خِلافُ الأُمَّةِ في العِبَادَاتِ
وَمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ
لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ
أَبِي العَبَّاسِ، تَقِيِّ الدِّينِ، أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ
المُتَوَفَّى سَنَةَ (٧٢٨) هـ
قَدَّمَ لَهَا وَعَلَّقَ عَلَيْهَا:
عثمان جمعة ضميرية
دار الفاروق
ص.ب: ٣١٩ - هاتف: ٧٤٦٦٣٣٢
الطائف - المملكة العربية السعودية
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤١٠ هـ / ١٩٩٠ م
1
خلاف الأمة في العبادات
2
بِسْمِ ٱللَّٰهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
3
4
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، والصلاة والسلام التامَّان الأكملان على رسوله المجتبى ونبيه المصطفى، وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى، وبعد:
فقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن تكون الرسالة المحمدية خاتمة الرسالات السماوية، فقد أكمل الله تعالى بها الدين وأتم النعمة على هذه البشرية فقال:
﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإِسلام ديناً ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣].
ورسالةً هذا شأنها لابدَّ أن تكون وافية بمتطلبات الحياة البشرية جميعها، وأن تكون ناظمة لكل العلاقات، علاقة المرء بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بمن حوله، ولا بد أن تكون رسالة كاملة، إذ ليس بعدها رسالة، وليس بعد رسولها رسول:
﴿ ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكنْ رسولَ الله وخاتم النبيين ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٤٠].
5
- ١ -
● ومن الأهمية البالغة أن يتعرف المسلم على هذا الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا ديناً، يتعرف عليه على أنه دين شامل كامل، لم يترك جانباً من جوانب حياة الإنسان إلا وقد نظّمه، ووضع له أحكاماً خاصة، فالشريعة الإسلامية تحدِّد للمكلفين أحكاماً في أقوالهم وأفعالهم، ولا يَنِّ عنها شيء.
● وهذه النظرة الكلية الشاملة للإسلام تجعلنا نقف على أربعة شُعَبٍ تكوِّن مجموع هذا الدين الذي أنزله الله تعالى: عقيدةً، وعبادة، وشريعة، ومنهجاً أخلاقياً.
● فالعقيدة تتضمن الحقائق الكبرى التي دعا إليها القرآن الكريم دعوة ملحّة متكررة بطرق شتى، وكذلك كان عمل الرسول ﷺ، ولا سيما في المرحلة المكية من الدعوة، موجهاً إلى أسس العقيدة والإيمان بها. وحتى عندما بدأت المرحلة المدنية بما فيها من تشريع وأحكام كانت العقيدة محوراً لهذه الأحكام ومنطلقاً لها.
وتقوم هذه العقيدة على أساس شهادة "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" وما يتفرع عنها من أركان ومقتضيات، كالإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، وكالنظرة الكلية لهذا الوجود كله، وأنه من خلق الله وتدبيره.
ولهذه العقيدة تأثير كبير في الحياة البشرية، الفردية والجماعية، وهي تتخلل جميع سور القرآن الكريم بلا استثناء، وتتخلل جميع أحكام الإسلام الأخلاقية والتشريعية، فإننا لا نستطيع - مثلاً - أن نعزل قواعد النظام الاجتماعي التي أرساها القرآن الكريم عن هذا العنصر الإيماني، ولا نستطيع أن نعزل قواعد النظام الاقتصادي أو السياسي أو غيرهما من النظم الإسلامية عن هذه العقيدة، وكذلك نجد الأحكام الأخلاقية تتخلل جميع الأحكام الفقهية، كما أن كل جانب من هذه الجوانب التي ألمحنا إليها مرتبط بسائر الجوانب والتشريعات، فهي بمجموعها تكوِّن كُلَّا مُنَسَّقاً متكاملاً مترابطاً
6
والعقيدة هي اللَّبنة الأولى الأساسية في بناء الإِسلام، وهي أساس قبول العمل عند الله تعالى، ولذلك قال الله تعالى عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. [سورة الفرقان، الآية: ٢٣].
وعن هذه العقيدة تتفرع بقية الشعب الآتية، وعليها ترتكز وتقوم، فإذا انفصلت عنها أو لم ترتكز عليها كانت هباءً وأهواءً، وكان العمل ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. [سورة النور، الآية: ٣٩].
وأما العبادة؛ فقد جعلها الله تعالى غاية الوجود الإِنساني: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦]، كما جعلها تعبيراً حياً عن العقيدة التي تستقرّ في قلب المسلم، وتنقلها من حيز الفكر المجرد إلى حيز القلب الذي يحس ويشعر، وإلى مجال العمل الصالح، فيجعلها بذلك قوة دافعة، لها حرارتها ونورها وأثرها في الحياة، ومن هنا كان ذلك الاقتران في القرآن الكريم بين الإِيمان والعمل الصالح: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
والعبادة تذكِّر الإِنسان بموقعه الحقيقي في هذا الوجود، وترقّي الجوانب النفسية والروحية عنده، وهي غير منفصلة عن أي جانب من جوانب الحياة، وفي الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: ((فوالله إني لأخشاكم الله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)).(١)
وهذا يعطينا مفهوماً صحيحاً عن العبادة، فهي ليست محصورة في الشعائر التعبدية، التي هي أركان الإِسلام، بل إنها تشمل جميع جوانب الحياة البشرية إذا ما التزم فيها المسلم بما شرع الله تعالى، فهي - كما يقول ابن تيمية رحمه الله -: ((اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الخير والبر والطاعة، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فالصلاة والزكاة والحج، والدعاء وتلاوة القرآن الكريم، والجهاد والعمل الحلال، وطلب العلم والذكر والدعاء..)) الخ ،
(١) أخرجه البخاري في النكاح: (١٠٤/٩)، ومسلم أيضاً في النكاح: (١٠٢٠/٢).
7
كل هذه الجوانب أبواب وفصول من كتاب العبادة الكبير، التي خلقنا الله تعالى لأجلها.
• وليس الإِسلام محصوراً في هاتين الشعبتين فحسب، بل هو شريعة تنظم حياة الإِنسان، ثم تنطلق لتضع أحكاماً لتنظيم الحياة الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد. كما تنظم الحياة الاقتصادية للإِنسان ببيان ما يحلُّ وما يحرم من طرائق الكسب والإِنفاق. وتمتد لتشمل تنظيم علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى، في حال السلم والحرب، ضمن قواعد الحق والعدالة والخير.
ولذلك نجد في فقهنا الإِسلامي ما يسمى اليوم بأحكام الأسرة والمعاملات المالية والنظم الجنائية والدستورية والإدارية والاقتصادية والعلاقات الدولية الخاصة والعامة. وغير ذلك مما يعرفه علماء اليوم من هذه التنظيمات والمبادىء.
وأما الأخلاق فهي تحدد قواعد السلوك في الحياة الفردية فيما بين الإِنسان ونفسه، وفي الحياة الأسرية فيما بينه وبين زوجه وأولاده..، وفي الحياة الاجتماعية عامة فيما بينه وبين الناس على اختلاف نوعية علاقتهم، كما تشمل النفسية المثالية التي يسعى الإِسلام لتحقيقها وتزكيتها، فقد قال الله تعالى: ﴿ونفسٍ وما سوَّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكًّاها وقد خاب من دسَّاها﴾. [سورة الشمس، الآية: ٧-١٠].
وفي كتاب الله تعالى وفي سنة النبي ﷺ، الذي بعثه الله تعالى ليتمم مكارم الأخلاق ومدحه بعظمة الخلق حيث قال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [سورة القلم، الآية: ٤]. في الكتاب والسنة بيانٌ للمنهج الأخلاقي الأمثل وحثّ على مكارم الأخلاق وتحذيرٌ من سفاسفها، ثم إقامةٌ لمعالم النظام الأخلاقي وربطه بالعقيدة والعبادة.
وبعد - أيها القارىء الكريم - فلا تحسبنَّ أن كل جانب من تلك الجوانب، يمكن أن نفصله عن سائر الجوانب، فإننا لم نقصد إلى ذلك، ولكنا فصلناها من أجل البيان والتعرف على كلٍ منها فحسب، وإلا فهي كلٌّ متكامل مترابط، فالإِسلام: عقيدة وعبادة وشريعة (منهج حياة) وأخلاق.
8
وإننا نجد دليل هذه الفكرة ومصداقها في كتاب الله تعالى، في كثير من المواضع منه، حيث يذكر الله تعالى هذه الجوانب في سياق واحد تترابط فيه تلك الجوانب وتتمركز حول العقيدة والإيمان الذي تنبثق منه سائر الجوانب والأركان، فقد قال الله تعالى:
﴿ ليس البرَّ أن تولّوا وجوهكم قِبَلَ المشرق والمغربِ ولكنَّ البرَّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتابِ والنبيِّين، وآتى المال على حبِّه ذوي القربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيلِ والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفونَ بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ﴾. [سورة البقرة، الآية: ١٧٧]
وبعد هذه النظرة العامة للإسلام التي ألمحنا فيها إلى الجوانب الأساسية في بناء هذا الدين، نقف فقرتين اثنتين على مفهوم العبادة بخاصة، نتبين فيهما: المفهومَ الصحيح للعبادة، لئلا نقع في الخطأ والقصور في نظرتنا لها، كما نتبين الحكمة من أداء هذه العبادة وثمراتها، ليكون ذلك مدخلاً وتمهيداً لرسالة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن ((خلاف الأمة في العبادات)). ثم نقف فقرات أخرى عن كيفية تلقي الصحابة لهذه العبادة، ونشأة الخلاف في بعض أحكامها وأنواعها، منذ الصدر الأول، وما ينبغي أن يكون عليه موقف المسلم من هذا الخلاف في أنواع العبادات. وبالله التوفيق، ومنه نستمد العون .
9
- ٢ -
● عندما ينظر المرء حوله يجد كلَّ شيء في هذا الكون قد خلقه الله تعالى لحكمة كبرى وغاية يسعى إليها، وإلا كان وجوده عبئاً، وقد تنزه الله سبحانه وتعالى عن العبث والباطل، فقال في كتابه الكريم: ﴿وما خلقنا السمواتِ والأرض وما بينهما باطلاً﴾. [سورة ص، الآية ٢٧]. والمؤمن يناجي ربه تعالى قائلاً عندما يتفكر في خلق السموات والأرض: ﴿ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار﴾. [سورة آل عمران، الآية ١٩١].
● والإنسان ليس بِدْعاً بين هذه المخلوقات، فلابد أن يحدد الغاية التي أُوجد من أجلها، وهو يسعى لها، كي تستقيم حياته من خلالها ويعرف سرَّ وجوده: ﴿أفمن يمشي مُكِبّاً على وجهه أَهدى أم من يمشي سوياً على صراطٍ مستقيم﴾. [سورة الملك، الآية ٢٢].
﴿أفحسِبْتُمْ أَنما خلقناكم عَبَثَاً وأنكم إلينا لا تُرْجعون﴾. [سورة المؤمنون، الآية ١١٥].
* وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم أنه أخذ العهد على بني آدم أن يعترفوا له بالربوبية ليخضعوا له بالعبادة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدمَ من ظهورهم ذريَّتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألستُ برّكم؟ قالوا: بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾. [سورة الأعراف، الآية ١٧٢].
وكانت الكلمة التي تتكرر على لسان كل رسولٍ لقومه عندما يدعوهم، هي الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده: ﴿يا قوم اعبدوا الله مالكم من إلهٍ غيرُهُ﴾. [سورة الأعراف، الآية ٥٩].
وغدت العبادة غاية الوجود الإنساني كله، بل إن الجن كذلك غايتهم هي عبادة الله تعالى: ﴿وما خلقتُ الجنَّ والإِنسَ إلا ليعبدونِ، ما أريد منهم من
10