Kitāb al-Tawḥīd
كتاب التوحيد
Enquêteur
د. فتح الله خليف
Maison d'édition
دار الجامعات المصرية
Lieu d'édition
الإسكندرية
Genres
•Maturidism
Régions
•Ouzbékistan
Empires & Eras
Samanides (Transoxiane, Khorassan), 204-395 / 819-1005
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الحمدلله الَّذِي كل حمد حمد بِهِ من دونه فراجع بِالْحَقِيقَةِ إِلَيْهِ حمدا يوافي نعمه ويكافئ من يَده ويبلغ رِضَاهُ ونسأله أَن يصلى على من ختم بِهِ الرسَالَة وعَلى إخوانه من الْمُرْسلين وعَلى أوليائه أَجْمَعِينَ ونستعصم بِهِ من الزلل ونرغب إِلَيْهِ فِيمَا يكرمنا من القَوْل وَالْعَمَل
إبِْطَال التَّقْلِيد وَوُجُوب معرفَة الدّين بِالدَّلِيلِ
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ أما بعد فَإنَّا وجدنَا النَّاس مختلفي الْمذَاهب فِي النَّحْل فِي الدّين متفقين على إختلافهم فِي الدّين على كلمة وَاحِدَة أَن الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ حق وَالَّذِي عَلَيْهِ غَيره بَاطِل على اتِّفَاق جُمْلَتهمْ من أَن كلا مِنْهُم لَهُ سلف يُقَلّد فَثَبت أَن التَّقْلِيد لَيْسَ مِمَّا يعْذر صَاحبه لإصابة مثله ضِدّه على أَنه لَيْسَ فِيهِ سوى كَثْرَة الْعدَد اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون لأحد مِمَّن ينتهى القَوْل إِلَيْهِ حجَّة عقل يعلم بهَا صَدَقَة فِيمَا يدعى وبرهان يقهر المنصفين على إِصَابَته الْحق فَمن إِلَيْهِ مرجعه فِي الدّين بِمَا يُوجب تَحْقِيقه عَنهُ فَهُوَ المحق وعَلى كل وَاحِد مِنْهُم معرفَة الْحق فِيمَا يدين هُوَ بِهِ كَأَن الَّذِي دَان بِهِ هُوَ مَعَ
1 / 3
أَدِلَّة صدقه وَشَهَادَة الْحق لَهُ قد حصرهم إِذْ مُنْتَهى حجج كل مِنْهُم مَا يضْطَر التَّسْلِيم لَهُ لَو ظفر بهَا وَقد ظَهرت لمن ذكرت وَلَا يجوز ظُهُور مثلهَا لضده فِي الدّين لما يتناقض حجج مَا غلبت حججه وَأظْهر تمويه أَسبَاب الشّبَه فِي غَيره وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعَظِيم
السّمع وَالْعقل هما أصل مَا يعرف بِهِ الدّين
ثمَّ أصل مَا يعرف بِهِ الدّين إِذْ لابد أَن يكون لهَذَا الْخلق دين يلْزمهُم الإجتماع عَلَيْهِ وأصل يلْزمهُم الْفَزع إِلَيْهِ وَجْهَان أَحدهمَا السّمع وَالْآخر الْعقل
وَأما السّمع فَمَا لَا يَخْلُو بشر من انتحاله مذهبا يعْتَمد عَلَيْهِ وَيَدْعُو غَيره إِلَيْهِ حَتَّى شاركهم فِي ذَلِك أَصْحَاب الشكوك والتجاهل فضلا عَن الَّذِي يقر بِوُجُود الْأَشْيَاء وتحقيقها على ذَلِك جرت سياسة مُلُوك الأَرْض من سيرة كل مِنْهُم مَا راموا تَسْوِيَة أُمُورهم عَلَيْهِ وتأليف مَا بَين قُلُوب رعيتهم بِهِ وَكَذَلِكَ أَمر الَّذين ادعوا الرسَالَة وَالْحكمَة وَمن قَامَ بتدبير أَنْوَاع الصِّنَاعَة وَبِاللَّهِ المعونة والنجاة
وَأما الْعقل فَهُوَ أَن كَون هَذَا الْعَالم للفناء خَاصَّة لَيْسَ بحكمة وَخُرُوج كل ذِي عقل فعله عَن طَرِيق الْحِكْمَة قَبِيح عَنهُ فَلَا يحْتَمل أَن يكون الْعَالم الَّذِي الْعقل مِنْهُ جُزْء مؤسسا على غير الْحِكْمَة أَو مجعولا عَبَثا
1 / 4
وَإِذا ثَبت ذَلِك دلّ أَن إنْشَاء الْعَالم للبقاء لَا للفناء
ثمَّ كَانَ الْعَالم بِأَصْلِهِ مَبْنِيا على طبائع مُخْتَلفَة ووجوه متضادة وبخاصة الَّذِي هُوَ مَقْصُود من حَيْثُ الْعقل الَّذِي يجمع بَين الْمُجْتَمع وَيفرق بَين الَّذِي حَقه التَّفْرِيق وَهُوَ الَّذِي سمته الْحُكَمَاء الْعَالم الصَّغِير فَهُوَ على أهواء مُخْتَلفَة وطبائع مُتَشَتِّتَة وشهوات ركبت فيهم غالبة لَو تركُوا وَمَا عَلَيْهِ جبلوا لتنازعوا فِي تجاذب الْمَنَافِع وأنواع الْعِزّ والشرف وَالْملك وَالسُّلْطَان فيعقب ذَلِك التباغض ثمَّ التقاتل وَفِي ذَلِك التفاني وَالْفساد الَّذِي لَو أَمر كَون الْعَالم لَهُ لبطلت الْحِكْمَة فِي كَونه مَعَ مَا جعل الْبشر وَجَمِيع الْحَيَوَان غير مُحْتَمل للبقاء إِلَّا بالأغذية وَمَا بِهِ قوام أبدانهم إِلَى المدد الَّتِي جعلت لَهُم فَلَو لم يرد بتكوينهم سوى فنائهم لم يحْتَمل إنْشَاء مَا بِهِ بقاؤهم وَإِذ ثَبت ذَا لَا بُد من أصل يؤلف بَينهم ويكفهم عَن التَّنَازُع والتباين الَّذِي لَدَيْهِ الْهَلَاك والفناء
فَلَزِمَ طلب أصل يجمعهُمْ عَلَيْهِ لغاية مَا احْتمل وسعهم الْوُقُوف عَلَيْهِ على أَن الأحق فِي ذَلِك إِذْ علم بحاجة كل مِمَّن يُشَاهد وضرورة كل من المعاين أَن لَهُم مُدبرا عَالما بأحوالهم وَبِمَا عَلَيْهِ بقاؤهم وَأَنه جبلهم على الْحَاجَات لَا يدعهم وَمَا هم عَلَيْهِ من الْجَهْل وَغَلَبَة الْأَهْوَاء مَعَ مَا لَهُم من الْحَاجة فِي معرفَة مَا بِهِ معاشهم وبقاؤهم دون أَن يُقيم لَهُم من يدلهم على ذَلِك ويعرفهم ذَلِك وَلَا بُد من أَن يَجْعَل لَهُ دَلِيلا وبرهانا يعلمُونَ خصوصه بِالَّذِي خصّه بِهِ من الْإِمَامَة
1 / 5
لَهُم وأحوجهم إِلَيْهِ فِيمَا عَلَيْهِ أَمرهم فَيكون فِي ذَلِك مَا بَينا من صدق من يَنْتَهِي قَوْله إِلَى قَول من دلّ عَلَيْهِ الْعَالم بِأَمْر الْعَالم أَنه هُوَ الَّذِي جعله المفزع لَهُم وَالْمُعْتَمد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ اخْتلف فِي الْأَسْبَاب الَّتِي بهَا يعلم الْمصَالح وَالْحق والمحاسن من أضدادها فَمنهمْ من يَقُول هُوَ مَا يَقع فِي قلب كل مِنْهُم حسنه لزمَه التَّمَسُّك بِهِ وَمِنْهُم من يَقُول يعجز الْبشر عَن الْإِحَاطَة بِالسَّبَبِ وَلَكِن يتَمَسَّك بِمَا ألهم لما يكون ذَلِك مِمَّن لَهُ تَدْبِير الْعَالم
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وهما بعيدان من أَن يَكُونَا من أَسبَاب الْمعرفَة لِأَن وُجُوه التضاد والتناقض فِي الْأَدْيَان بَين ثمَّ عِنْد كل وَاحِد مِنْهُم أَنه المحق ومحال أَن يكون سَبَب الْحق يعْمل هَذَا الْعَمَل لما تصور الْبَاطِل بِنَفس صُورَة الْحق فمحال الثِّقَة بِمن ظهر كذبه كل هَذَا الظُّهُور مَعَ مَا كَانَ مُعْتَقدًا لمَذْهَب بإعتقاد الْحق بِمَا ذكرت عِنْد ضِدّه وَفِي إلهامه أَنه مُبْطل وَلم يكن لوَاحِد مِنْهُمَا دَلِيل غير الَّذِي لآخر فِي خطابه وَذَلِكَ نوع مَا لَا يدْفع الإختلاف والتضاد اللَّذين بهما التفاني وعَلى ذَلِك يبطل إِعْلَام الْقرعَة فِيمَا يعجز عَنهُ ذُو الْعقل وَلم يَجْعَل فِي الحكم الْجَبْر على الرِّضَا إِذْ هِيَ تخرج مُخْتَلفا وَكَذَلِكَ أَمر الْقَائِف فَلم يجز أَن يَكُونَا سببى الْحق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
1 / 6
السبل الموصلة إِلَى الْعلم هِيَ العيان وَالْأَخْبَار وَالنَّظَر
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ السَّبِيل الَّتِي يُوصل بهَا الى الْعلم بحقائق الْأَشْيَاء العيان وَالْأَخْبَار وَالنَّظَر فالعيان مَا يَقع عَلَيْهِ الْحَواس وَهُوَ الأَصْل الَّذِي لَدَيْهِ الْعلم الَّذِي لَا ضد لَهُ من الْجَهْل فَمن قَالَ بضده من الْجَهْل فَهُوَ الَّذِي يُسمى منكره كل سامع مكابرا تأبى طبيعة الْبَهَائِم أَن يكون ذَلِك رتبتها إِذْ أكل مِنْهَا يعلم مَا بِهِ بَقَاؤُهَا وفناؤها وَمَا يتلذذ بِهِ ويتألم وَصَاحب هَذَا يُنكر ذَلِك وَأجْمع أَن لَا يناظر مَعَ من كَانَ ذَلِك قَوْله إِذْ لَا يثبت إِنْكَاره وَلَا حُضُوره بِنَفسِهِ والمناظرة فِي مائية الشَّيْء أَو هستيته وَهُوَ لَهما وللدفع جَمِيعًا دَافع وَلكنه يمازج فَيُقَال لَهُ تعلم بأنك تنفى فَإِن قَالَ لَا بَطل نَفْيه وَإِن قَالَ نعم أثبت نَفْيه فَيصير بِمَا يدْفع دافعا لدفعه ويؤلم بالألم الشَّديد من قطع الْجَوَارِح ليَدع تعنته إِذْ نَحن نعلم أَنه يعلم العيان إِذْ هُوَ علم الضَّرُورَة وَلكنه بقوله مُتَعَنتًا وَحقّ مثله مَا ذكرت ليجزع ويضجر فيقابل بتعنت مثله فينهتك لَدَيْهِ ستره وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَالْأَخْبَار نَوْعَانِ من أنكر جملَته لحق بالفريق الأول لِأَنَّهُ أنكر إِنْكَاره إِذْ إِنْكَاره خبر فَيصير مُنْكرا عِنْد إِنْكَاره إِنْكَاره مَعَ مَا فِيهِ جهل نسبه وإسمه ومائيته وَاسم جوهره وَاسم كل شَيْء فَيجب بِهِ جهل محسوس وعجزه عَن أَن يخبر عَن شَيْء عاينه إِذا خبر بِهِ فَكيف يبلغ هُوَ إِلَى الْعلم بِمَا يبلغهُ مِمَّا غَابَ عَنهُ أَو مَتى يعلم مَا بِهِ معاشه وغذاؤه وكل ذَلِك يصل
1 / 7
إِلَيْهِ بالْخبر مَعَ مَا فِيهِ الكفران بعظيم نعم الله عَلَيْهِ وبأصل مَا حمد هُوَ بِهِ وَبِمَا فضل بِهِ على الْبَهَائِم من النُّطْق بِالسَّمْعِ وَذَلِكَ نِهَايَة المكابرة
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ ثمَّ لَا يُوصل بهما إِلَى إِدْرَاك المحاسن والمساوئ الَّتِي لَا يعْمل الْعُقُول على الْإِحَاطَة بهَا إِلَّا بإستعمال الألسن بالتكلم بهَا وإدناء السّمع إِلَيْهَا وَحقّ مناظرة هَذَا وَإِن كَانَت مناظرته سفها فيمازج أَيْضا فَنَقُول لَهُ عِنْد إِنْكَاره الْخَبَر مَا تَقول فَإِن عَاد إِلَيْهِ فَاعْلَم أَنه قبل خبرك حَيْثُ عَاد إِلَى قَوْله وَهُوَ استعادتك الْخَبَر وَإِن لم يعد إِلَيْهِ كفيت شَره وحمدت الله وضحكت مِنْهُ
وَمثله لمن يُنكر العيان تَقول لَهُ مَا تَقول فَإِن عَاد إِلَيْهِ ظهر لَك أَنه يُعلمهُ وَلكنه يتعنت وَإِن لم يعد إِلَيْهِ كفيت شَره وشكرت الله تَعَالَى على مَا ألهمك أَو تضربه وتؤلم فَإِنَّهُ لَا يقدر أَن يضجر أَو يقابلك بالعتاب لما لَا يحْتَمل ذَلِك إِلَّا بِتَسْمِيَة فعلك وَذَلِكَ يعرف بالْخبر وَقد أنكرهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ إِذْ قد لزم قبُول الْأَخْبَار بضرورة الْعقل لزم قبُول أَخْبَار الرُّسُل إِذْ لَا خبر أظهر صدقا من خبرهم بِمَا مَعَهم من الْآيَات الْمُوَضّحَة صدقهم إِذْ لَا يُوجد خبر يطمئن إِلَيْهِ الْقلب مِمَّا بَينا من المعارف الَّتِي يصير مُنكر ذَلِك مُتَعَنتًا بضرورة الْعقل أوضح صدقا من أَخْبَار الرُّسُل صلوَات الله عَلَيْهِم فَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ أَحَق من يقْضى عَلَيْهِ بالتعنت والمكابرة ثمَّ الْأَخْبَار الَّتِي تَنْتَهِي إِلَيْنَا من الرُّسُل تَنْتَهِي على ألسن من يحْتَمل مِنْهُم الْغَلَط وَالْكذب إِذْ لَيْسَ مَعَهم دَلِيل الصدْق وَلَا برهَان الْعِصْمَة فَحق مثله النّظر فِيهِ فَإِن كَانَ مثله مِمَّا لَا يُوجد
1 / 8
كذبا قطّ فَهُوَ الَّذِي من انْتهى إِلَيْهِ مثله لزمَه حق شُهُود القَوْل مِمَّن اتَّضَح الْبُرْهَان على عصمته وَذَلِكَ وصف خبر الْمُتَوَاتر إِن كلا مِنْهُم وَإِن لم يقم دَلِيل على عصمته فَإِن الْخَبَر مِنْهُم إِذا بلغ ذَلِك الْحَد ظهر صدقه وَثبتت عصمَة مثله على الْكَذِب وَإِن أمكن خلاف ذَلِك فِي كل على الْإِشَارَة وَهَكَذَا القَوْل فِيمَا طَرِيقه الإجتهاد وَإِن احْتمل خطأ كل على الإنفراد والغلط فَإِنَّهُم لم يتفقوا بِمن يوفقهم لذَلِك ليظْهر حَقه إِذْ الآراء لَا تُؤدِّي إِلَيْهِ بعد اخْتِلَاف الْأَهْوَاء وتفرق الهمم لذات ذِي الرَّأْي دون لطف الْعَزِيز الحميد الَّذِي يملك إِظْهَار حَقه وعصمة خلقه فِيمَا شَاءَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَخبر آخر لَا يبلغ هَذَا الْقدر فِي إِيجَاب الْعلم وَالشَّهَادَة بِأَنَّهُ الْحق عَن نَبِي الرَّحْمَة فَيجب الْعَمَل بِهِ وَالتّرْك بالإجتهاد وَالنَّظَر فِي أَحْوَال الروَاة وَالظَّاهِر مِمَّا ظهر حَقه وجوازه فِي السّمع الَّذِي قد أحيط ثمَّ يعْمل بِمَا يغلب عَلَيْهِ الْوَجْه وَإِن احْتمل الْغَلَط إِذْ رُبمَا يعْمل بِهِ فِي علم الْحس الَّذِي هُوَ أرفع طرق الْعلم بِضعْف الْحَواس وببعد المحسوس ولطفه على أَن ترك الْعَمَل بِهِ وَالْعَمَل جَمِيعًا لَا يرجع فِيهِ إِلَى الْإِحَاطَة وَإِلَى أَيهمَا مَال كَانَ فِي ذَلِك إِعْرَاض عَن حق الْخَبَر فَلذَلِك لزم القَوْل فِيهِ بالإجتهاد بِالْوَجْهَيْنِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الأَصْل فِي لُزُوم القَوْل بِعلم النّظر وُجُوه أَحدهمَا الإضطرار إِلَيْهِ فِي علم الْحس وَالْخَبَر وَذَلِكَ فِيمَا يبعد من الْحَواس أَو يلطف وَفِيمَا يرد من الْخَبَر أَنه فِي نوع مَا يحْتَمل الْغَلَط أَولا ثمَّ آيَات الرُّسُل وتمويهات السَّحَرَة وَغَيرهم فِي التَّمْيِيز بَينهَا وَفِي تعرف الْآيَات بِمَا يتَأَمَّل فِيهَا من قوى الْبشر وأحوال الْآتِي بهَا
1 / 9
ليظْهر الْحق بنوره وَالْبَاطِل بظلمته وعَلى ذَلِك دلّ الله بِالَّذِي ثَبت بالأدلة المعجزة أَنه مِنْهُ من نَحْو الْقُرْآن الَّذِي عجز الْإِنْس وَالْجِنّ أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ مَعَ الْأَمر بِهِ بقوله ﴿سنريهم آيَاتنَا فِي الْآفَاق﴾ إِلَى آخر السُّورَة وَقَوله ﴿أَفلا ينظرُونَ إِلَى الْإِبِل﴾ وَقَوله ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقَوله ﴿وَفِي أَنفسكُم أَفلا تبصرون﴾ وَغير ذَلِك مِمَّا رغب فِي النّظر وألزم الإعتبار وَأمر بالتفكر والتدبر وَأخْبر أَن ذَلِك يوقفهم على الْحق وَيبين لَهُم الطَّرِيق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
مَعَ مَا لَيْسَ لمن يُنكر النّظر على دَفعه دَلِيل سوى النّظر فَدلَّ ذَلِك على لُزُوم النّظر بِمَا بِهِ دَفعه مَعَ مَا لَا بُد من معرفَة مَا فِي الْخلق من الْحِكْمَة إِذْ لَا يجوز فعل مثله عَبَثا وَمَا فِيهِ من الدّلَالَة على من أنشأه أَو على كَونه بِنَفسِهِ أَو حدث أَو قدم وكل ذَلِك مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى الْعلم بِهِ إِلَّا بِالنّظرِ على أَن الْبشر خص بِملك تَدْبِير الْخَلَائق والمحنة فِيهَا وَطلب الْأَصْلَح لَهُم فِي الْعُقُول وَاخْتِيَار المحاسن فِي ذَلِك وإتقاء مضادة ذَلِك وَلَا سَبِيل إِلَى معرفَة ذَلِك إِلَّا بإستعمال الْعُقُول بِالنّظرِ فِي الْأَشْيَاء على أَن مفزع الْكل عِنْد النوائب وَاعْتِرَاض الشّبَه إِلَى النّظر فِي ذَلِك والتأمل فَدلَّ أَنه يدل على الْحَقَائِق ويوصل بِهِ إِلَيْهَا على نَحْو الْفَزع عِنْد اشْتِبَاه اللَّوْن إِلَى الْبَصَر وَالصَّوْت إِلَى السّمع وَكَذَا كل شَيْء إِلَى الحاسة الَّتِي بهَا دركها فَمثله النّظر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن محَاسِن الْأَشْيَاء ومساويها وَمَا قبح من الْأَفْعَال وَمَا حسن مِنْهَا فَإِنَّمَا نِهَايَة الْعلم بعد وُقُوع الْحَواس عَلَيْهَا وورود الْأَخْبَار فِيهَا إِذا أُرِيد تَقْرِير كل جِهَة من ذَلِك فِي الْعُقُول والكشف عَن وُجُوه مَا لَا سَبِيل إِلَى ذَلِك إِلَّا بِالتَّأَمُّلِ وَالنَّظَر فِيهَا وعَلى ذَلِك أَمر المكاسب الضارة والنافعة على أَن الْبشر جبل
1 / 10
على طبيعة وعقل وَمَا يُحسنهُ الْعقل غير الَّذِي ترغب فِيهِ الطبيعة وَمَا يقبحه غير الَّذِي ينفر عَنهُ الطَّبْع أَو يكون بَينهمَا مُخَالفَة مرّة وموافقة ثَانِيًا لَا بُد من النّظر فِي كل أَمر والتأمل ليعلم حَقِيقَة أَنه فِي أَي فن وَنَوع مِمَّا ذكرنَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
الدَّلِيل على حدث الْأَعْيَان
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور ﵀ الدَّلِيل على حدث الْأَعْيَان هُوَ شَهَادَة الْوُجُوه الثَّلَاثَة الَّتِي ذكرنَا من سبل الْعلم بالأشياء فَأَما الْخَبَر فَمَا ثَبت عَن الله تَعَالَى من وَجه يعجز الْبشر عَن دَلِيل مثله لأحد إِنَّه أخبر أَنه خَالق كل شَيْء وبديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأَن لَهُ ملك مَا فِيهِنَّ وَقد بَينا لُزُوم القَوْل بالْخبر وَلَيْسَ أحد من الْأَحْيَاء ادّعى لنَفسِهِ الْقدَم أَو أَشَارَ إِلَى معنى يدل على فدمه بل لَو قَالَ لعرف كذبه هُوَ بِالضَّرُورَةِ وَكَذَا كل من حَضَره بِمَا رَأَوْهُ صَغِيرا وَيذكر ابتداؤه أَيْضا لذَلِك لزم القَوْل بِحَدَث الْأَحْيَاء ثمَّ الْأَمْوَات تَحت تَدْبِير الْأَحْيَاء فهم أَحَق بِالْحَدَثِ وَالله الْمُوفق
وَعلم الْحس وَهُوَ أَن كل عين من الْأَعْيَان يحس محاطا بِالضَّرُورَةِ مَبْنِيا بِالْحَاجةِ والقدم هُوَ شَرط الْغِنَا لِأَنَّهُ يسْتَغْنى بقدمه عَن غَيره والضرورة وَالْحَاجة يحوجانه إِلَى غَيره فَلَزِمَ بِهِ حَدثهُ وَأَيْضًا أَن كل شَيْء جَاهِل يَبْدُو حَاله عَاجز عَن إصْلَاح مَا يفْسد مِنْهُ فِي الْحَال الَّتِي هُوَ فِيهَا مَوْصُوف بالكمال فِي الْقُوَّة وَالْعلم إِذا كَانَ ذَلِك حَيا وَلَو كَانَ مَيتا فسلطان الْحَيّ عَلَيْهِ جَار ثَبت
1 / 11
أَنه لم يكن وَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا بِغَيْرِهِ وَإِذا ثَبت الْغَيْر لزم الْحَدث إِذْ الْقدَم يمْنَع الْكَوْن لغيره
وَأَيْضًا أَن كل محسوس لَا يَخْلُو عَن إجتماع طبائع مُخْتَلفَة ومتضادة مِمَّا حَقّهَا التنافر والتباعد لأنفسها ثَبت إجتماعها بغَيْرهَا وَفِي ذَلِك حَدثهُ وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا أَن الْعَالم ذُو أَجزَاء وأبعاض وَيعلم أَكثر أَبْعَاضه أَنه حَادث بعد أَن لم يكن وَيعلم نماؤه وإتساعه وَكبره لزم ذَلِك فِي كُله إِذْ لَا يصير إجتماع أَجزَاء متناهية غير متناهية
وَأَيْضًا أَن مِنْهُ طيب وخبيث وصغير وكبير وَحسن وقبيح وَنور وظلمة وَهَذِه آيَات التَّغَيُّر والزوال وَفِي التَّغَيُّر والزوال فنَاء وهلاك إِذْ مَعْلُوم أَن الإجتماع يُؤَكد ويقوى ويعظم دَلِيله النشر وَأَنه إِذا تفرق بَطل ذَلِك فَثَبت أَن ذَلِك آيَة الفناء وَمَا احْتمل الفناء لم يجز كَونه بِنَفسِهِ
وَيلْزم أَيْضا إحتمال الإبتداء وَلَيْسَ لقَوْل من يَقُول يغيب عَن الْأَبْصَار وَلَا يفنى معنى لما علم الْعَالم بالبصر لَا بالدلائل وَبِه يدعى الْقدَم فقد زَالَ ذَلِك مَعَ مَا أَنا بَينا من وهنه وَلَا فرق بَين حَيَاة تفنى وَبَين ذَاته وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعَلى ذَلِك طَرِيق علم الإستدلال مَعَ مَا أَنه لَا يَخْلُو الْجِسْم من حَرَكَة أَو سُكُون وَلَيْسَ لَهَا الإجتماع فيزول من جملَة أوقاته نصف الْحَرَكَة وَنصف السّكُون وكل ذِي نصف متناه على أَنَّهُمَا إِذْ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْقدَم لزم حدث أحد الْوَجْهَيْنِ ويبطلانه أَن يكون مُحدثا فِي الْأَزَل لزم فِي الآخر وَفِي ذَلِك حدث مَا لَا يَخْلُو عَنهُ
وَأَيْضًا أَن كل جسم لَا يَخْلُو عَن سُكُون دَائِم أَو حَرَكَة دائمة أَو هما وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا مَدْفُوع إِلَيْهِ مسخر بِهِ ومجعول لمنافع غير وَإِذا كَانَ ذَلِك وصف جَوَاهِر الْعَالم الَّتِي لَا تُوصَف بِالْحَيَاةِ ثَبت أَنَّهَا محدثة إِذْ هِيَ لَا على مَا هِيَ بِنَفسِهَا وَلَكِن على تسخيرها وتذليلها وإستعمالها فِي حوائج غَيرهَا وَإِذا ثَبت ذَلِك فِي أصل
1 / 12