Le livre de Galien sur l'épreuve permettant de connaître le meilleur des médecins
كتاب جالينوس محنة أفضل الأطباء
كتاب جالينوس فى المحنة التى يعرف بها أفاضل الأطباء إخراج حنين بن اسحق
١
Page 40
قال جالينوس إن أكثر الناس إنما يونون فى إغفالهم أمر فضائل النفس ومصالحها من الجهل بها. فلو كانوا إنما يونون أيضا فى توانيهم فى أمر حفظ صحة أبدانهم من جهل بها أو استقلال لقدرها، لكان عجبى منهم أقل. ولكنى وجدتهم قد بلغ من تعظيمهم لها أن قوما من الخطباء ألفوا قصائد فى شكر الله والدعاء. ففضلوا النعمة فى الصحة على جميع النعم، وقدموا طلبها على جميع ما يطلب، فلم يذمهم الناس على ذلك، بل حمدوهم وقبلوا قصائدهم، وجعلوها مما يقرءونه فى هياكلهم: وتقرأها من كان قبلنا فى هيكل اسقلبيوس. فاشتد عجبى منهم، إذ كان هذا قدرها عندهم، ثم قد بلغ من توانيهم فيها وإغفالهم لها، أنهم لا يطلبون علم الصناعة التى يستعيدونها بها، ولا يحسنون أن يميزوا بين الأفضل من المتعاطين لها وبين الأخس. وقد كان المتعلمون لهذه الصناعة فى القديم، قبل أن يغلب على الناس ما قد غلب عليهم من إيثار الرفه، هم أفاضل الملوك وأولاد المتألهين من أصلابهم والمنسوبين إليهم، لاستحقاقهم ذلك بالفضيلة البارعة فيهم. وكانوا أولئك يؤدبون أولادهم بها، ولم يكن فى ذلك الزمان أحد من الملوك يرى أن تعاطيه هذه الصناعة، وهى مهنة افلن واسقلبيوس، قبيحا. وأما الآن فحطت مرتبتها إلى العبيد وأخساء الناس. وصار الملوك يستحيون من تعلمها. وهم فى ذلك إلى هذه الغاية يستشفون بالطب الإلهى. فليس تجد أمة من الأمم، ولا بلدا من البلدان، إلا وفيه مواضع يطلب فيها الشفاء بالطب الإلهى، بعضها مسماة باسم اسقلبيوس وبعضها مسماة باسم افلن. وليس يوجد فى زماننا هذا أحد من أهل اليسار يرى تعلم هذه الصناعة: لكن جميعهم يستنكفون منها. ولا تجدهم أيضا، مع كراهتهم لتعلمها، يرون على أنفسهم أن يميزوا بين الأفضل والأخس من أطبائهم. لكن منهم قوما يرومون البحث عن الطبيب الذى يرجى عنده غنى حين يرهقهم المرض. ومنهم من لا يبحث عن ذلك، لكنه يستسلم فى يدى من قد أنس به من الأطباء، كأن مبلغ علم جميع من تعاطى هذه الصناعة مبلغ واحد. ومنهم قوم يكون منتهى فكرهم فى هذا أن يظنوا أن المتعاطين لهذه الصناعة قد يتفاضلون. إلا أنهم إنما يميز بينهم، ويمتحن الأفضل منهم بأشياء خارجة عن أعمال الطب بعيدة منها. فيظنون أن الأيسر من الأطباء أفضل من المقل الأفقر، والمقبول عند الكثير من عظماء أهل المدن وأغنيائهم أفضل ممن لم يكن كذلك. ثم لا ينظرون فى سبب خصوصية الطبيب المقبول عند من ذكرنا، وتقديمه على غيره. هل كان إيثاره إياه وتقديمه له على علم بتمييز ما بين الأفضل والأخس من الأطباء، واختبار منه لذلك الطبيب؟ أو إنما كان باغترار من قول قائل مدحه عنده، من خادم أو وزير؟ أو شفع فيه عنده شافع فقبله من غير أن يمتحنه؟ وأكثر أهل دهرنا يعتمدون فى محنة الطبيب على غيرهم: ويحيدون عنها بأنفسهم، وذلك أنهم يشعرون ويحسون من أنفسهم بأنه ليس عندهم علم ولا معرفة يمكنهم بها تمييز هذا وأشباهه. وهم فى ذلك، إذ كانوا على ما هم عليه من الجهل، مصيبون.
Page 44
فلما أحس بهذا الغباء منهم أهل الخبث من الناس، لم يحتاجوا إلى أن يأخذوا أنفسهم بتعلم الطب والمهارة فيه والحذق به. وقصدوا لتصيد الأغنياء بالوجه الذى رأوا كل واحد منهم سريع الانقياد له، وهذا هو الوجه الذى به يصاد البهائم. فإن رأوا الأغلب على الموسر الذى يلتمسون ما قبله النساء، تأتوا له بباب النساء. وإن رأوا الغالب عليه العبيد، تأتوا له بباب العبيد. كما قد نجد كثيرا من الأغنياء قد خدعهم قوم من أصحاب الخدع والمخاريق ومن يدعى التكهن. وأكثر الأغنياء قد اعتادوا التملق ممن يغشاهم. وقصدهم فى جميع ما يصغون إليه ويفعلونه قصد اللذة. فيعرف ذلك منهم الخبيث من المتعاطين للطب فيستميلهم به رغبة منه فيما يلتمس أن يختدعه عن أخذ ماله. فإذا مرض ذلك الغنى فإن ذلك المتطبب لما يعرف من ميل صاحبه إلى اللذات، فليس يقصد به قصد أصلح التدبير له فى اجتلاب الصحة ، لكنه إنما يدبره بأوقع التدبير من نفسه وألذه عنده. على أنه لو أراد أصلح التدبير لما وقف عليه وقوفا صحيحا. وذلك أنه لم يكن قصده قصد استعمال صناعة الطب على ما ينبغى. وإنما يقصد بها اكتساب الأموال والعز والمرتبة فقط. فليس يطلب أحوط الطرق للمريض، لكنه إنما يطلب أحوط الطرق لهوى نفسه. وذلك أنه إذا سلك بمن هذه حاله هذا الطريق، إن سلم من مرضه كان قوله له أجزل الثواب. وإن مات لم يكربه موته لأنه يستريح ممن يخاف أن يذمه ويشكوه.
وبرومية شىء خاص ليس يوجد فى سائر المدن: أنه لا يكاد أن يعرف جيران الميت، فضلا عن غيرهم، كيف مات، ولا على يدى من أوتى من الأطباء. والسبب فى ذلك عظم المدينة وكثرة أهلها، وشدة حرصهم على طلب المال والجاه وتشاغلهم بهما. ولم أضع كتابى هذا لمن هذه طريقته: إذ كان لا يتفرغ لقراءة فضلا عما سوى ذلك لاتصال أشغاله. لكن إنما وضعته لمن يرى أن أمر بدنه أفضل وأهم إليه من جميع ما يملكه. أو إن لم ير أنه أفضل منه وأهم، رأى أنه ليس بدونه بكثير.
٢
Page 46
وأنا مفتتح قولى بقول قاله أبقراط، فإن هذا الرجل قد كان يعد فيما مضى فى عداد الأفاضل من المتألهين، وإن لم يكن له فى زماننا ذاك القدر. وجملة القول الذى قاله إنه ينبغى على المتطبب أن يكون شأنه أن يتقدم فيستدل على ما يكون من أمر المرضى قبل أن يكون. وأما نسق لفظه فهو هذا «إن الطبيب إذا تقدم فعلم وسبق فأخبر المرضى بالشىء الحاضر مما بهم، وما مضى وما يستأنف، وعبر عن المريض بكل ما قصر عن صفته، وثق منه بخبرة وبصيرة فى أمر المرضى، ودعا ذلك منه المرضى إلى سكون أنفسهم وإلى الاستسلام فى يديه. وكان علاجه لهم على أفضل الوجوه، إذ كان يتقدم فيعلم من العلل الحاضرة ما سيكون من أمرهم.»
وليس يشك أحد فى أن الذى يعلم أمور المرضى على ما ينبغى فهو أولى الناس بأن يثق به المرضى، ليس لمعرفته بأمورهم فقط، لكن لأنه مع ذلك أيضا حرى بأن يستعد للشىء المزمع بأن يحدث بهم قبل وقت حدوثه بزمان طويل. وكما أن الحاذق بتدبير السفن فى البحر عندنا ليس الذى يجهد نفسه فى تدبير السفينة إذا عرض للبحر اضطراب، وذلك أنه لا يؤمن عليه أن يغلبه شدة قوة الريح وحركة البحر. لكن الحاذق عندنا هو القادر على أن يعلم كون تلك الحركة قبل وقت حدوثها بمدة طويلة بالمخايل الدالة عليها. فإن وجد مرسى قريبا، بادر فأرسى فيه. وإن منعه من ذلك عظم اللجة، احتال بكل حيلة لإحراز سفينته وحياطتها من الآفات وهو فى مهلة، قبل أن يقع الهول والاضطراب. كذلك أفضل الأطباء من علم بما سيحدث بالمريض، فاستعد له قبل ذلك بمدة طويلة وتأهب وهيأ ما يحتاج إليه لشىء شىء مما يحدث.
Page 48
وإنى لأعرف كثيرا من المتطببين لا يحضرهم ما يحتاجون إليه من الأدوية وسائر الآلة عند العارض الذى يحدث للمريض بغتة. فقد يعرض للمريض كثيرا سقوط القوة بغتة، إما من رعاف يعرض له أو نزف دم من غير المنخرين. وربما عرض له ذلك من اختلاف مفرط أو من عرق أو من قىء أو من صعوبة الألم. وكثير من المرضى يعرض لهم بغتة، من غير أن يكون أحد ممن حضره من الأطباء قد تقدم فأنذر بشىء من ذلك سبات مفرط كان، أو تشنج فى العصب، أو اختلاط فى الذهن. وربما فاجأت الحمى المريض، وهو يتناول الغذاء، من غير نافض ولا يكون أحد ممن بحضرته من الأطباء قد تقدم فأنذر بذلك. وإذا كان ذلك، فكيف ينبغى أن يكون هرب الأطباء ودخولهم فى الأرض إذا كانوا حضورا للمريض ولم يعلموا بما سيحدث به من ذلك العارض! وكانوا إذا لم يستعدوا ويتقدموا فيما يحتاجون إليه، فقد عرضوا المريض للتلف. وذلك أنه قد يعرض للمريض أيضا نقصان النفس بغتة وسقوطها، وأن يصفر لونه، وتبطل حركة عروقه، ويبرد بدنه بردا شديدا ولا يوجد عند الأطباء شىء من معرفة ذلك ، فيعتدوا بجميع ما يحتاج إليه.
وليس ينبغى أن يقتصر من المتطبب على أن يعد جميع ما يحتاج إليه من الأدوية والأغذية والأشربة وسائر الآلة لما يحدث على المريض، لكنه قد يجب عليه إذا علم أن حادثا سيحدث، أن يلتمس دفع السبب الذى منه يحدث ذلك الحادث، حتى يمنعه من أن يحدث البتة به، إن كان ذلك ممكنا. وإن كان ذلك غير ممكن، اجتهد فيما يكسر من عادية ذلك الحادث وينقص من شدته. وأما قولى إنه ينبغى أن يستعد ويتأهب الطبيب لما يحدث بالمريض، هو بعد أن يتقدم فيعلم شيئا شيئا مما يحدث به.
٣
Page 50
وقد وجدتهم لا يصلون إلى معرفة الحاضر من الأمراض. وكثيرا ما رأيت المريض قد سقطت قوته وعرضه له عارض غير ذلك شبيه به، والمتطببون لا يعلمون من أى سبب عرض له ذلك العارض. وقد قال أيضا فى هذا أبقراط قولا أنا واصفه لك، وهو هذا «وما وجدت الأطباء أيضا يخبرون من أمر المرضى كيف ينبغى لهم أن يتعرفوا ما يعرض لهم من سقوط النفس. هل هو لضعف القوة، أو من هيجان الوجع وشدته وحدة المرض وما يحدث من سائر الأعراض من قبل طبيعة البدن وحاله وأصناف ذلك». وأكثر المتطببين، مع تقصيره عن هذا، قد يهزأ بالقائل لهذا الكلام، ولا يحمد من يطلب سبب كل شىء مما يعرض للمريض، لكنه يروم أن يهزأ به ويثلبه، ويطعن عليه بأنه يتكلف فضلا لا يحتاج إليه وإنما طلبه له عبث. وإذا استدعى منهم فهم الكلام فى ذلك قالوا «لسنا سوفسطائية ولا أصحاب حجاج، لكنا ممن قد يكتفى بعلاج الطب على طريق التجارب.» فإذا فضحوا فى علاج المرضى، وجدت بعضهم عند الفضيحة يستعمل القحة والمكابرة لمن يناظره. ووجدت بعضهم يسكت فى ذلك الوقت ثم يرصد الفاضح له بالحيل والمكر، ويدبر عليه حتى يوقعه فى بلية كما دبر على قوينطس أهل زمانه من المتطببين حتى نفى. وقد ينبغى أن نصف الطريق الذى به يفتضحون فى علاج المرضى. فإن هذا هو الغرض الذى قصدنا له فى كتابنا هذا.
Page 52
فأقول إنه ربما حضر بعض هؤلاء المتطببين المستخفين بأبقراط وسائر القدماء مريضا فظن به أن قوته ضعيفة. فرام تقويته بأن يملأ بطنه من البيض والخبز المنقع فى الشراب وما أشبه ذلك. ثم حضر متطبب غيره فقال إن المريض لا يحتاج إلى شىء من ذلك، ولا إلى المقدار اليسير الذى كان من عادته أن يتناوله. وأمر المريض أن يمسك عن الطعام البتة. فإذا انتهى إلى ما أمر به انتعشت قوته وتراجع. وعلم من حضره علما بينا أن المريض لو بقى على تدبيره الأول لكان سيختنق. وكان فى ذلك فضيحة الذى أشار بالأغذية ودلالة على فضل الذى أمر بالحمية.
ومن قدر على أن يفعل الذى فعلناه مرارا كثيرة فيمن تغيرت قوته حتى كاد هؤلاء المتطببون أن يخنقوه بالأطعمة فى غير وقتها وبلغ من فضيحتهم وكشف عوارهم الغاية القصوى؟ فإنا قد حضرنا مرضى مرارا كثيرة هذه حالهم، ولم نقتصر على أن منعناهم من الطعام حتى أنا استفرغناهم. فلما أن فعلنا ذلك، رجعت إليهم القوة واشتدت أنفسهم. والاستفراغ الذى يحتاج إليه يختلف بحسب اختلاف حالات المرضى، لأن سقوط القوة والنفس ليس يعرض من سبب واحد، لكنه يعرض، كما وصف أبقراط، من أسباب كثيرة. وقد شفينا مرارا كثيرة بعض من عرض له هذا بالقىء وحده، ومرارا كثيرة بالإسهال، وكثيرا ما داويناه بذلك اليدين والرجلين. وكثيرا ما فعلنا ذلك بعرق عرقناه المريض، أو بمنعنا إياه من الطعام. وربما استعملنا من هذه الأنواع التى وصفنا نوعين معا إذا رأينا ذلك أصلح.
Page 54
وإنى لأعرف عدة من المرضى داويتهم من هذا العارض بمنع من الطعام مدة طويلة مع شرب دواء. وأعرف آخرين ممن كان لهم الغشى، فضلا عن نقصان القوة، داويتهم بالمنع من الطعام البتة، وبدلك كثير لليدين والرجلين، وكثيرا ما أمرت مع ذلك بدلك الفقار كل. فلما أن فعلت ذلك رجعت قوتهم إليهم وبرءوا برءا تاما. وكثيرا ما فعلت خلاف هذا. فرأيت قوما قد اعتزموا على الاقتصار فمنعتهم من ذلك وأعلمتهم أنهم إن اقتصروا وقعوا من الغشى فيما يكرهونه. فجميع من عصانى منهم عرض له من الغشى ما أنذرته به. وأعلمت قوما أنهم إن عولجوا بالحقنة عرض لهم هذا العارض الذى وصفت بعينه. ومنعت قوما من أن يستعملوا أضمدة تحلل وترخى، ومن استعمال الدهن الحار وأنذرتهم بأنهم إن فعلوا ذلك أحدث لقوتهم سقوطا. فلم يعصنى أحد منهم فانتفع بما أشرت به عليه من ذلك. وما أحصى كم من مريض أنذرته بأن شربه ماء العسل يورثه ضعفا وسقوط قوة، فتبين له ذلك. وكم من مريض أعلمته بأن شربه ماء العسل يزيد فى قوته، فوجد ذلك على ما وصفت له. فعند هذه الأشياء كلها وأشباهها من أعمال الصناعة يفتضح المتعاطى للطب وهو لا يحسنه، ويتبين فضيلة المحسن فيه.
Page 56
وكثير من المتطببين لا يوجد عندهم إذا سئلوا عن شىء من هذه الأشياء وأشباهها جواب، فضلا عن أن يبينوا بالفعال حذقا بالصناعة التى يتعاطونها لأنهم لم يتعلموا هذا العلم ولا ارتاضوا فيه. وقد يكون أن يتعلم المتعلم هذا العلم، ثم يتكاسل ويتهاون بالارتياض فيه والاستعمال له، فيقصر عما يبلغه من قد ارتاض فيه. فأما من لم يتعلمه البتة فليس يمكن أن يرتاض فيه. فإن من لم يتعلم فى المثل ما قال أبقراط من أن «أوجاع العين يسكنها شرب الشراب الصرف أو الحمام أو التكميد أو الفصد أو الدواء المسهل»، فكيف يمكنه أن يرتاض عند نفس العمل فى إصابة الوقت الذى يحتاج فيه إلى كل واحد من هذه الأشياء؟ فأما من قد علم هذا من أبقراط، فهو خليق بأن يجد الوقت الذى يصلح فيه كل واحد منها.
وما رأيت أحدا قط، لا من معلمى ولا من غيرهم من سائر أهل دهرنا، أمر قط من به وجع العين بشرب شراب كثير، ولا أدخله إلى الحمام. لكنى لما علمت ذلك من أبقراط أقدمت فاستعملته، وأنا إلى هذه الغاية استعمله ولم أخطئ فيه من دهرى مرة واحدة.
Page 58
ولا أعلم أحدا ممن بالحضرة إلا وقد علم كيف داوينا الرجل الذى كان يضره كل شياف يكتحل به حتى برأ. وكانت فى عينه قرحة عظيمة مؤلمة. وكان مع ذلك الغشاء العنبى قد نتا. فتأنيت لذلك النتو حتى سكن وللقرحة حتى اندملت من غير أن أستعمل شيئا من الشيافات. واقتصرت على أنى كنت أهيئ له فى كل يوم ثلاثة ألوان من المياه: أحدها ماء قد طبخ فيه خلبة، والآخر ماء قد طبخ فيه ورد، والثالث ماء قد خلطت به زعفرانا مسحوقا غير مطبوخ. وقد رآنى جميع الأطباء الذين بالحضرة وأنا أستعمل هذه المياه، فلم يقدر أحد منهم أن يمتثل استعمالى إياها. وذلك أنهم لا يعرفون الطريق والمقدار الذى يحتاج أن يقدر فى كل يوم من كل واحد من هذه المياه، على حسب ما تحتاج إليه العلة. وذلك أن تقدير ما كان لتلك المياه: عند شدة الوجع وغلبته بنوع، وعند نفور النتو بنوع، وعند كثرة الوسخ فى القرحة أو الزيادة فى عمقها أو بقائها بنوع. ولم أستعمل شيئا سوى هذه الثلاثة المياه. وبلغت ما أردت من سكون نتو الغشاء العنبى الذى كان نتا وتسكين الوجع وتنقية القرحة فى وقت ما كان الوسخ كثيرا فيها، وإنبات اللحم فى الوقت الذى كانت فيه عميقة وإدمالها فى وقت ما امتلأت. ولست أخلو فى يوم من الأيام من أن أبين من مبلغ الحذق بهذه الصناعة ما هذا مقداره فى العظم أو شبيها به. وأكثر من يرى هذا من الأطباء لا يعلم أين هو مكتوب، فضلا عما سوى ذلك. وبعضهم إذا رأى ذلك لقبنى البديع الفعل وبعضهم البديع القول.
٤
Page 60