Les mots bénéfiques sur les expiations effectuées
الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة
Maison d'édition
عبد العزيز ومحمد العبد الله الجميح
Édition
الرابعة ١٤٢٠هـ/٢٠٠٠م
Genres
•Salafism and Wahhabism
•
الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له٠ وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بعثه رحمة للعالمين، وحجة على المعاندين، الذي أكمل به الدين، وختم به الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فهذه فصول وكلمات نقلتها من كلام العلماء المجتهدين من أصحاب الأئمة الأربعة الذين هم أئمة أهل السنة والدين، في بيان بعض الأفعال والأقوال المكفرة للمسلم المخرجة له من الدين، وأن تلفظه بالشهادتين وانتسابه إلى الإسلام وعمله ببعض شرائع الدين لا يمنع من تكفيره وقتله وإلحاقه بالمرتدين. والسبب الحامل على ذلك أن بعض من ينتسب إلى العلم والفقه من أهل هذا الزمان غلط في ذلك غلطا فاحشا قبيحا، وأنكر على من أفتى به من أهل العلم والدين إنكارا شنيعا، ولم يكن لهم بإنكار ذلك مستند صحيح لا من كلام الله ولا من كلام رسوله ولا من كلام أئمة العلم والدين، إلا انه خلاف عاداتهم وأسلافهم، عياذا بالله من الجهل والخذلان والتعصب. وأذكر من ذلك ما مست إليه الحاجة وغلط فيه من غلط من المنسوبين إلى العلم في هذا الزمان، الذين غلبت عليهم الشقاوة والجهل والتعصب والخذلان، لما جبلوا عليه من مخالفة الكتاب والسنة، وعمل السلف والأئمة المهديين، وحب الرياسة وشهوات الدنيا، والطمع فيما في أيدي الناس والفسقة المعاندين، نسأل الله أن يوفقنا لما يرضاه من العمل، ويجنبنا ما يسخطه من الزلل، إنه لا يخيب من رجاه، ولا يرد سؤال من دعاه، فنقول وبالله التوفيق: اعلم أن هذه المسائل من أهم ما ينبغي للمؤمن الاعتناء به، لئلا يقع في شيء منها وهو لا يشعر، وليتبين له الإسلام والكفر حتى يتبين له الخطأ من
1 / 329
الصواب، ويكون على بصيرة في دين الله ولا يغتر بأهل الجهل والارتياب، وإن كانوا هم الأكثرين عددا، فهم الأقلون عند الله وعند رسوله والمؤمنين قدرا. وقد اعتنى العلماء ﵃ بذلك في كتبهم، وبوبوا لذلك في كتب الفقه في كل مذهب من المذاهب الأربعة وهو (باب حكم المرتد)، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، وذكروا أنواعا كثيرة كل نوع منها يكفر به المسلم ويبيح دمه وماله، وسأذكر من ذلك إن شاء الله تعالى ما يكفي ويشفي لمن هداه الله وألهمه رشده، وأجعل كلام كل طائفة من أتباع الأئمة الأربعة - أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - على حده ليسهل ذلك على من أراد الاطلاع عليه. ونبدأ بكلامهم في الشرك الأكبر وتكفيرهم لأهله حين وقع في زمانهم من بعض المنتسبين إلى الإسلام والسنة، لأنه هو المهم، فنقول: أما كلام الشافعي فقال ابن حجر رحمه الله تعالى في: (كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر): (الكبيرة الأولى) الكفر أو الشرك أعاذنا الله من ذلك. ولما كان الكفر أعظم الذنوب كان أحق أن يبسط الكلام عليه وعلى أحكامه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ وقال تعالى: ﴿إِنّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَوَمَأواهُ النَّارُ﴾ وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين" وكان متكئا فجلس فقال: "ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا ليته يسكت" ثم ذكر أحاديث كثيرة ثم قال: (تنبيهات): منها بيان الشرك وذكر جملة من أنواعه لكثرة وقوعها في الناس وعلى ألسنة العامة من غير أن يعلموا أنها كذلك، فإذا بانت لهم فلعلهم أن يجتنبوها لئلا تحبط أعمال مرتكبي ذلك، ويخلدوا في أعظم العذاب وأشد العقاب. ومعرفة ذلك أمر مهم جدا، فإن من ارتكب مكفرا تحبط جميع أعماله، ويجب عليه قضاء الواجب منها عند جماعة من الأئمة كأبي حنيفة، ومع ذلك فقد توسع أصحابه
1 / 330
في المكفرات وعدوا منها جملا مستكثرة جدا وبالغوا في ذلك أكثر من بقية أئمة المذهب. هذا مع قولهم بأن الردة تحبط جميع الأعمال، وبأن من ارتد بانت منه زوجته وحرمت عليه فمع هذا التشديد بالغوا في الاتساع في المكفرات، فتعين على ذي مسكة في دينه أن يعرف ما قالوه حتى يجتنبه ولا يقع فيه فيحبط عمله ويلزمه قضاؤه وتبين منه زوجته عند هؤلاء الأئمة، بل عند الشافعي رحمه الله تعالى أن الردة إن لم تحبط العمل لكنها تحبط ثوابه فلم يبق الخلاف بينه وبين غيره إلا في القضاء فقط. ثم ذكر أنواع الكفر نوعا نوعا، وسيأتي بقية كلامه إنشاء الله تعالى في ذلك. لكن تأمل رحمك الله قوله: لكثرة وقوعها في الناس على ألسنة العامة من غير أن يعلموا أنها كذلك، وأن الشرك والردة قد وقع فيه كثير من أهل زمانه، يتبين لك مصداق ما قلنا إ نشاء الله تعالى وقال النووي في شرح مسلم: وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله كمن ذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو عيسى أو للكعبة ونحو ذلك. وكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا أو يهوديا نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن القصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له كان ذلك كفرا، فإن كان الذابح قبل ذلك مسلما صار بالذبح مرتدا. انتهى. فتأمل قوله: فإن القصد مع ذلك الخ تجده صريحا في أن المسلم إذا قصد بالذبح لغير الله تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له أنه يصير كافرا مرتدا. والله أعلم. (فصل): وأما كلام الحنفية فقال في كتاب تبيين المحارم المذكورة في القرآن: (باب الكفر) وهو الستر وجحود الحق وإنكاره، وهو أو ل ما ذكر في القرآن العظيم من المعاصي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ الآية، وهو أكبر الكبائر على الإطلاق فلا كبيرة فوق الكفر. إلى أن قال: واعلم أن ما يلزم به الكفر أنواع: نوع يتعلق بالله سبحانه، ونوع يتعلق بالقرآن وسائر الكتب المنزلة، ونوع يتعلق بنبينا ﷺ وسائر الأنبياء
1 / 331
والملائكة والعلماء، ونوع يتعلق بالأحكام. فأما ما يتعلق بالله ﷾ إذا وصف الله سبحانه بما لا يليق به: بأن شبه الله بشيء من المخلوقات، أو نفى صفاته، أو قال بالحلول والإتحاد، أو معه قديم غيره. أو معه مدبر مستقل غيره، أو اعتقد أنه سبحانه جسم، أو محدث، أو غير حي، أو اعتقد أنه لا يعلم الجزيئات، أو سخر باسم من أسمائه، أو أمر من أوامره، أو وعيده، أو وعده، أو أنكرهما، أو سجد لغير الله تعالى، أو سب الله سبحانه، أو دعي أن له ولد وصاحبة، أو متولد بشيء كائن عنه، أو أشرك بعبادته شيئا من خلقه، أو افترى على الله ﷾ الكذب بادعاء الإلهية والرسالة، أو نفى أن يكون خالقه ربه وقال ليس لي ربا، أو قال لذرة من الذرات هذه خلقت عبثا ومهملا، وما أشبه ذلك مما لا يليق به: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ يكفر في هذه الوجوه كلها بالإجماع، سواء فعله عمدا أو هزلا ويقتل إن أصر على ذلك، وإن تاب تاب الله عليه وسلم من القتل. انتهى كلامه بحروفه. فتأمل رحمك الله تصريحه بأن من أشرك في عبادة الله غيره أنه يكفر بالإجماع، ويقتل إن أصر على ذلك. والعبادة التي لا تصلح إلا لله ولا يجوز أن يشرك معه فيها غيره أنواع: منها الدعاء لجلب خير أو دفع ضر، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وقال تعالى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب كُمْ﴾ وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ وقال رسول الله ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". ومن أنواع العبادة الصلاة فلا يصلي إلا لله، ولا يسجد ولا يركع إلا لله وحده، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ أي أخلص لربك الصلاة والنحر لا شريك له في ذلك، وقال النبي ﷺ: "لعن الله من ذبح لغير الله" وقد قرن الله بين هاتين العبادتين الصلاة والنسك - في هاتين الآيتين، فإذا كان من صلى
1 / 332
لغير الله أو ركع لغير الله أو سجد لغير الله فقد أشرك في عبادة الله غيره، فكذلك من ذبح القربان لغير الله فقد أشرك في عبادة الله غيره. ومن أنواع العبادة أيضا الخشية، فلا تجوز الخشية إلا لله وحده، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فجعل الطاعة لله ولرسوله، وجعل الخشية والتقوى لله وحده. ومن أنواع العبادة التوكل وهو إسناد العبد أمره إلى الله وحده لا شريك له في جميع أموره الدينية والدنيوية، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فمن توكل على غير الله فقد أشرك في عبادة الله غيره. ومن أنواع العبادة الاستعانة، قال تعالى: ﴿) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" فمن استعان بغير الله فقد أشرك في عبادة الله غيره. ومن أنواع العبادة النذر فلا ينذر إلا لله وحده، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِوَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ وقال النبي ﷺ: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". والحاصل أن "العبادة" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من أقوال العباد وأفعالهم مما أمرهم به في كتابه على لسان رسوله ﷺ، وقد صرح هذا الحنفي في كتابه الذي قدمته لك أن من أشرك في عبادة الله غيره فهو كافر بالإجماع سواء فعله عمدا أو هزلا، وإنه يقتل إن أصر على ذلك، وإن تاب تاب الله عليه، وسلم من القتل. والله أعلم. وذكر أيضا أن ما يكون فعله كفرا بالاتفاق إذا فعله المسلم تحبط جميع أعماله ويلزمه إعادة الحج ولا يلزمه إعادة الصلاة والصوم
1 / 333
لأنهما يسقطان عن المرتد ويكون وطؤه مع امرأته حراما وزنا، وإن أتى بكلمة الشهادة بحكم العادة ولم يرجع عما قاله لا يرتفع الكفر. والله أعلم. وقال الشيخ قاسم في شرح الدرر: النذر الذي يقع من أكثر العوام - بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب والطعام والشمع كذا - باطل إجماعا لوجوه: (منها) أن النذر للمخلوق لا يجوز، (ومنها) أن ذلك كفر - إلى أن قال - وقد ابتلي الناس بذلك لاسيما في مولد أحمد البدوي اهـ. صرح بأن النذر كفر يكفر به المسلم. والله أعلم. ومن كلام الشافعية أيضا ما قاله الإمام المحقق ناصر السنة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل من إبراهيم محدث الشام المعروف بأبي شامة في كتاب: (الباعث، على إنكار البدع والحوادث): ومن هذا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، ومواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون ذلك إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي بين عيون وشجر، وحائط وحجر. وفي مدينة دمشق صانها الله تعالى مواضع متعددة كعوينة الحمى خارج باب توما، والعمود المخلق داخل باب الصغير والشجرة اليابسة خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق وسفيان بن عيينة عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، وكانت لقريش شجرة خضراء عظيمة يأتونها كل سنة فيعلقون عليها سلاحهم ويعكفون عندها ويذبحون لها - وفي رواية - خرجنا مع النبي ﷺ قبل حنين وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله - وفي الرواية الأولى - وكانت تسمى ذات أنواط فمررنا بشجرة عظيمة خضراء فتنادينا من جنبتي الطريق ونحن نسير إلى حنين يا رسول الله اجعل
1 / 334
لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ: "هذا كما قال قوم موسى لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ لتركبن سنن من كان قبلكم" أخرجه الترمذي بلفظ آخر والمعنى واحد وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتابه: فانظروا رحمكم الله تعالى أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها ويرجون البر والشفاء من قبلها وينوطون بها أسلحتهم ويضربون عليها المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها. قلت: ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الحينبائي رحمه الله تعالى -أحد الصالحين ببلاد إفريقية في المائة الرابعة- حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدب أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية كان العامة قد افتنوا بها يأتونها من الآفاق، من تعذر عليه نكاح أو ولد قال: امضوا بي إلى عين العافية فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد الله: فأنا في السحر ذات ليلة إذا سمعت أذان أبي إسحاق نحوها فخرجت فوجدته قد هدمها وأذن الصبح عليها ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا. فما رفع لها رأسا إلى الآن. قلت وأدهى من ذلك وأمر أمر إقدامهم على الطريق السابلة يجيزون في أحد الأبواب الثلاثة القديمة العادية التي هي من بناء الجن في زمن نبي الله سليمان ابن داود ﵉، أو من بناء ذي القرنين، وقيل فيها غير ذلك ما يؤذن بالتقدم على ما نقلناه في كتاب تاريخ مدينة دمشق حرسها الله تعالى، وهو الباب الشمالي ذكره لهم بعض من لا يوثق به في أحد شهور سنة ست وثلاثين وستمائة أنه رأى مناما يقتضي أن ذلك المكان دفن فيه بعض أهل البيت، وقد أخبرني عنه ثقة أنه اعترف له أنه افتعل ذلك، فقطعوا طريق المنارة فيه وجعلوا الباب بكماله أصل مسجد مغصوب وقد كان الطريق يضيق بسالكيه فتضاعف الضيق والحرج على من دخل وخرج، ضاعف الله العذاب لمن تسبب في بنائه، وأجزل ثواب من أعان هدامه وإزالته اتباعا لسنة النبي ﷺ في هدم مسجد الضرار المرصد لأعدائه من الكفار. قلت: فلم ينظر الشرع إلى كونه مسجدا، وهدمه لمن قصد به السوء والردى، وقال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ
1 / 335
عَلَى التَّقْوَى﴾ الآية، أسأل الله الكريم معافاته من كل ما يخالف رضاه، وأن لا يجعلنا ممن أضله فاتخذ إلهه هواه. انتهى. فتأمل رحمك الله تعالى هذا الإمام وتصريحه بأن الذي تفعله العامة في زمانه في العمد والشجر والمواضع المخصوصة أنه مثل فعل المشركين بذات أنوا ط، وكذلك تصريح أبي بكر الطرطوشي وكان من أئمة المالكية بأن كل شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها فهي ذات أنواط، وكذلك تأمل قوله: ولقد أعجبني ما فعله الشيخ أبو إسحاق ببلاد إفريقية في المائة الرابعة في هدمه تلك العين التي تسمى عين العافية لما رأى الناس يقصدونها ويتبركون بها، يتبين لك أن الشرك قد حدث في هذه الأمة من زمان قديم، وأن أهل العلم ﵃ ينكرون ذلك أشد الإنكار ويهدمون ما قدروا عليه مما يفتتن به الناس وأن هذا مما حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة، وأن ذلك ليس من الدين بإجماع أهل العلم، ويجب على من قدر على ذلك إزالته، فويل للأمراء والقضاة القادرين على إزالته والنهي عنه. وتأمل أيضا كلام أبي شامة في المسجد الذي بني على قارعة الطريق، وتمنيه هدمه وإزالته، وتشبيهه إياه بمسجد الضرار، وكان أبو شامة رحمه الله تعالى في أوائل القرن السابع، ومعلوم أن الأمر لا يزيد إلا شدة، والله أعلم. فهذا ما وقفنا عليه من كلام الشافعية والحنفية [والمالكية] في هذه المسألة. (فصل): وأما كلام الحنابلة فقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغاة عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم إذا لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج أو كتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا، وكذا إلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. انتهى كلامه. فتأمل قوله وهم عندي كفار بهذه الأوضاع وتشبيهه إياهم بمن عبد اللات والعزى. وقال الشيخ تقي الدين في "الرسالة السنية" لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين وأمره ﷺ بقتالهم قال: فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من مرق مع عبادته العظيمة فليعلم أن المنتسب
1 / 336
إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام، وذلك لأسباب: منها الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه فقال: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ الآية، وعلي بن أبي طالب ﵁ حرق الغالية من الرافضة فأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة فقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم لكن ابن عباس مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء. وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني أو انصرني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إله آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم ويقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ويقولون ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ الآية، قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة إلى أن قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وكان ﷺ يحقق التوحيد ويعلمه أمته، حتى قال رجل: ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" ونهى عن الحلف بغير الله وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" وقال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد"، ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان تعظيم القبور، ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، لأنه إنما يكون لأركان بيت الله فلا
1 / 337
يشبه بيت المخلوق بيت الخالق. كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال ﷺ: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" والإله هو الذي يألهه القلب عبادة واستعانة ورجاء له وخشية وإجلالا. انتهى كلامه. فتأمل أول الكلام وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا أو وليا مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني ونحوه، أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، تجده صريحا في تكفير أهل الشرك وقتلهم بعد الاستتابة وإقامة الحجة عليهم، وأن من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية فقد اتخذه إلها مع الله، لأن الإله هو المألوه الذي يألهه القلب أي يقصده بالعبادة والخشية والإجلال والتعظيم، وإن زعم أنه لايريد إلا الشفاعة والتقرب عند الله، لأنه بين أن هذا هو مطلوب المشركين الأولين، واستدل على ذلك بالآيات الصريحات القاطعات. والله أعلم. وقال رحمه الله تعالى في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم): وكانت الطواغيت الكبار التي تشد لها الرحال ثلاثة: اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. وكل واحد منها لمصر من أمصار العرب، فكانت لأهل الطائف ذكروا أنه في الأصل رجل صالح يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا عن قبره. وأما العزى فكانت لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون. وأما مناة فكانت لأهل المدينة، وكانت حذو قديد من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعرف كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله تعالى وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب في زمانه وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء، ولما كان للمشركين شجرة يعقلون عليهم أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط قال بعض الناس: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات
1 / 338