Le collecteur des dispersés
جامع الشتات
Enquêteur
السيد مهدي الرجائي
Édition
الأولى
Année de publication
1418 AH
بسم الله الرحمن الرحيم بعد حمد الله وليه جامع الشتات، والصلاة على نبيه المتحلي بأحسن السمات، وعلى آله الشاعرين بقاطبة الدقائق وتمام النكات.
يقول العبد الراجي رحمة ربه الجليل محمد بن الحسين بن محمد رضا المدعو بإسماعيل عفا الله عن جرائمهم بمحمد وآله وقائمهم:
هذه نبذة من النكات وقبضة من الشتات، استقبضتها من أبواب متفرقة واستفدتها من أسباب متشتتة، جمعتها بتفرق بالي وتشتت أحوالي، تذكرة للحديد وتبصرة للبليد، بل لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وسميته ب " جامع الشتات " لجمعه طوائف مختلفات ومتفرقات، والمرجو من العاثر فيه بالخلل والواقف عليه بالزلل، إصلاح الفساد وترويج الكساد * (إن الله لا يضيع أجر المحسنين) * (1).
[المناقشة في كلام ابن سينا في مسألة الإمامة] قال ابن سينا (2) في الفصل الخامس من المقالة العاشرة من كتاب الشفاء في
Page 5
مقام تعيين الخليفة والإمام ووجوب طاعتهما على الأنام: ثم يجب أن يفرض السان طاعة من يخلفه، وأن لا يكون الاستخلاف إلا من جهته، أو بإجماع من أهل السابقة على من يصححون علانيته عند الجمهور: أنه مستقل بالسياسة، وأنه أصيل العقل، حاصل عنده الأخلاق الشريفة من الشجاعة والعفة وحسن التدبير، وأنه عارف بالشريعة، حتى لا يكون أعرف منه تصحيحا يظهر ويستعلن ويتفق عليه الجمهور، ويسن عليهم أنهم إذا افترقوا أو تنازعوا بالميل والهوى، أو أجمعوا على غير من وجدوا الفضل فيه والاستحقاق له فقد كفروا بالله.
والاستخلاف بالنص أصوب، فإن ذلك لا يؤدي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف. ثم يجب أن يحكم في سنته أن من خرج فادعى خلافته بفضل قوة أو مال فعلى الكافة من أهل المدينة قتله وقتاله، فإن قدروا ولم يفعلوا فقد عصوا الله وكفروا به، ويحل دم من قعد عن ذلك وهو متمكن بعد أن يصحح على رأس الملأ ذلك منه. ويجب أن يسن أنه لا قربة عند الله بعد الإيمان بالنبي أعظم من إتلاف هذا المتغلب، فإن صحح الخارجي أن المتولي للخلافة غير أهل لها، وأنه ممنو بنقص، وأن ذلك النقص غير موجود في الخارجي، فالأولى أن يطابقه أهل المدينة. والمعول عليه الأعظم العقل وحسن الإيالة، فمن كان متوسطا في الباقي ومتقدما في هذين بعد أن لا يكون غريبا في البواقي وصائرا إلى أضدادها فهو أولى ممن يكون متقدما في البواقي ولا يكون بمنزلته في هذين، فيلزم أعلمهما أن يشارك أعقلهما ويعاضده، ويلزم أعقلهما أن يعتضد به ويرجع إليه، مثل ما فعل علي وعمر (1).
أقول - ولا حول ولا قوة إلا بالله -: لا شبهة في أن السياسة المدنية ورئاستها العامة، الجامعة لإصلاح أمر المعاش وانتظامه على وجه صالح يؤدي إلى الفلاح والصلاح، لا يتيسر ولا يتحقق إلا إذا كان السائس عالما بالأمور السياسية
Page 6
والرئاسة مستقلا فيها، أصيلا في العقل شريفا في الأخلاق حسنا في التدبير عارفا بالشريعة، حتى لا يكون أعرف بها منه في وقته، بحيث يحتاج إليه الكل في الكل ويكون هو غنيا عن الكل، ممتازا عنهم بالفضائل النفسانية والكمالات الجسمانية من العلم والحكمة والعفة والشجاعة والقوة وشدة البأس، بحيث يكون خطيرا في القلوب قويا على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، ومع ذلك يكون فائزا بالخواص النبوية، ليصير ربا إنسانيا وسلطانا في العالم الأرضي وخليفة الله فيه، فيحل تفويض معرفة الدخل والخرج، وإعداد أهبة الأسلحة والحقوق والثغور وغير ذلك من الأهوال والأحوال وخاصة في العبادات والمعاملات إليه.
وقد اعترف بذلك أقاصيهم وأقر به أدانيهم، فما بالهم يقولون: إن الرجل كان ممن لا كلام في عموم مناقبه ووفور فضائله، واتصافه بالكمالات واختصاصه بالكرامات، وإنه كان عظيم الخطر في القلوب قويا على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، وبسيفه فتح الله البلاد وبسطوته آمن العباد، وإنه كان عارفا بالسياسات عالما بالديانات وخصوصا بهذا الدين والشريعة، حتى ما كان أعرف بها منه في وقته، لقوله: " أقضاكم علي " (1) ولرجوعهم في العويصات إليه، واعتضادهم في المشكلات به كما اعترف به حكيمهم ابن سينا،... إلى غير ذلك؟!
ومع ذلك كله هم ينكرونه، ويقولون: إن السياسة والرئاسة كانت مما لا بد منه في انتظام أمر المعاش والمعاد إلا أنه كان غيره أحق بها منه، لمجرد إجماع يدعونه ولا يثبتونه، لعدم تحقق شرائطه كما سننبه عليه، مع أن بديهة العقل شهدت - وكفى بها شهيدا - بأن الاستخلاف إذا كان بطريق النص لا يؤدي إلى الافتراق والاختلاف وغيرهما، مما يؤدي إليه تركه من المنازعات والمناقشات الصادة عن انتظام أمر المعاش والمعاد.
وكيف خالف الله ورسوله مقتضى بديهة العقل وما هو الأصلح والأصوب من
Page 7
الاستخلاف بالنص الذي لا يؤدي إلى تشتت الشمل وتفرق الكلمة كما يؤدي إليه تركه، فإن تركه يشوش فيما بين أيديهم الدين، ويوقعهم في تنازع، فينصرفوا إلى المباحثات والمقايسات التي تصدهم عن أعمالهم المدنية، وربما أوقعهم في آراء مخالفة لإصلاح المدينة ومنافية لواجب الحق، فيكثر فيهم الشكوك والشبهات، فيصعب الأمر على السائس في ضبطهم من حيث إنه خليفة؟!
ثم كيف يجب على هذا السان أن يفرض طاعة خليفته، وأن يحكم في سنته أن من خرج فادعى خلافته بفضل قوة أو مال فعلى الكافة من أهل المدينة قتله وقتاله وذلك لينصروا به خليفته، ولا خليفة له من جهته؟! بل كيف يجب عليه أن يرتب المدينة على أجزاء ثلاثة: المدبرون والصناع والحفظة، ويرتب في كل صنف منهم رئيسا يرتب تحته رؤساء يلونه، ويرتب تحتهم رؤساء يلونهم إلى أن ينتهي إلى إفناء الناس، فلا يكون في المدينة إنسان معطل ليس له مقام محدود، ولا يجب عليه أن ينص على من يخلفه ويجعله رئيسا على المدينة وحافظا على سنته وشريعته التي هي أسباب وجودهم، وبه ينتظم أسباب معاشهم ومصالح معادهم؟!
أو كيف يتصدى لعقد البيت والنكاح والسنن الكلية والجزئية حتى آداب الخلوة والخلاء، ويترك هذه السنة السنية التي لا بد منها في قوام أمر المعاش والمعاد، وعليها يتوقف نظام كل ما يجب أن يسنه من عند الله؟!
أو كيف يجب عليه أن يقدر لأهل الآفات والعاهات موضعا يكون فيه أمثالهم، وأن يجعل عليهم قيما ينتظم به أمورهم، كل ذلك في حياته، ولا يجب عليه أن يجعل لأهل المدينة ومن والاهم من رعيته وأمته قيما ينتظم به معاشهم ومعادهم؟!
والعجب من ابن سينا - لولا تقيته كما هو الظاهر من سياق كلامه في هذا الفصل، حيث جمع بين المذهبين مع إيماء لطيف إلى تفضيل مذهب الشيعة وترجيحه - أنه بعد ما نص بذلك كله، كيف جوز أن يكون ذلك بإجماع من أهل
Page 8
السابقة على من يصححون علانيته؟!
وفيه إيماء إلى دقيقة إذا تأمله عاقل يعرفها، ويعرف بتأمله ما في كلامه من الاضطراب والتشويش، فإنه بعد ما اعتبر في الخليفة أن يكون من أعرف الأمة بالشريعة حتى لا يكون أعرف بها منه في زمانه وهو الحق، لأن الخليفة حافظ الشريعة فيجب أن يكون أعرف بها من أهل زمانه طرا، لئلا يلزم تفضيل المفضول على الفاضل، غفل (1) عن هذا أو تغافل، لتصريحه بأن المعول الأعظم العقل وحسن الايالة لا الأعرفية بالشريعة والديانة، بل يلزم الأعرف أن يشارك الأعقل ويعاضده، ويلزم الأعقل أن يعتضد به ويرجع إليه مثل ما فعل علي (عليه السلام) وعمر.
وهذا منه تصريح بأعلمية علي (عليه السلام) من عمر وإن كان فيه تناقض صريح وتهافت قبيح ارتكبه لترويج الكاسد وإصلاح الفاسد " وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر " وإن كان ثاقبا ذهنه الحديد وفكره السديد، وما هي من الظالمين ببعيد.
ثم بعد ما صح وثبت أن الخارجي كامل والمدعي للخلافة ناقص، كيف يسوغ الحكم بأولوية إطباق أهل المدينة دون وجوبه، وهذا الحكيم لا يصحح الترجيح من غير مرجح فضلا عن تصحيحه ترجيح المرجوح على الراجح؟! وقد حكم آنفا بأنهم إذا أطبقوا على غير من وجدوا الفضل فيه والاستحقاق له فقد كفروا بالله، وهذا هو الحق الذي يقتضيه النظر الفلسفي، وكأنه تأشعر بعد ما تفلسف.
ومع قطع النظر عن ذلك، كيف يتصور ذلك التصحيح من الخارجي وهم يدعون أن إجماع أهل السابقة من الأمة لا يتطرق إلى صحته شوب شبهة وإلى حقيته وصمة شك، لبراءتهم عن الزلة والخلل وعصمتهم عن الخطأ والزلل، وينقلون على ذلك حديثا، وبعد ذلك كله ما ذكره من شرائطه كان موجودا فيهم؟!
أما تصحيح أهل السابقة كصاحب الحق وأهله وأولاده وأقربائه وأصحابه كعمه العباس وأبنائه وأسامة بن زيد والزبير، ومشاهير الصحابة الكبار كسلمان
Page 9
وأبي ذر والمقداد وعمار وحذيفة بن اليمان وأبي بريدة الأسلمي وأبي بن كعب وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وأخيه عثمان وأبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله الأنصاري، وكخالد بن سعيد وسعد ابن عبادة وقيس بن سعد وغيرهم، فأشهر من أن يحتاج إلى البيان أو يمكن أن ينكره الانسان، وقد ذكر ابن قتيبة في كتابه ثمانية عشر رجلا منهم، قال: وكانوا رافضية، وأخذ من بعضهم البيعة بالوعيد والتهديد ولو بعد حين، وقد أصر بعضهم على إنكارهم وبقوا عليه إلى يوم الدين (1).
وأما العقل، فإن أراد به الشيطنة والنكراء فكان موجودا فيهم كما في سائر أفراد الملوك المتغلبة كمعاوية وابنه، ولكنه مما لا مدخل له في تدبير المدينة العادلة على وجه يؤدي إلى إصلاح المعاش والمعاد، بل هو من مقولة دفع الفساد بالأفسد. وإن أراد به غير ذلك مما له مدخل في السياسة والرئاسة النبوية وما تقتضيه الحكمة الإلهية فما كان ذلك فيهم موجودا أصلا، كيف وهم قد أشركوا بالله سنين وشهورا وأياما ودهورا، ولم يكن فيهم من العقل ما يثبتون به التوحيد مع فطريته وبداهته، بل لم يتنبهوا به أصلا، وبعد ما نبهوا عليه طلبوا دليلا عليه ومعجزة ؟! فكان عقولهم واستعدادهم نفسا دون عقول أوساط الحكماء واستعداد نفوسهم كإفلاطون الإلهي وأرسطا طاليس وغيرهما، فإنهم قد أثبتوا التوحيد بمحض عقلهم ولم يشركوا بالله، بل قتل بعضهم بمنعه عن الشرك.
فإذا كان عقلهم هذا، واستعداد نفوسهم في هذه المرتبة، فكيف يستحقون مرتبة الرئاسة النبوية والخلافة الإلهية؟! ومتى يسوغ لأهل السابقة تصحيح علانيتهم عند الجمهور بأنهم أصيل العقل شريف الأخلاق من الشجاعة والعفة وهم من أجبن الناس نفسا، وقد فروا ولم يكروا في كثير من الغزوات والمصارعات، وباءوا بغضب من الله، ولشهرتها وظهورها لا حاجة لنا إلى شرحها.
Page 10
وهذا بخلاف صاحب الحق، فإنه لم يشرك بالله طرفة عين، وأخلاقه الفاضلة وشيمه الكاملة موصوفة كما يشهد به التتبع، مع تطرق الدروس إلى كثير ما ورد فيه، لمعارضته الدول المخالفة ومباينته الفرق المنافية، لأن أحباءه كتموا فضائله خوفا وفرقا، وأعداءه كتموها بغيا وحسدا، ولله الحمد أن ظهر ما بين الكتمين ما ملأ الخافقين، وشجاعته بالغة حد التواتر كما اعترف به الفريقان، وضرباته يوم الخندق والخيبر وغيرهما مشهورة، و " لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار " (1) معروفة.
روى الجمهور كافة: " أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما حاصر خيبر بضعا وعشرين ليلة وكانت الراية لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فلحقه رمد أعجزه عن الحرب والخروج من حيث يتعرض للحرب، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) أبا بكر فقال له: خذ الراية، فأخذها في جمع من المهاجرين، فاجتهد ولم يغن شيئا ورجع منهزما، فلما كان من الغد تعرض لها عمر، فصار غير بعيد ثم رجع يجبن أصحابه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): جيئوني بعلي، فقيل: إنه أرمد العين، فقال: أرونيه تروني رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ليس بفرار، فجاءوا بعلي (عليه السلام) فتفل في يده ومسحها على عينيه ورأسه، فبرئ وأعطاه الراية، ففتح على يديه وقتل مرحبا " (2).
وفيه من إظهار فضله وحط منزلة الآخرين، فإن تأمله عاقل يعرفه، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت:
وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يحس مداويا شفاه رسول الله منه بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال سأعطي راية القوم فارسا * كميا شجاعا في الحروب محاميا يحب إلها والإله يحبه * به يفتح الله الحصون الأوابيا فخص بها دون البرية كلهم * عليا وسماه الولي المؤاخيا
Page 11
هذا، وأما العفة فغنية عن الذكر والبيان، فإن الابنة النافع لها ماء الرجال، المفسر في كتبهم بالنبت، المردود عليهم بأنه كان يخرج من بين الصلب والترائب في الألسنة والأفواه مذكورة (1). وأما المعرفة بالشريعة فكانوا من أجهل الناس نفسا، حتى اعترفوا بأن كل الناس أفقه منهم حتى المخدرات في الحجال (2)، " ولولا معاذ لهلك عمر " من المسلمات عندهم، وإن كان " لولا علي لهلك عمر " (3) أشهر منه ولكنهم لشدتهم عنادا وفرطهم جهلا ينكرونه ولا يعرفونه، فويل للذين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونه، وما أولئك بالمؤمنين.
نعم قول هذا الرجل السينائي: " ويجب أن يسن النبي على الجمهور أو على أهل السابقة أنهم إذا افترقوا وتنازعوا بالميل والهوى، وأجمعوا على غير من وجدوا الفضل فيه والاستحقاق له فقد كفروا بالله " - وفيه إيماء إلى ما يعرفه العاقل إذا تأمله - مطابق للحق وموافق للواقع، ونحن على ذلك من الشاهدين وعلى صدقه من المصدقين إلى يوم الدين، وما شهدنا إلا بما علمنا.
ثم أنت خبير بما في كلامه من الإشارة إلى أن عليا كان قد صحح أن عمر غير أهل للخلافة، وأنه كان ممنوا بنقص، وأن هذا النقص كان موجودا فيه، بل كان أعلم منه بالشريعة وأشجع وأعف، وكان هو يعتضد به ويرجع إليه في معرفة السنة النازلة، وإصلاح أحوال المدن الفاسدة، وذلك أيضا مشهور وفي الدفاتر مسطور. وأما أنه كان أعقل منه وأحسن في أمر الايالة، وكان متوسطا في البواقي ولم يكن غريبا فيها ولا صائرا إلى أضدادها، فمع أنه ممنوع والسند ما سبق آنفا، فمجاب: بأن العقل عبارة عن الفهم، يقال: عقل هذا أي فهمه، ثم استعمل في غريزة نفسانية مدركة لما فيه صلاح النفس في النشأة الآخرة، وقد يطلق على نفس ذلك الإدراك، وعلى من كان مصلحا لأمور معاشه إذا كان دخيلا في صلاح المعاد،
Page 12
ووصلة إلى الحياة الأبدية والفيوضات السرمدية.
ولا شك في أن عليا (عليه السلام) كان أعقل من عمر بجميع هذه المعاني، والمعول الأعظم في ذلك النقل الوارد في طريقي المتخاصمين.
نعم يمكن أن يقال: إن العقل في أصل اللغة ما كان سببا لجلب النفع ودفع الضر، ثم إن أهل العرف لما شاهدوا وجود هذا المعنى في أمثال عمر بحسب الظاهر، وهم - كما قيل - يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، وذلك مبلغهم من العلم، أطلقوا عليه اسم العاقل.
وأما أهل الحقيقة، فلما نظروا إلى عواقب الأمور ووجدوا النفع العاجل في جنب الضرر الآجل أقل قليل، بل لا شئ في الحقيقة، سلبوا عنه اسم العقل، وقالوا: إن ما كان في عمر ومعاوية ومن ينزل منزلتهما، يقال له: الجربزة والنكراء والشيطنة والغوغاء كما أشار إليه ابن سينا في مواضع من هذا الفصل، وهي شبيهة بالعقل وليست هو. فالاختلاف بين الفريقين ليس في معنى العقل بل في اندراج هذا الفرد في مفهومه، هذا.
ثم بما تقرر في العقول من عدم جواز تفضيل المفضول بل المساوي لامتناع ترجيح أحد المتساويين، يلزم أن يكون الخليفة أفضل أهل زمانه كلا، وصاحب النفس القدسية بل صاحب معجزة تدل على خلافته، وتكون آية ملكه وعلامة سلطانه، بل يجب أن يكون متصرفا في أجزاء العالم، ظاهرا بالسيف وباطنا بالهمة وبالجملة: يكون أشبه الخلائق بالنبي (صلى الله عليه وآله) نفسا وروحا وعلما وعملا، وما هو في المشارق والمغارب إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما أشير إليه بقوله: * (وأنفسنا) * (1) فكان هو الخليفة بالحق ظاهرا وباطنا، شيد به الله هذا الدين، أظهره بالسيف وعصمه من الجور، فحكم بالعدل الذي هو حكم الحق في النوازل، فهو مع الحق والحق يدور معه حيثما دار. فالذين خرجوا عليه وادعوا خلافه فقد عصوا الله وكفروا به بلا مرية وهم لا يشعرون.
Page 13
واعلم أن الجواب الحاسم لمادة المشاغبة والمشاجرة: ما سبق من أن الاستخلاف بالنص لما كان هو الأصلح والأصوب لعدم أدائه إلى التشعب والتشاغب، كان من الواجب في سنة هذا السان لكونه من أكمل أفراد نوع الانسان أن ينص على من يخلفه، وأن لا يكون الاستخلاف إلا من جهته، لا بإجماع جماعة من أهل الغرض والعناد وطائفة من أهل الزور والفساد، حسما لمادة المخالفة والجدال وسدا لطريق المنازعة والقتال، إذا سير بسيرته وعمل بشريعته وسنته، وذلك معلوم من استقامة طريقته وحسن سيرته وصفاء طويته وغاية لطفه بأمته، والمنازع مكابر مقتضى عقله وبصيرته، والله يعلم ذلك من سريرته.
ومن هنا تراهم يقولون: إن الرئاسة العامة إذا لم تكن على وجه الغلبة والقهر بل كانت على طريقة مؤدية إلى صلاح المدينة في معاشهم ومعادهم لا بد وأن تكون من قبل الله ووحيه، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) وما يسنه فإنما هو من عنده، وواجب في حكمته أن يسنه، لأنه أعلم بمصالح عباده منهم في أمور دينهم ودنياهم فيختار لهم من يشاء لما يشاء بعد أن كان مستعدا لذلك وأهلا له، وذلك مما لا يعلمه كما هو إلا هو، والله أعلم حيث يجعل رسالته، حتى أن النبي (صلى الله عليه وآله) مع كماله وتوسطه بين الله وبين عباده عاجز عن هذا الخطب العظيم والأمر الجسيم من دون توسط الإنباء وإيحاء، فيقتضي النص والتصريح به.
ولما سأل سادة بني إسرائيل نبيهم أن يملكهم ليقاتلوا به في سبيل الله * (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) * (1) بمن اصطفاه للملك والرئاسة. فانظر - رحمك الله - نظر طالب حق لا يكون له ميل بطرف دون طرف كيف رد عليهم تعللهم بأن لا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال وهو فقير لا سعة له ولا مال، بأن الركن الأعظم الشديد الحاجة إليه في الملك والرئاسة بعد
Page 14