628

{وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار} وإذا قلبت أبصارهم جهة أصحاب النار وروا ما هم فيه من العذاب استعاذوا بالله وفزعوا إلى رحمته أن لا يجعلهم معهم بقولهم {قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} على وجه السرور لا على وجه التعبد {ونادى أصحاب الأعراف رجال يعروفونهم بسيامهم} أي نادوا رجالا من رؤوس الكفرة ينجونهم {قالوا ما أغنى عنكم جمعكم} أي ما نفعكم ولا دفع عنكم العذاب جمعكم المال وكثرتكم واجتماعكم {ما كنتم تستكبرون} يعني ولا استكباركم عن الحق وعلى الناس {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} هذه إشارة إلى أهل الجنة وهي من كلام أصحاب الأعراف لانهم لا يرون في الجنة جماعة من ضعفاء المسلمين وفقرائهم مثل بلال وصهيب وسلمان وعمار وخباب فيقول أصحاب الأعراف للرؤساء من المشركين الذين نادوهم {أهؤلاء الذين أقسمتم} أي حلفتم وأنتم في الدنيا {لا ينالهم الله برحمة} لأنهم كانوا يستهينون بهم ويحتقرونهم لفقرهم وقلة حظوظهم من الدنيا وكانوا يقسمون أن الله لا يدخلهم الجنة {ادخلوا الجنة} أي يقال لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة وذلك بعد أن يحبسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويعرفونهم بسيماهم ويقولون ما يقولون ولا فائدة في ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال وأن التقدم والتأخر على حسبها وأن احدا لا يسبق عند الله إلا يسبقه في العمل ولا ي تخلف عنده إلا بتخلفه فيه وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على مثل أعمالهم وليتصوروا أن كل أحد يعرف ذلك اليوم بسيماه التي استوجب ان يوسم بها من أهل الخير والشر فيرتدع المسيء عن إسائته ويزيد المحسن في إحسانه وليعلم أن العصاة يوبخهم كل أحد حتى أقصر النس عملا يعني أصحاب الأعراف {لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} هذا تيسر لأصحاب الأعراف والخطاب لهم ومعناه أنهم دخلوا الجنة مقولا لهم هذا القول.

ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين(50)الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون(51)

{نادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء} فيه دليل على أن الجنة فوق النار ومعنى أجر علينا من الماء أو مما رزقكم الله من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة ويجوز أن يراد وألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة وإنما يطلبون ذالك مع يأسهم من الإجابة إليه حير في أمرهم كما يفعل المضطر الممتحن قالوا إن الله حرمهما على الكافرين أي منعوا شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه {الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا} لأنهم كانوا يستهزؤون به ويعرضون عنه فلم يفتهم كما لا يفيد اللعب {وغرتهم الحياة الدنيا} أي غرهم لذاتها ونعيمها واشتغلوا به عن صلاح آخرتهم {فاليوم ننساهم} نفعل غير فعل الناسين الذين ينسون عبيدهم من الخير لا يذكرونهم به {كما نسوا لقاء يومهم هذا} أي كما فعلوا بلقائه فعل الناسين فلم يخطروا ببالهم ولا اهتموا به {وما كانوا} أي وكما كانوا باياتنا {يجحدون} مع قيام الدليل الموصل إلى العلم لأنها حق.

Page 151