Irshad al-Fuhul ila Tahqiq al-Haqq min 'Ilm al-Usul
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
Enquêteur
الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا
Maison d'édition
دار الكتاب العربي
Édition
الطبعة الأولى ١٤١٩هـ
Année de publication
١٩٩٩م
قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": أَنَّ صِيغَةَ "افْعَلْ" لِطَلَبِ إِدْخَالِ مَاهِيَّةِ الْمَصْدَرِ فِي الْوُجُودِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَدُلَّ عَلَى التَّكْرَارِ، بَيَانُ الْأُولَى: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا مَا جَاءَ عَلَى التَّكْرَارِ كَمَا في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ١ وَمِنْهَا مَا جَاءَ عَلَى غَيْرِ التَّكْرَارِ، كَمَا فِي الْحَجِّ وَفِي حَقِّ الْعِبَادِ أَيْضًا قَدْ لَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ، فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ بِدُخُولِ الدَّارِ أَوْ بِشِرَاءِ اللَّحْمِ لَمْ يُعْقَلْ مِنْهُ التَّكْرَارُ، وَلَوْ ذَمَّهُ السَّيِّدُ عَلَى تَرْكِ التَّكْرَارِ لِلْأُمَّةِ الْعُقَلَاءِ، وَلَوْ كَرَّرَ الْعَبْدُ الدخول حَسُنَ مِنَ السَّيِّدِ أَنْ يَلُومَهُ، وَيَقُولَ لَهُ إني أمرتك بالدخول، وقد دَخَلْتَ فَيَكْفِي ذَلِكَ وَمَا "أَمَرْتُكَ"* بِتَكْرَارِ الدُّخُولِ، وَقَدْ يُفِيدُ التَّكْرَارَ فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: احْفَظْ دابتي فحفظها ثم أطلقها يُذَمُّ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الِاشْتِرَاكُ وَالْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ جَعْلِ اللَّفْظِ حقيقة في القدر الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا طَلَبُ إِدْخَالِ مَاهِيَّةِ الْمَصْدَرِ فِي الْوُجُوهِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى التَّكْرَارِ لِأَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا بِهِ تَمْتَازُ إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ عَنِ الْأُخْرَى لَا بِالْوَضْعِ وَلَا بِالِاسْتِلْزَامِ، وَالْأَمْرُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ عَلَى التَّكْرَارِ، وَلَا عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ به عَلَى طَلَبِ الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِدْخَالُ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ فِي الْوُجُودِ بِأَقَلَّ مِنَ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَصَارَتِ المرة الواحدة من "ضرورات"** الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، فَلَا جَرَمَ دَلَّ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ أَطَالَ الْكَلَامَ اسْتِدْلَالًا لِلْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ وَدَفْعًا لِحُجَجِ الْمَذَاهِبِ الْآخِرَةِ "بِمَا"*** قَدْ تَقَدَّمَ حَاصِلُ مَعْنَاهُ.
وَإِذَا عَرَفْتَ جَمِيعَ مَا حَرَّرْنَاهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ أَهْلُ الْأَقْوَالِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ.
هَذَا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ مُجَرَّدًا عَنِ التَّعْلِيقِ بِعِلَّةٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ شرط.
أما إذا كان مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ فَإِنْ كَانَ معلقا عَلَى عِلَّةٍ فَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْعِلَّةِ وَإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِثُبُوتِهَا فَإِذَا تَكَرَّرَتْ تكرر، وليس التكرار مستفادًا ههنا من الأمر وإن كان مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ، فَقَدْ ذَهَبَ كثير ممن قال إِنَّ الْأَمْرَ لَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ إِلَى أَنَّهُ مع هذا التعليق يقتضي التكرار و"لكن"**** لَا مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ، بَلْ مِنْ حَيْثُ التعليق لها على ذلك
* في "أ": وما أمرناك.
** في "أ": ضروريات.
*** في "أ": مما.
**** ما بين قوسين ساقط من "أ".
١ جزء من الآية "٤٣" من سورة البقرة.
1 / 258