Caractéristiques du maître des mondes et ses mérites merveilleux sur tous les prophètes
خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء
Enquêteur
رسالة ماجستير، قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة - كلية أصول الدين - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
Maison d'édition
(بدون)
Édition
الأولى
Année de publication
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
مقدمة التحقيق
وفيها ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالكتاب، وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: اسم الكتاب.
المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.
المطلب الثالث: موضوع الكتاب، ومجمل مباحثه.
المطلب الرابع: أهمية الكتاب، وقيمته العلمية.
المطلب الخامس: منهج المؤلف فيه.
المطلب السادس: مصادره في كتابه.
المطلب السابع: تقويم الكتاب.
المبحث الثاني: التعريف بالخصائص والمناقب والمعجزات.
المبحث الثالث: وصف النسخ الخطية.
1 / 285
المبحث الأول
التعريف بالكتاب
المطلب الأول: اسم الكتاب:
اختلفت النسختين والمراجع التي ذكرت الكتاب في اسم الكتاب على ثلاثة أسماء:
ففي نسخة المكتبة الظاهرية، والتي رمزت لها بحرف "أ" وهي النسخة التي اعتمدتها أصلًا، ذكر الاسم هكذا:
"خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈"
وقد ذَكر هذا الاسم مختصرًا بذكر أوله "خصائص سيد العالمين": صلاح الدين المنجد في (معجم ما أُلف عن رسول الله ﷺ) (١)، وذُكر أيضًا في (الفهرس الشامل للتراث العربي المخطوط -السيرة والمدائح النبوية-) (٢)، وكلاهما يحكون عن نسخة الظاهرية.
وفي نسخة مكتبة آستان قدس رضوي المركزية بمشهد الإيرانية، والتي رمزت لها بحرف "ب"، كتب العنوان هكذا:
"الخصائص والمفاخر"
وفي نسخة مكتبة برلين ذكر من وقف عليها مثل: بروكلمان في (تاريخ الأدب العربي) (٣)، والفهرس المخطوط الموجود في مكتبة برلين والخاص بها (٤)، أن عنوانها كتب هكذا:
"الخصائص والمفاخر لمعرفة الأوائل والأواخر"
وقد ذكر هذا الاسم أيضًا: الزركلي في (الأعلام) (٥) عند ترجمته لجمال الدين السرمري،
(١) معجم ما أُلف عن رسول الله ﷺ ص ١٨٨.
(٢) الفهرس الشامل للتراث العربي المخطوط، السيرة والمدائح النبوية (١/ ٢٨٣).
(٣) تاريخ الأدب العربي (٧/ ٢١).
(٤) سيأتي -إن شاء الله- صورة هذا الفهرس ومعلومات عنه في مطلب: وصف النسخ الخطية.
(٥) الأعلام (٨/ ٢٥١).
1 / 286
ورمز له بأنه مخطوط ولم يشر إلى مكانه.
ومن خلال النظر في الأسماء الثلاثة نجد ما يلي:
أما الاسم الأول "خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈": ففيه عدة مرجحات:
١ - كتب في نسخة خطية أصلية، فقد قوبلت على نسخة المؤلف، وقُرئت عليه، وعليها قيد السماع والإجازة من الإمام جمال الدين السرمري بخط يده.
٢ - أنه قد وضع في النسخة خطًا تحت قول المؤلف: "ونحن نذكر إن شاء الله ما نُقل عن كلّ نبي من المعجزات، وما ثبت لنبينا ﷺ من الخصائص، وماله من الفضائل الفواضل، وما أُوتي من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈" (١)، وكُتب في هامشها: "سبب تسمية الكتاب"، وإذا نظرنا في الاسم المكتوب على النسخة وما جاء في النص السابق من قول المؤلف نجد المقاربة الواضحة بينهما، وتبرز أهمية هذا الهامش عند معرفة أن النسخة مكتوبة بخط تلميذ السرمري، ومقروءة على السرمري كاملة.
٣ - أنه جاء في صفحة العنوان ما يلي: خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈، تأليف الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد المفيد جمال الدين يوسف السرمري ﵁، آمين"، ووصف جمال الدين السرمري بـ (الإمام العالم العامل الزاهد المفيد) هو نفس الوصف الذي جاء في آخر المخطوطة بعد ختم الكتاب، فقد كتب تلميذ السرمري: "يسّر الله تعالى كَتْب هذا الكتاب الشريف من أصل المصنّف الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد المفيد جمع الله تعالى له ولأولاده وأهل بيته سعادات الدور الثلاثة دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار ورضي عنه وعن والديه. آمين، بيد العبد المستعيذ بعفو الله الكريم من عقابه محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله أعاذهم الله تعالى من عذاب القبر وعذاب النار. آمين، في شهر جمادى الأولى من سنة سبعين وسبعمائة
(١) [ق ٤/و].
1 / 287
بدمشق المحروسة" (١)، كما أن الدعاء بـ ﵁ مشعرٌ في الغالب بأنه مكتوب في حياة المؤلف، وهذا المرجح غير قطعي وإنما هو مما يستأنس به.
أما الاسم الثاني "الخصائص والمفاخر": فقد كتب في نسخة خطية فرعية، نُسخت سنة ٨٩١، أي بعد وفاة المؤلف، وهي مقابلة على منتسخ أصل المؤلف.
أما الاسم الثالث "الخصائص والمفاخر لمعرفة الأوائل والأواخر": فهو مسجوع، والإمام جمال الدين السرمري كثيرًا ما يجنح عند تسمية مؤلفاته إلى تلك الأسماء المشتملة على سجع، فهو الذي سمى تلك الكتب بهذه الأسماء: (إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة)، (الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة)، (الأرجوزة الجلية في الفرائض الحنبلية)، (الإفادات المنظومة في العبادات المختومة)، (الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية)، (رفع الباس في حياة الخضر وإلياس)، (شفاء الآلام في طب أهل الإسلام) ... وهكذا.
وعند الترجيح بين الأسماء الثلاثة نجد أن أقواها في النظر هو الاسم الأول "خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈" لأن نسخته أصلية، وأما الثاني: فنسخته فرعية، وأما الثالث: فهو وإن كان الذوق يميل إليه إلا أن جهالة نسخته يضعفه، ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٨١].
المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:
لا أشك أن كتاب "خصائص سيد العالمين وماله من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈" من مؤلفات جمال الدين السرمري ﵀، وذلك للأسباب التالية:
١ - قيد السماعات على الإمام جمال الدين السرمري وإجازته في نهاية النسخة الأصلية، والتي صُرِّح فيها بنسبة الكتاب للسرمري ﵀.
(١) [ق ٩١/ظ-ق ٩٢/و].
1 / 288
٢ - كتب جمال الدين السرمري في ختم النسخة الأصلية بخط يده بعد تصحيحه للسماع والإجازة: "وكتب يوسف السرمري المصنف عفا الله عنه".
٣ - نقل عنه وعزا إليه ابن حجر الهيتمي في كتابه (المنح المكية) فقال: "وذكر الحافظ السرمري الحنبلي تلميذ ابن القيم ذلك -يقصد إلانة الحجارة لنبينا ﷺ في (خصائصه) فقال: وأما إلانة الحديد لداود ﵇ ... " (١).
٤ - أشار المؤلف في [ق ٢/أ] إلى شيخه ابن الخباز بقوله "كما أخبرنا الشيخ أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري"، وابن الخباز ولد سنة ٦٦٧ وتوفي سنة ٧٥٦ (٢)، والإمام جمال الدين السرمري ولد سنة ٦٩٦ وتوفي سنة ٦٧٦، وقد تقدم في ترجمة إبراهيم بن جمال الدين السرمري أنه أُسمع على ابن الخباز وهو دون السادسة من عمره، وهذا يدل على أن الكتاب أُلِّف في عصر جمال الدين السرمري.
المطلب الثالث: موضوع الكتاب، ومجمل مباحثه:
قد أوضح جمال الدين السرمري موضوع الكتاب فقال: "وموضوع هذا الكتاب أنه لم يكن لنبي من الأنبياء معجزة أو فضيلة إلا ولمحمد ﷺ من جنسها ما هو أكمل منها أو مثلها، وأنه اختص بأشياء لم يشركه فيها غيره كما قد ذكرناه في أماكنه والله يختص بفضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (٣)، وقال أيضًا في مقدمته: "ونحن نذكر إن شاء الله تعالى مانُقل عن كل نبيّ من المعجزات وماثبت لنبيِّنا ﷺ من الخصائص وماله من الفضائل الفواضل وما أُوتي من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈" (٤)، فموضوعها: معجزات الأنبياء
(١) المنح المكية في شرح الهمزية ص ٣٦٨ - ٣٦٩، تحقيق: أحمد جاسم المحمد وبوجمعة مكري، الطبعة الثانية ١٤٢٦، دار المنهاج، جدة.
(٢) سيأتي ترجمته في موضعه إن شاء الله.
(٣) [ق ٨٥/و-ظ]
(٤) [ق ٤/و].
1 / 289
﵈ التي ثبت لنبينا ﷺ أفضل منها، وما اختص به من المعجزات والمزايا الكريمة مما فاق به على غيره.
أما مجمل مباحث الكتاب، فهي كالتالي:
بدأه بمقدمة في فضل النبي ﷺ.
ثم كتب فصلًا: تحدث فيه عن موضوع الكتاب.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي أول أولي العزم من الرسل وهو نوح ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ، وبيَّن أوجه فضله ﷺ.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي ثاني أولي العزم وهو إبراهيم ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ، وبين أوجه فضله ﷺ.
ثم عقد مبحثًا في المفاضلة بين إتمام إبراهيم ﵇ لما ابتلاه الله به من كلمات وبين إتمام نبينا محمد ﷺ لهن.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي ثالث أولي العزم وهو موسى ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ، وبين أوجه فضله ﷺ.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي رابع أولي العزم وهو عيسى ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ، وبين أوجه فضله ﷺ.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي إدريس وهود ﵉ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ، وبين أوجه فضله ﷺ.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي صالح ﵇ من معجزة إخراج الناقة وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ من جنسها ما هو أعجب منها، وبين أوجه فضله ﷺ.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي يوشع بن نون ﵇ من معجزة حبس الشمس وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ من هذا الجنس ما هو أعظم، وبين أوجه فضله ﷺ.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي داود ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ، وبين
1 / 290
أوجه فضله ﷺ.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي سليمان ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ، وبين أوجه فضله ﷺ.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي يعقوب ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ، وبين أوجه فضله ﷺ.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي يوسف ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ، وبين أوجه فضله ﷺ.
ثم كتب فصلًا: فاضل فيه بين ما أوتي يحيى ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ، وبين أوجه فضله ﷺ.
ثم كتب فصلًا: نبَّه فيه عن أن المقصود من هذا التفضيل ليس التنقص من المفضول، بل كل الأنبياء كان عند الله وجيهًا، وكان كل منهم نبيًّا نبيهًا صلى الله عليهم وبارك وسلم، وأجاب عن قوله ﷺ «لا تفضّلوني على يونس بن متى» وقوله: «لا تفضّلوا بين أنبياء الله».
ثم كتب فصلًا: أورد فيه فضله ﷺ على سائر الأنبياء عمومًا.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه خصائص النبي ﷺ التي اختص بها دون غيره من واجبات ومحظورات ومباحات وتكرُّمات.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه خصيصة النبي ﷺ في فضل الصلاة عليه.
ثم كتب فصلًا: سرد فيه جملة من خصائص النبي ﷺ.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه خصائص النبي ﷺ في ميلاده.
ثم كتب فصلًا: سرد فيه جملة من خصائص النبي ﷺ.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه خصيصة النبي ﷺ في طيب ريحه.
ثم كتب فصلًا: سرد فيه جملة من خصائص النبي ﷺ.
ثم كتب فصلًا: ذكر خصيصة النبي ﷺ في أسمائه.
1 / 291
ثم كتب فصلًا: سرد جملة من خصائص النبي ﷺ.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه خصائص النبي ﷺ في صفاته الخَلقية والخُلقية.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه خصائص النبي ﷺ في ليلة الإسراء به.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه الحكمة من ابتداء الخبر بالإسراء قبل المعراج.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه الفوائد في حديث الإسراء والمعراج.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه الخلاف في مسألة رؤية النبي ﷺ ليلة المعراج.
ثم كتب فصلًا جامعًا لمقاصد الكتاب.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه ما خص الله به النبي ﷺ في وفاته.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه ما خص الله به نبيه ﷺ في الآخرة.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه منهجه في هذا الكتاب في إيراد الأحاديث الضعيفة.
ثم كتب فصلًا لطيفًا في ذكر الصلاة على النبي ﷺ وفضلها.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه خصيصة النبي ﷺ في ذكر اسمه والصلاة عليه.
ثم كتب فصلًا: ذكر فيه فضل النبي ﷺ على غيره في الأجر.
ثم ذكر فصلًا خاتمًا لمباحث لكتاب.
المطلب الرابع: أهمية الكتاب، وقيمته العلمية:
مما يبين أهمية هذا الكتاب وقيمته العلمية ما يلي:
- أن في الكتاب إضافة علمية فريدة، فلم أقف على من صنف في فضل النبي ﷺ على الأنبياء ﵈ كتابًا مستقلًا على غيره، وإنما عامة الكتب في هذا الباب إما في الدلائل على نبوته ﷺ وإما في الخصائص وإما في السيرة، أما هذا الكتاب فقد جمع السرمري فيه ما اشترك فيه النبي ﷺ مع غيره في المعجزات وبيَّن أوجه فضله ﷺ، وبين ما اختص به من الفضائل دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
1 / 292
- حسن التقسيم ودقيق الاستنباط من المؤلف ﵀، فقد جعل لكل نبي فصلًا يذكر فيه ما أوتي من المعجزات ثم يورد نظائر هذه المعجزات التي وقعت لنبينا ﷺ أو الكرامات للصالحين من أمته ثم يوازن بينهما ويستنبط فضله ﷺ.
- إيراد المؤلف لجملة من المسائل المشكلة والجواب عنها، مثال ذلك قال ﵀: "فإن قيل: في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: من الآية ٢٦] وأن الله سبحانه استجاب له فأغرق الأرض ومَن عليها دليل على أن نوحًا ﵊ كان مُرسلًا إلى جميع أهل الأرض فكيف يقال: بأن محمدًا ﷺ وحده أُرسِل إلى الناس كافةً، فالجواب ... " (١)، والكتاب مملوء بـ (فإن قيل/الجواب).
- لم يقتصر المؤلف ﵀ في كتابه على سرد الأحاديث والآثار وإنما كان له شرح وبيان في كثير من المواضع، والكتاب فيه تحقيق كبير، فمن ذلك ما ذكره في الرواية التي جاء فيها أن إدريس ﵇ قال للنبي ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج «مرحبًا بالأخ الصالح»: "وكذلك إدريس أنه قال: «مرحبًا بالأخ الصالح» قد يكون غلطًا من الراوي لأنه أب بلا شك لأن النبي ﷺ من ذرّية نوح ونوح من ذرية إدريس قاله شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ولا يتنبّه لمثل هذا إلا النحرير؛ قلت: وقد وقع لي في هذا محمل لا بأسَ به يُقرُّ الروايةَ الصحيحة على ماهي علَيه ويبين عذر إدريس إذ لم يقل: والابن الصالح، وذلك أن ما ظهر من عظم شأن محمد ﷺ في هذا المقام أجل من منزلة الأبوة فكيف بمنزلة البنوة فلم يتهجّم لما رأى من علوّ الرتبة أن يجعل نفسه أبًا له فيكون أرفع منه ولا سيما ولم يَذكرُ له جبريل ما ذكر لآدم ولإبراهيم من قوله: «هذا أبوك آدم فسلم عليه»، «هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه»، فإنه لما أنَّسَ آدم بأن قال لمحمد: «هذا أبوك آدم فسلم عليه» حَسُن أن يقول له آدم: «مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح» وكذلك لما قال له: «هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه» حَسُن أن يقول له إبراهيم: «مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح» فأما إدريس فقال له عنه: «هذا إدريس فسلم عليه» ولم
(١) [ق ٧/ظ].
1 / 293
يقل له: هذا أبوك إدريس، فلم يحسن التهجم عليه بمزيّة الأبوة مع ما هنالك من علوِّ الدَّرجة وعظيم المنزلة وما أكرم به من القرب، فلم يجد إدريس ما يُمِتُّ به مِمّا لا عَتبَ فيه إلا الأخوّة في النبوة التي رُفع بها مكانًا عليًا فقال ما يناسِبُ حالَه: «مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح»، وقد قال النبي ﷺ: «الأنبياء إخوة أولاد علّاتٍ دينهم واحد وأمهاتهم شتى» على أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤] فبعض الأنبياء من نسل بعض وقد سماهم النبي ﷺ إخوةً، فيكون قول إدريس «الأخ الصالح» من هذا القبيل، ولا يَضُرّ قول إدريس بالأخ الصالح، فالأخوّة في الدين والنبوة صادقة عليهما، كما أن النبوة والأخوّة صادقة عليه وعلى إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وكما لم يَضُرّ سارة ﵍ حين أوصاها إبراهيم ﵇ أن تقول للجبّار الذي دَعاها أن تقول: «إنه أخي»، وهي زوجته فالأخوّة صادقة عليهما بالإيمان كما قال إبراهيم: فإني لا أعلم على وجه الأرض مؤمنًا غيري وغيرك، لكن قصّة سارة كانت من باب المعاريض وقصّة إدريس من باب الأدب والله أعلم، إذ كان ذلك المقام لا يقتضي غيره لما رأى من عظم العناية الإلهيّة والوِلاية الربانية وهذا تأويل لا بأسَ به إن شاء الله تعالى، وإن جعلنا رَدّ السلام والترحيب بلفظ الأخوّة والخلافة من خزنة السموات لم يبق إشكال فإن في سياق حديث الثعلبي أن كل باب يُفتح لهم يقال له: «حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء» لكن الروايات الأخرى لا تساعد على هذا المعنى وكذلك يَردُ قولُ آدم وإبراهيم: «مرحبًا بالابن الصالح» والله تعالى أعلم؛ وفي هذا السياق لطيفة أخرى: وهي قول خَزَنة أبواب السموات: «حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة» فإنه مشعر بالاعتذار عن قولهم حين قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: من الآية ٣٠] ... " (١).
(١) [ق ٧٧/ظ-ق ٧٨/و].
1 / 294