب ما تسمعه من ائمة اللغة ان العلم يتعدى الى مفعولين والمعرفة الى مفعول واحد فلذلك خص المعارف بالالهية والعلوم بالحقيقية وسمى المختصر بمطالع الأنوار لان مسائل هذه الفنون يظهر بها للقوة العاقلة حقايق الأشياء ظهورها بين يدى الحس بالاضواء وابواب هذا الكتاب مظاهر تلك
Page 6
الطرف الاول فى المنطق وهو قسمان
[القسم الأول فى اكتساب التصورات وفيه بابان]
الأول فى اكتساب التصورات وفيه بابان
[الباب الأول فى المقدمات وفيه فصول]
الأول فى المقدمات وفيه فصول
[الفصل الأول فى الحاجة الى علم المنطق]
الفصل الاول فى الحاجة الى المنطق العلم اما تصور ان كان ادراكا ساذجا واما تصديق ان كان معه حكم
Page 7
المسائل واسرارها كما ان المطالع مظاهر الكواكب وانوارها ورتبه على طرفين لأن المنطق مقصور بالغير والحكمة مقصورة بالذات فكان ذلك من هذه فى طرف وهى منه فى اخر وقسم الطرف الثاني اربعة اقسام لان الحكمة علم باحث عن احوال اعيان الموجودات على ما هى عليه فى نفس الامر بقدر الطاقة البشرية والموجود اما واجب او ممكن والممكن اما جوهر او عرض فالبحث عن احوال الموجودات اما عن احوال تختص باحد هذه الاقسام او عن احوال مشترك بين قسمين منها او بين الثلاثة فان كان عن الاحوال المشتركة فهى الامور العامة وان كان عن الاحوال المختصة بالجواهر فهو قسم الجواهر او بالأعراض فهو قسمها او بالواجب فهو العلم الالهى وقدم الطرف الأول لان المنطق آلة لتحصيل العلوم الحكمية والآلة متقدمة بالطبع ولما كانت الحاجة اليه لدرك المجهولات وهى اما ان يطلب تصورها او يطلب التصديق بما يجب فيها من نفى او اثبات لا جرم حصره فى قسمين احدهما الاكتساب التصورات اى المجهولات من جهة التصور وثانيهما الاكتساب التصديقات الى المجهولات من جهة التصديق وبوب القسم الاول على بابين فرقا بين ما يكون المقصود بالذات فى هذا القسم وبين ما يكون توطئة له ووضع الباب الاول لذكر المقدمات وعنى بالمقدمة هاهنا ما يتوقف عليه الشروع فى العلم وكان الأنسب تصديرها على القسمين لعدم اختصاصها بهذا القسم وجعل مباحث الالفاظ منها وان عدها بعضهم من ابواب المنطق تنبيها على انها ليست جزء منه كما سيجى ء بيانه قال الفصل الأول اقول العلوم اما نظرية غير آلية واما عملية آلية وغاية العلوم الغير الآلية حصولها انفسها وغاية العلوم الآلية حصول غيرها ولما كان المنطق علما آليا يكون له غاية والغاية متقدمة فى التصور على تحصيل ذى الغاية فلا بد من تقديم معرفة غاية المنطق على تحصيله وكما ان غاية المنطق من مقدمات الشروع فيه كذلك معرفة حقيقته ليكون الشارع فيه على بصيرة فى طلبه لكن تصور حقيقته موقوف على معرفة ثبوته لان هلية الشي ء البسيطة متقدمة على مائية بحسب الحقيقة فيجب بيان هلية المنطق حتى يمكن بيان حقيقته فلذلك بين احتياج الناس الى المنطق فى اكتساب الكمالات لأنه اذا ثبت ان الناس يحتاجون اليه فى اكتسابها ولا شك ان الكمالات ثابتة وما لا يتم الشي ء الثابت الا به فهو ثابت يلزم ان يكون المنطق ثابتا ولما اشتمل بيان الحاجة على هذه الامور الثلاثة اما على غاية المنطق فلانه اذا علم ان الاحتياج لأى سبب كان ذلك السبب غايته واما على حقيقته فلان البحث بالاخرة ينساق اليه واما على الاحتياج اليه فظاهر عنون البحث الفضل ببيان الحاجة الى المنطق ايثارا للاختصار وايضا لما كان اخر ما ينحل اليه المقاصد قدمه ووسم الفضل به واذ قد توقف بيان الحاجة على معرفة التصور والتصديق صدر الفصل بهما فقال العلم اما تصوران كان ادراكا ساذجا واما تصديق ان كان معه حكم بنفى او اثبات اى العلم اما ادراك يحصل مع الحكم او ادراك يحصل معه فان كان ادراكا يحصل مع الحكم فهو التصديق والا فهو التصور وتوضيحه انا اذا تصورنا زوايا المثلث وتصورنا التساوى للقائمتين والنسبة بينهما فلا خفاء فى انا نشك فيها قبل قيام البرهان الهندسى ثم اذا وقفنا عليه جزمنا به فيحصل لنا حالة ادراكية مغايرة للحالة السابقة فهذه الكيفية الإدراكية الحاصلة مع الحكم سميت تصديقا وتقييد الحكم بالنفى والأثبات لإخراج التقييدى وهاهنا اشكالات يستدعى المقام ايرادها وجلها احدها ان هذا التوجيه لا يكاد يتم لأن التصديق ان كان نفس الحكم لا يصدق عليه انه ادراك يحصل مع الحكم وان كان هو المجموع المركب من تصورات الثلاثة والحكم فكذلك لأن الحكم حينئذ يكون سابقا عليه فلا يكون معه وجوابه ان المصنف اختار ان التصديق مجموع الإدراكات الأربعة ولما كان الحكم جزء اخيرا للتصديق فحالة حصول الحكم يحصل التصديق فيكون ادراكا يحصل مع الحكم معية زمانية وتقدم الحكم عليه بالذات لا ينافى ذلك وكان النزاع فى انه الحكم فقط او المجموع انما نشاء من هذا المقام وثانيها ان التصديق اما نفس الحكم واما مجموع الإدراكات والحكم وايا ما كان لا يندرج تحت العلم اما اذا كان نفس الحكم فلانه عبارة عن ايقاع النسبة فهو من مقولة الفعل فلا يدخل تحت العلم الذي هو من مقولة الكيف او الانفعال واما اذا كان التصديق هو المجموع فلان الحكم ليس بعلم والمجموع المركب من العلم ومما ليس بعلم لا يكون علما وجوابه ان الحكم وايقاع النسبة وللاسناد كلها عبارات والفاظ والتحقيق انه ليس للنفس هنا تاثير وفعل بل اذعان وقبول النسبة وهو ادراك ان النسبة واقعة او ليست بواقعة فهو من مقولة الكيف وكيف لا وقد ثبت فى الحكمة ان الافكار ليست اسبابا موجدة للنتائج بل معدات للنفس لقبول صورها العقلية عن واهب الصور ولو لا ان الحكم صورة ادراكية لما صح ذلك وثالثها ان التقسيم فاسد لأن احد الامرين لازم وهو اما تقسيم الشى ء الى نفسه والى غيره واما امتناع اعتبار التصور فى التصديق وذلك لان المراد بالإدراك الساذج اما مطلق الإدراك او الإدراك الذي اعتبر معه عدم الحكم فان كان المراد مطلق الادراك يلزم الامر الاول وهو ظاهر وان كان المراد الإدراك مع عدم الحكم يلزم الأمر الثاني لانه لو كان التصور معتبرا فى التصديق وعدم الحكم معتبرا فى التصور فيكون عدم الحكم معتبرا فى التصديق فيلزم اما تقوم الشى ء بالنقيضين او اشتراطه بنقيضه وكلاهما محالان وجوابه ان اردتم بقولكم التصور معتبر فى التصديق ان مفهوم التصور معتبر فيه فلا نسلم ومن البين انه ليس معتبرا فيه فكم من مصدق لم يعرف مفهوم التصور وان اردتم ان ما صدق عليه معتبر فى التصديق فم لكن لا نسلم انه يلزم ان يكون عدم الحكم معتبرا فى التصديق وانما يلزم لو كان مفهوم التصور ذاتيا لما تحته وانه ممنوع ورابعها ان التصور والتصديق ينقسمان الى العلم والجهل فلو انقسم العلم اليهما يلزم انقسام الشى ء الى نفسه والى قسيمه وانه محال وجوابه ان العلم هاهنا عبارة عن الصورة الحاصلة من الشى ء عند الذات المجردة وهو اعم من ان يكون مطابقا اولا يكون وخامسها ان قوله العلم اما تصور ان كان ادراكا ساذجا جملة شرطية قدم الجزاء فيها على الشرط وذلك غير جايز وعلى تقدير جوازه يكون محصل الكلام ان العلم ان كان ادراكا ساذجا فهو اما تصور وان كان ادراكا مع الحكم فهو اما تصديق ومن البين فساد هذه العبارة اذ قد اورد فيها كلمة اما بدون اختها وجوابه ان الشرط هاهنا وقع حالا فلا يحتاج الى الجزاء واعلم ان مختار المصنف فى التصديق منظور فيه من وجوه الاول انه يستلزم ان التصديق ربما يكتسب من القول الشارح والتصور من الحجة اما الاول فلان الحكم فيه اذا كان غنيا عن الاكتساب ويكون تصور احد طرفيه كسبيا كان التصديق كسبيا على ما اختاره وسياتيك بيانه وحينئذ يكون اكتسابه من القول الشارح واما الثاني فلان الحكم لا بد ان يكون تصورا عنده واكتسابه من الحجة الثاني ان التصور مقابل للتصديق ولا شى ء من احد المتقابلين بجزء للمقابل الاخر واما الواحد والكثير فلا تقابل فيهما على ما نسمعه من ائمة الحكمة الثالث ان الإدراكات الأربعة علوم متعددة فلا يندرج تحت العلم الواحد فعلى هذا طريق القسمة ان يقال العلم اما حكم او غيره والاول التصديق والثاني التصور وهو مطابق لما ذكره الشيخ وغيره من محققى هذا الفن فى كتبهم لا يقال الشيخ ما قسم العلم الى التصور والتصديق بل الى التصور الساذج والى التصور مع التصديق فانه قال فى الاشارات قد يعلم تصورا ساذجا مثل علمنا بمعنى اسم المثلث وقد يعلم تصورا معه تصديق مثل علمنا بان كل مثلث فان زواياه مساوية القائمتين وذكر فى الشفاء ان الشى ء قد يعلم على وجهين احدهما ان يتصور فقط كما اذا كان له اسم فنطق به تمثل معناه فى الذهن وان لم يكن هناك صدق او كذب كما اذا قيل انسان او قيل افعل كذا فانك اذا وقفت على معنى ما نخاطب به من ذلك كنت قد تصورية والثاني ان يكون مع التصور تصديق كما اذا قيل لك مثلا ان كل بياض عرض لم يحصل لك من هذا تصور هذا القول فقط بل صدقت انه كذلك او ليس كذلك اما اذا شككت انه كذلك او ليس كذلك فقد تصورت ما يقال فانك لا تشك فيما لا تتصوره ولا تفهمه لكن لم تصدق به بعد فكل تصديق يكون معه تصور ولا ينعكس فالتصور فى مثل هذا المعنى يفيدك ان تحدث فى الذهن صورة هذا التأليف وما يؤلف منه كالبياض والعرض والتصديق هو ان يحصل فى الذهن نسبة هذه الصورة الى الأشياء انفسها انها مطابقة لها والتكذيب يخالف ذلك هذه عبارة الشيخ وهى مصرحة بما ذكرنا لأنا نقول ليس المراد ان العلم ينقسم الى التصورين والا لم يكن القسمة حاصرة فان التصديق عنده علم على مقتضى تعريفه وهو ليس شيئا منهما بل المراد ان العلم يحصل على وجهين وحصوله على وجه اخر لا ينافى ذلك على ان سائر كتب الشيخ مشحون بتقسيم العلم الى التصور والتصديق فانه ذكر فى مفتتح المقالة الأولى من الفن الخامس من منطق الشفاء ان العلم المكتسب بالفكر والحاصل بغير اكتساب فكرى قسمان احدهما التصديق والأخر التصور وقال وليس الكل من كل منهما ضروريا لا يحتاج فى حصوله الى نظر وهو ترتيب امور حاصلة يتوصل بها الى تحصيل غير الحاصل والا لما احتجنا الى تحصيل ولا نظريا يحتاج اليه والا لما قدرنا على تحصيل
Page 10
فى الموجز الكبير فى الفصل الاول من المقالة الثالثة العلم على وجهين تصور وتصديق وفى اول فصل من فصول كتاب النجاة كل معرفة وعلم اما تصور واما تصديق الى غير ذلك من مواضع كلامه هذا هو الكلام المختصر اللائق لشرح الكتاب ومن اراد الكلام المشبع الطويل الذيل فعليه بمطالعة رسالتنا المعمولة فى التصور والتصديق قال وليس الكل اقول وليس كل واحد من كل واحد من التصور والتصديق ضروريا وليس كل واحد من كل واحد منهما كسبيا وقبل الخوض فى البرهان لا بد من تحرير الدعوى فلذلك اشار اولا الى تعريف الضرورى والنظرى باستردافهما بمعرفيهما وصفا على سبيل الكشف وتعريف النظر لتوقفهما عليه فالعلم اما ضرورى او نظرى والضرورى ما لا يحتاج فى حصوله الى النظر كتصور الوجود والشى ء والتصديق بان الكل اعظم من الجزء والنظرى ما يحتاج فى حصوله الى النظر كتصور حقيقة الملك والروح والتصديق بحدوث العالم لا يقال التعريف والتقسيم فاسدان اما التقسيم فلان مورد القسمة علم وكل علم اما ضرورى او نظرى فان كان ضروريا لا يشمل النظرى وبا لعكس فلا يكون مورد القسمة شاملا للقسمين وهكذا نقول فى قسمة العلم الى التصور والتصديق بل فى كل قسمة واما التعريف فلان التصديق الضرورى قد يحتاج الى النظر لانه مفسر بما يكون تصور طرفيه وان كان بالكسب كافيا فى جزم العقل بالنسبة بينهما وحينئذ لا يكون تعريف الضرورى جامعا ولا تعريف النظرى مانعا لأنا نجيب عن الاول بعد المساعدة على المقدمتين بأنا لا نسلم انهما ينتجان شيئا فان الحكم فى الكبرى على جزئيات العلم ومورد القسمة مفهوم العلم فلا اندراج للأصغر تحت الأوسط سلمناه لكن لم قلتم انه لو كان مورد القسمة ضروريا لم يشمل النظرى وانما يكون كذلك لو لم يكن ضروريا فى بعض الصور نظريا فى بعضها فان طبيعة الاعم يمكن بل يجب اتصافها بالامور المتقابلة لتحققها فى الصور المتعددة وعن الثاني بان تعريف التصديق البديهى مختلف فيه كما اختلف فى ماهية التصديق فان التصديق عند الإمام لما كان عبارة عن مجموع الإدراكات الأربعة فانما يكون بديهيا اذا كان ذلك المجموع بديهيا وانما يكون ذلك المجموع بديهيا اذا كان كل واحد من اجزائه بديهيا ومن هاهنا تراه فى كتبه الحكمية يستدل ببداهة التصديقات على بداهة التصورات واما عند الحكيم فمناط البداهة والكسب هو نفس الحكم فقط فان لم يحتج فى حصوله الى نظر يكون بديهيا وان كان طرفاه بالكسب لا يقال حصول الحكم مفتقر الى تصور الطرفين فلو كان احدهما يحتاج الى نظر يلزم احتياج الحكم اليه فلا يكون بديهيا لأنا نقول الاحتياج المنفى هو الاحتياج بالذات وثبوت الاحتياج بواسطة لا ينافى ذلك على ان التفسير المذكور ليس للتصديق الضرورى بل للأولى فان المجربات والمتواترات والحدسيات ضرورية وليس تصورات اطرافها كافية فى حزم العقل بالنسبة بينهما ولو اصطلحنا هاهنا على ذلك لم يتم البرهان على امتناع كسبية التصديقات كلها ولم ينحصر الموصل الى التصديق فى الحجة لجواز ان يكون الموصل هو الحدس او التواتر او غير ذلك والنظر ترتيب امور حاصلة يتوصل بها الى تحصيل غير الحاصل والترتيب فى اللغة وضع كل شي ء فى مرتبته وهو قريب من مفهومه الاصطلاحى اعنى جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها الواحد ويكون لبعضها نسبة الى بعض بالتقدم والتاخر وهو اخص من التأليف اذ لا اعتبار لنسبة التقدم والتاخر فيه وانما قال امور لان الترتيب لا يتصور فى امر واحد والمراد بها ما فوق الواحد سواء كانت متكثرة اولا وهى اعم من الأمور التصورية والتصديقية وقيدها بالحاصلة لامتناع الترتيب فيها بدون كونها حاصلة ويندرج فيها مواد جميع الأقيسة وهى اولى من المعلومة لأن العلم وان جاز اخذه اعم الا انه مشترك والاحتراز عن استعمال الألفاظ المشتركة واجب فى صناعة التعريف واعتبر فى المطلوب ان يكون غير حاصل لامتناع تحصيل الحاصل وهذا تعريف بالعلل الأربع كما هو المشهور ورسم لاعتبار الخارج فيه والاشكال الذي استصعبه قوم بأنه لا يتناول التعريف بالفصل وحده ولا بالخاصة وحدها مع انه يصح التعريف باحدهما على راى المتاخرين حتى غيروا التعريف الى تحصيل امر او ترتيب امور فليس من تلك الصعوبة فى شي ء اما اولا فلان التعريف بالمفردات انما يكون بالمشتقات كالناطق والضاحك والمشتق وان كان فى اللفظ مفردا الا ان معناه شي ء له المشتق منه فيكون من حيث المعنى مركبا واما ثانيا فلان الفصل والخاصة لا يدلان على المطلوب الا بقرينة عقلية موجبة لانتقال الذهن اليه فالتركيب لازم واما ان التعريف بالعلل تعريف بالمباين فجوابه ان معناه ليس ان العلل انفسها معرفات للماهية بل الماهية تحصل لها باعتبار ومقايستها الى العلل امور لا تباينها وتحمل عليها فربما يحصل لها بالقياس الى كل علة محمول وربما يحصل لها بالقياس الى علتين او اكثر فتعريف الماهية بتلك الامور المحمولة عليها فتكون هى معرفة لها من حيث القياس الى العلل ويمكن ان يقال ايضا العلل المذكورة فى تعريف الفكر ليست عللا بالحقيقة بل قيل انها علل على سبيل التشبيه والمجاز وهذا التعريف انما هو على رأى من زعم ان الفكر امر مغاير للانتقال فاما من جعله نفسه فقد عرفه بأنه حركة ذهن الإنسان نحو المبادى (من المطالب) والرجوع عنها الى المطالب فما منه الحركة الأولى المطلوب المشعور به من وجه وما فيه (هى) الصور العقلية المخزونة عند العقل والنفس وما هى اليه الحد الأوسط والذاتى والعرضى وما منه الحركة الثانية وما هى فيه من الحدود والذاتيات والعرضيات لترتيبها ترتيبا خاصا وما هى اليه تصور المطلوب والتصديق به فالحركة الأولى تحصل المادة والثانية تحصل الصورة وحينئذ يتم الفكر وبازائه الحدس اذ لا حركة فيه اصلا وهو مختلف فى الكم كما ان الفكر مختلف فيه وفى الكيف وينتهى الى القوة القدسية الغنية عن الفكر اذا انتقش هذا على صحائف الاذهان فلنشرع فى تقرير البرهان فنقول اما الدعوى الأولى فلان كل واحد من كل واحد من التصور والتصديق لو كان ضروريا لم يحتج فى تحصيل شي ء منهما الى نظر والثاني باطل ضرورة احتياجنا فى بعض التصورات والتصديقات اليه وهذا اولى مما قيل لو كان كذلك لما جهلنا شيئا لأن الجهل لا ينافى الضرورة فان كثيرا من الضروريات كالتجربيات وما لم يتوجه اليه العقل يجهل ثم يعقل واما الدعوى الثانية فلانه لو كان كل من كل منهما نظريا لم نقدر على اكتساب شي ء منهما وفساد التالى يدل على فساد المقدم بيان الملازمة ان اكتساب النظرى انما يكون بعلم اخر واكتسابه ايضا يكون بآخر وهلم جرا فان عادت سلسلة الاكتساب يلزم الدور او ذهبت الى غير النهاية يلزم التسلسل وهما يستلزمان امتناع القدرة على الاكتساب اما الدور فلأنه يفضى الى توقف المط على نفسه وحصوله قبل حصوله واما التسلسل فلتوقف حصوله حينئذ على استحضار ما لا نهاية له وانه محال وربما يورد هاهنا اعتراضات الاول انه ان اردتم بالتصور التصور بوجه ما فلم قلتم انا نحتاج فى حصول شي ء منها الى نظر ومن البين انه ليس كذلك اذ كل شي ء يتوجه اليه العقل فهو متصور بوجه ما وان اردتم به التصور بكنه الحقيقة فلا نسلم ان الكل لو كان نظريا دارا وصار متسلسلا وانما يلزم ذلك لو لم ينته سلسلة الاكتساب الى التصور بوجه ما والجواب من وجهين الأول ان الاكتساب اما ان ينتهى الى التصور بوجه ما او لا ينتهى واياما كان يلزم الدور او التسلسل اما ان لم ينته فظاهر واما ان انتهى فلان ذلك الوجه ان كان متصورا بالكنه فكذلك وان كان متصورا بوجه اخر تنقل الكلام اليه حتى يلزم التسلسل فى تصورات الوجوه الثاني ان المراد بالتصور مطلق التصور اعم من ان يكون بوجه ما او بكنه الحقيقة لا يقال العام لا يتحقق الا فى ضمن الخاص وقد بين بطلانه لأنا نقول فرق بين ارادة مفهوم العام وبين تحققه ولا يلزم من عدم تحققه الا فى ضمن الخاص عدم ارادته الا فى ضمنه الثاني ان قولكم لو كان الكل نظريا يلزم الدور او التسلسل والقضايا التي ذكرتم فى بيانها نظرية على ذلك التقدير فلا يمكنكم الاستدلال بها والا يلزم الدور او التسلسل وهذا الشك ان ورد بطريق النقض بان يقال ما ذكرتم من الدليل يتم بجميع مقدماته فانه لو اريد اتمامه يلزم الدور او التسلسل لان القضايا المذكورة فيه كسبية على ذلك التقدير فيحتاج الى كاسب ويعود الكلام فيه فيدور او يتسلسل فالجواب عنه انا لا نم ان تلك القضايا كسبية على ذلك التقدير بل بديهية غاية ما فى الباب استحالة ذلك التقدير سلمناه لكن لا نسلم انها لو كانت كسبية على ذلك التقدير لا حاجت الى كاسب وانما يلزم ان لو كانت كسبية فى نفس الامر وهو ممنوع وان اورد على سبيل المناقضة فان منع بداهة القضايا المذكورة فلا يكاد يتوجه لان المعلل ما ادعى بداهتها بل صحتها فى نفس الامر وان منع صدقها فلا يخلو اما ان يمنع صدقها فى نفس الامر او على ذلك التقدير فظاهر انه لا يمكن التفصى عن المنع الأول بل افحام المعلل لازم واما المنع على ذلك التقدير بان يقال لا نم صدق تلك القضايا على ذلك التقدير ويبين توجيه المنع بأنها كسبية على ذلك التقدير والكسبى يمكن تطرق المنع اليه او يقال هب ان بل البعض من كل منهما نظرى يمكن تحصيله من البعض الاخر الضرورى بطرق معينة وشرائط مخصوصة لا يعلم وجودها ولا صحتها بالضرورة ولذلك يعرض الغلط فى الفكر كثيرا.
Page 13
تلك القضايا معلوم الصدق فى نفس الأمر لكن لا نسلم انها معلومة على ذلك التقدير وكيف تكون معلومة على ذلك التقدير فلو كانت معلومة يلزم الدور او التسلسل فهو منع مندفع بالترديد فان تلك القضايا لما كانت صادقة في نفس الامر فلا يخلو اما ان تكون صادقة على ذلك التقدير او لا تكون وايا ما كان يحصل المطلوب اما اذا كانت صادقة على ذلك التقدير فلتمام الدليل سالما عن المنع المذكور اما اذا لم تكن صادقة فلكون التقدير منافيا للواقع حينئذ ومنافى الواقع منتف فى الواقع الثالث ان لزوم التسلسل مبنى على ان التصور لا يمكن اكتسابه من التصديق وبالعكس فالاولى ان نقول ليس كل من كل منهما نظريا لأنا نعلم بعض التصورات والتصديقات بالضرورة كتصور الحرارة والبرودة والتصديق بان النفى والأثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان او نقول لو كان العلوم التصورية والتصديقية نظرية لامتنع حصول علم هو اول العلوم والتالى باطل اما الملازمة فلان كل علم فرض لا بد ان يتقدمه علم اخر على ذلك التقدير فلا يكون اول العلوم واما بطلان التالى فلان الإنسان فى مبدء الفطرة خال عن ساير العلوم ثم يحصل له التصور والتصديق وهو علم اول قال بل البعض اقول لما ابطل ان كل واحد من التصورات والتصديقات ضرورى او نظرى لزم ان يكون البعض من كل منهما ضروريا والبعض الأخر نظريا فان قلت كذب الموجبتين الكليتين لا يستلزم الا صدق السالبتين الجزئيتين وصدق الأعم لا يستلزم صدق الأخص قلنا ان لنا تصورات وتصديقات فالموجبة والسالبة يتساويان اذا تقرر هذا فنقول اما ان لا يمكن اقتناص النظريات من الضروريات او يمكن والاول باطل لان من علم لزوم امر لاخر ثم علم وجود الملزوم او عدم اللازم علم بالضرورة من ذلك وجود اللازم ومن هذا عدم الملزوم وايضا من حصل عنده ان كل ح ب وكل ب ا فلا بد ان يحصل عنده ان كل ج ا فتعين ان اكتساب النظريات من الضروريات ممكن فى الجملة سواء كان بالذات او بواسطة فلا يخلو اما ان يتأتى كل مط من كل ضرورى وهو اولى البطلان او يكون لكل واحد من المطالب ضروريات مخصوصة وطرق معينة مثل الحد والرسم فى التصورات والقياس والتمثيل فى التصديقات وحينئذ اما ان يحصل المطلوب من تلك الضروريات والطرق كيف ما وقعت وهو ظاهر الاستحالة او لا يحصل الا اذا كانت على شرايط واوضاع مخصوصة كمساواة المعرف وتقدمه فى المعرفة وكونه اجلى فى التصور وايجاب صغرى الشكل الاول وكلية كبراه فى التصديق وحينئذ اما ان يعلم وجود تلك الطرق والشرائط وصحتها بالضرورة اولا والأول باطل والا لم يعرض الغلط فى انظار العقلاء ولم يصور الضلال لآراء العلماء ولكن بعض العقلاء يناقض بعضا في مقتضى الافكار بل الإنسان الواحد يناقض بحسب اختلاف الأنظار فمست الحاجة الى علم يتعرف منه تلك الطرق والشرائط وهو المنطق لا يقال لا نسلم انها لو كانت ضرورية لم يقع الغلط فى الأفكار وانما يلزم ذاك لو كان وقوع الغلط من جهة الاختلال فاحتيج إلى قانون يفيد معرفة طرف الانتقال من المعلومات إلى المجهولات وشرائطها بحيث لا يعرض الغلط فى الفكر إلا نادرا وذلك هو المنطق
Page 14
بها وهو ممنوع لجواز ان يكون وقوعه لأجل فساد المادة لأنا نقول تلك الطرق والشرائط تراعى جانب المادة رعايتها جانب الصورة فلو كانت معلومة بالضرورة لم يقع الغلط لا فى الصورة ولا فى المادة او نقول وقوع الغلط اما من جهة الصورة او من جهة المادة واياما كان يتم الكلام اما اذا كانت من جهة الصورة فظاهر واما اذا كانت من جهة المادة فلأن الغلط من جهة المادة ينتهى بالاخرة إلى الغلط من جهة الصورة لأن المبادى الأول بديهية فلا يقع الغلط فيها أصلا فلو كانت صحيحة لصورة كانت المبادى الثوانى ايضا صحيحة وهلم جرا فلا يقع الغلط حينئذ اصلا فيها فقد بان ان وقوع الغلط فى الفكر لا بد وان يكون لفساد صورة فى سلسلة الاكتساب المنتهية إلى المبادى الضرورية نعم يتجه ان يقال عدم وقوع الغلط انما يلزم لو كانت معلومة وضروريتها لا يستلزم ذلك وعلى تقدير العلم بها انما لم يقع الغلط اذا روعيت والعلم بها لا يوجب رعايتها والحق ان هذه المقدمة مستدركة فى البيان فان اثبات الاحتياج الى المنطق لا يتوقف على ذلك نعم اثبات الاحتياج الى تعلمه موقوف عليه لكن المدعى ليس ذلك ولذلك تقسيم العلم الى التصور والتصديق مستدرك اذ يكفى ان يقال العلوم ليست باسرها ضرورية ولا نظرية الى آخر البيان قال فاحتيج أقول هذه اشارة الى تعريف المنطق فالقانون لفظ سريانى روى انه اسم المسطر بلغتهم وفى الاصطلاح مرادف للأصل والقاعدة وهو امر كلى منطبق على جزئيات عند تعرف احكامها منه وبالتفصيل مقدمة كلية تصلح ان تكون كبرى لصغرى سهلة الحصول حتى يخرج الفرع من القوة الى الفعل ولا خفاء فى أن المنطق كذلك لانطباقه على جميع المطالب الجزئية عند الرجوع إليه والمعلومات يتناول الضرورية والنظرية والمجهولات التصورية والتصديقية وانما لم يقل بقيد معرفة طرق الانتقال من الضروريات الى النظريات كما ذكره صاحب الكشف لئلا يوهم بالانتقال الذاتى على ما يتبادر إليه الفهم من تلك العبارة فصرح بالمقصود جريا على وتيرة الصناعة والمراد بقوله بحيث لا يعرض الغلط فى الفكر وعدم عروضه عند مراعاة القانون على ما لا يخفى فان المنطقى ربما يخطأ فى الفكر بسبب الإهمال هذا مفهوم التعريف واما احترازاته فالقانون كالجنس يشمل ساير العلوم الكلية واحترز به عن الجزئيات وباقى القيود كالفصل احتراز به عن العلوم التي لا تفيد طرق الانتقال كالنحو والهندسة وهذا التعريف مشتمل على العلل الأربع فان القانون إشارة إلى مادة المنطق فان مادته هى القوانين الكلية وقوله يفيد معرفة طرق الانتقال اشارة الى الصورة لأنه المخصص القانون بالمنطق والى العلة الفاعلية بالالتزام وهو العارف العالم بتلك القوانين وقوله بحيث لا يعرض الغلط اشارة إلى العلة الغائية وانما عرفه بالعلل الأربع لأن المراد بيان حقيقة المنطق والتعريف بها يفيد حقيقة المعرف فان وجود المعلول من لوازمها فاذا وجدت فى الذهن يلزم وجود حقيقته فيه لا يقال التعريف فاسد من وجهين الأول انه تعريف بالمباين اما اولا فلان المنطق علم والقانون من المعلومات واما ثانيا فإن قيل المنطق لكونه نظريا يعرض فيه الغلط يحوج إلى قانون اخر ويتسلسل ولأن كثيرا من الناس يكتسب العلوم والمعارف بدون المنطق قلنا المنطق
Page 15