315

Irshad al-Fuhul ila Tahqiq al-Haqq min 'Ilm al-Usul

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

Enquêteur

الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا

Maison d'édition

دار الكتاب العربي

Édition

الطبعة الأولى ١٤١٩هـ

Année de publication

١٩٩٩م

المسألة الثامنة عشرة: عُمُومِ الْمُقْتَضَى
اخْتَلَفُوا فِي الْمُقْتَضَى هَلْ هُوَ عَامٌّ أَمْ لَا؟ وَلَا بُدَّ مِنْ تَحْرِيرِ تَصْوِيرِهِ قَبْلَ نَصْبِ الْخِلَافِ فِيهِ، فَنَقُولُ: المقتضِي بِكَسْرِ الضَّادِ، هُوَ اللَّفْظُ الطَّالِبُ لِلْإِضْمَارِ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِإِضْمَارِ شَيْءٍ، وَهُنَاكَ مُضْمَرَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَهَلْ تُقَدَّرُ جَمِيعُهَا، أَوْ يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَذَلِكَ التَّقْدِيرُ هُوَ المقتضَى بِفَتْحِ الضَّادِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا لِذَلِكَ أَمْثِلَةً، مِثْلَ قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ١ و"قدره بَعْضُهُمْ: وَقْتُ إِحْرَامِ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ: وَقْتُ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ"*، وَمِثْلُ قوله ﷺ: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ" ٢ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَسْتَقِيمُ بِلَا تَقْدِيرٍ، لِوُقُوعِهِمَا مِنَ الْأُمَّةِ، فَقَدَّرُوا فِي ذَلِكَ تَقْدِيرَاتٍ مُخْتَلِفَةً، كَالْعُقُوبَةِ، وَالْحِسَابِ، وَالضَّمَانِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَنَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" ٣ وأمثال ذلك كثيرة، فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ مَا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ فَائِدَةً، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِأَنَّ مَا سِوَاهُ مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: وَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْجَمِيعِ لَا يَجُوزُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ انْتَهَى.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ، بَلْ يُقَدَّرُ مِنْهَا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إِرَادَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَدُلَّ دليل على إرادته، وَاحِدٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ كَانَ مُجْمَلًا بَيْنَهَا وَبِتَقْدِيرِ الْوَاحِدِ مِنْهَا الَّذِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ، وَتَنْدَفِعُ الْحَاجَةُ فَكَانَ ذِكْرُ مَا عَدَاهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
وَأَيْضًا قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيمَا تَقْتَضِيهِ الضَّرُورَةُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، وَقَدِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وفخر الدين الرازي،

* ما بين قوسين ساقط من "أ".

١ جزء من الآية "١٩٧" من سورة البقرة.
٢ أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي "٢٠٤٥". والحاكم في المستدرك، كتاب الطلاق، "٢/ ١٩٨" وقال: حديث صحيح. والدارقطني في السنن، كتاب النذور "٤/ ١٧٠". والبيهقي في السنن، كتاب الخلع والطلاق، باب ما جاء في طلاق المكره "٧/ ٣٥٦" وقال: جود إسناده بشر بن بكر وهو من الثقات. وابن حبان في صحيحه "٧٢١٩". وفي الباب عن عبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وغيرهم.
٣ تقدم تخريجه في الصفحة "١٥٦".

1 / 327