L'Insaf
الإنصاف
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال القاضي الإمام السعيد، سيف السنة، ولسان الأمة، أبو بكر: محمد ابن الطيب بن محمد رضي الله عنه.
الحمد لله ذي القدرة والجلال، والعظمة والكمال. أحمده على سوابغ الإنعام وجزيل الثواب، وأرغب إليه في الصلاة على نبيه محمد المختار وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار، والتابعين لم بإحسان إلى يوم القرار.
أما بعد: فقد وقفت على ما التمسته الحرة الفاضلة الدينية أحسن الله توفيقها لما تتوخاه من طلب الحق ونصرته، وتنكب الباطل وتجنبه. واعتماد القربة باعتقاد المفروض في أحكام الدين. واتباع السلف الصالح من المؤمنين، من ذكر جمل ما يجب على المكلفين اعتقاده، ولا يسع الجهل به، وما إذا تدين به المرء صار إلى التزام الحق المفروض، والسلامة من البدع والباطل المرفوض. وإني بحول الله تعالى وعونه، ومشيئته وطوله، أذكر لها جملا مختصرة تأتي على البغية من ذلك، ويستغنى بالوقوف عليها عن الطلب، واشتغال الهمة بما سواه. فنقول وبالله التوفيق: أن الواجب على المكلف.
أن يعرف بدء الأوائل والمقدمات التي لا يتم له النظر في معرفة الله عز وجل وحقيقة توحيده، وما هو عليه من صفاته التي بان بها عن خلقه، وما لأجل حصوله عليها استحق أن يعبد بالطاعة دون عباده. فأول ذلك القول في العلم وأحكامه ومراتبه، وأن حده: أنه معرفة المعلوم على ما هو به، فكل علم معرفة وكل معرفة علم.
وأن يعلم أن العلوم تنقسم قسمين: قسم منهما: علم الله سبحانه، وهو صفته لذاته، وليس بعلم ضرورة ولا استدلال، قال الله تعالى: " أنزله بعلمه " وقال: " وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه " وقال: " فاعلموا أنما أنزل بعلم الله " فأثبت العلم لنفسه، ونص على أنه صفة له في نص كتابه.
والقسم الآخر: علم الخلق. وهو ينقسم قسمين: فقسم منه علم اضطرار، والآخر علم نظر واستدلال: فالضروري ما لزم أنفس الخلق لزوما لا يمكنهم دفعه والشك في معلومه؛ نحو العلم بما أدركته الحواس الخمس، وما ابتدى في النفس من الضرورات.
والنظري: منهما: ما احتيج في حصوله إلى الفكر والروية، وكان طريقه النظر والحجة. ومن حكمه جواز الرجوع عنه والشك في متعلقه.
وجميع العلوم الضرورية تقع للخلق من ستة طرق: فمنها: درك الحواس الخمس، وهي: حاسة الرؤية، وحاسة السمع، وحاسة الذوق،، وحاسة الشم، وحاسة اللمس. وكل مدرك بحاسة من هذه الحواس من جسم، ولون، وكون، وكلام، وصوت، ورائحة، وطعم، وحرارة، وبرودة، ولين، وخشونة، وصلابة، ورخاوة فالعلم به يقع ضرورة. والطريق السادس: هو العلم المبتدأ في النفس، لا عن درك ببعض الحواس، وذلك نحو علم الإنسان بوجود نفسه، وما يحدث فيها وينطوي عليها من اللذة، والألم، والفم، والفرح، والقدرة، والعجز، والصحة، والسقم. والعلم بأن الضدين لا يجتمعان، وأن الأجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق، وكل معلوم بأوائل العقول، والعلم بأن الثمر لا يكون إلا من شجر، أو نخل، وأن اللبن لا يكون إلا من ضرع وكل ما هو مقتضى العادات.
وكل ما عدا هذه العلوم وهو علم استدلال لا يحصل إلا عن استئناف الذكر والنظر وتفكر بالنظر والعقل فمن جملة هذه الضرورات العلم بالضرورات الواقعة بأوائل العقول، ومقتضى العادات التي لا تشارك ذوي العقول في علمها البهائم والأطفال والمنتقصون؛ نحو العلم الواقع بالبديهة، ومتضمن كثير من العادات، ونحو العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان، وأمثال ذلك من موجب العادات وبدائه العقول التي لا يخص بعلمها العاقلون.
Page 1
وأن يعلم أن الاستدلال هو: نظر القلب المطلوب به علم ما غاب عن الضرورة والحس، وأن الدليل هو: ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يعلم باضطراره، وهو على ثلاثة أضرب: عقلي: له تعلق بمدلوله، نحو دلالة الفعل على فاعله، وما يجب كونه عليه من صفاته. نحو حياته، وعلمه، وقدرته، وإرادته. وسمعي شرعي: دال من طريق النطق بعد المواضعة، ومن جهة معنى مستخرج من النطق، ولغوي: دال من جهة المواطأة والمواضعة على معاني الكلام، ودلالات الأسماء والصفات وسائر الألفاظ، وقد لحق بهذا الباب: دلالات الكتابات والرموز، والإشارات والعقود، الدالة على مقادير الأعداد ، وكل ما لا يدل إلا بالمواطأة والاتفاق. والدال هو ناصب الدليل: فالمدلول هو ما نصب له الدليل. والمستدل الناظر في الدليل، واستدلاله نظره في الدليل وطلبه به علم ما غاب عنه.
وإن يعلم أن المعلومات على ضربين: معدوم وموجود، لا ثالث لهما ولا واسطة بينهما. فالمعدوم: هو المنتفي الذي ليس بشيء. قال الله عز وجل: " وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " . وقال تعالى: " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " فأخبر أن المعدوم منتف ليس بشيء، والموجود هو الشيء الكائن الثابت. وقولنا شيء إثبات، وقولنا ليس بشيء نفي. قال الله تعالى: " قل أي شيء أكبر شهادة قل الله " وهو سبحانه موجود غير معدوم.
وقول أهل اللغة علمت شيئا، ورأيت شيئا، وسمعت شيئا؛ إشارة إلى كائن موجود، وقولهم: ليس بشيء هو واقع على نفي المعدوم، ولو كان المعدوم شيئا كان القول ليس بشيء نفيا لا يقع أبدا إلا كذبا، وذلك باطل بالاتفاق.
وأن يعلم أن الموجودات كلها على قسمين. منها: قديم لم يزل وهو الله تعالى، وصفات ذاته التي لم يزل موصوفا بها ولا يزال كذلك. وقولهم: أقدم، وقديم موضوع للمبالغة في الوصف بالتقدم وكذلك أعلم وعليم، وأسمع وسميع.
والقسم الثاني: محدث، لوجوده أول، ومعنى المحدث ما لم يكن ثم كان، مأخوذ ذلك من قولهم: حدث بفلان حادث. من مرض، أو صداع؛ وأحدث بدعة في الدين، وأحدث روشنا، وأحدث في العرصة بناء، أي فعل ما لم يكن من قبل موجودا.
وأن يعلم أن المحدثات كلها على ثلاثة أقسام: جسم، وجوهر، وعرض. فالجسم في اللغة هو: المؤلف المركب. يدل على ذلك قولهم: رجل جسيم، وزيد أجسم من عمرو، وهذا اللفظ من أبنية المبالغة، وقد اتفقوا على أن معنى المبالغة في الاسم مأخوذ من معنى الاسم؛ يبين ذلك أن قولهم: أضرب إذا أفاد كثرة الضرب كان قولهم: ضارب مفيدا للضرب، وكذلك إذا كان قولهم: المؤلف المركب مفيدا كثرة الاجتماع والتأليف، وجب أن يكون قولهم جسم مفيدا كذلك.
والجوهر : الذي له حيز. والحيز هو المكان أو ما يقدر تقدير المكان عن أنه يوجه فيه غيره.
والعرض: هو الذي يعرض في الجوهر، ولا يصح بقاؤه وقتين، يدل على ذلك قولهم: عرض لفلان عارض من مرض، وصداع إذا قرب زواله، ولم يعتقد دوامه. ومنه قوله عز وجل: " تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة " وقوله، " هذا عارض ممطرنا " فكل شيء قرب عدمه وزواله، موصوف بذلك، وهذه صفة المعاني القائمة بالأجسام، فوجب وصفها في قضية العقل بأنها أعراض.
وأن يعلم أن العالم محدث، وأنه لا ينفك علوية وسفلية من أن يكون جسما مؤلفا، أو جوهرا منفردا، أو عرضا محمولا. وهو محدث بأسره. وطريق العلم بحدوث أجسامه وحدوث أعراضه. والدليل على ثبوت أعراضه: تحرك الجسم بعد سكونه، وتفرقه بعد اجتماعه، وتغير حالاته، وانتقال صفاته، فلو كان متحركا لنفسه، ومتغيرا لذاته لوجب تركه في حال سكونه، وتغيره واستحالته في حال اعتداله، وفي بطلان ذلك دليل على إثبات حركته، وسكونه، وألوانه، وأكوانه، وغير ذلك من صفاته، لأنه إذا لم يكن كذلك لنفسه وجب أن يكون لمعنى ما تغير عن حاله واستحال عن وصفه.
Page 2
والدليل على حدوث هذه الأعراض: ما هي عليه من التنافي والتضاد، فلو كانت قديمة كلها لكانت لم تزل موجودة، ولا تزال كذلك، ولوجب متى كانت الحركة في الجسم أن يكون السكون فيه، وذلك يوجب كونه متحركا في حالة سكونه، وميتا في حال حياته، وفي بطلان ذلك دليل على طروق السكون بعد أن لم يكن، وبطلان الحركة عند مجيء السكون، والطارىء بعد عدمه، والمعدوم بعد وجوده محدث باتفاق؛ لأن القديم لا يحدث ولا يعدم، ولا يبطل.
والدليل على حدوث الأجسام: أنها لم تسبق الحوادث، ولم تخل منها، لأننا باضطرار نعلم: أن الجسم لا ينفك من الألوان، ومعاني الألوان من الاجتماع والافتراق، وما لا ينفك من المحدثات، ولم تسبقه كان محدثا. ولأنه إذا لم يسبقه كان موجودا معه في وقته أو بعده، وأي ذلك وجد وجب القضاء على حدوثه، وأنه معدوم قبل وجوده.
وأن يعلم أن للعالم محدثا أحدثه. والدليل على ذلك وجود الحوادث متقدمة ومتأخرة مع صحة تأخر المتقدم وتقدم المتأخر، ولا يجوز أن يكون ما تقدم منها وتأخر متقدما ومتأخرا لنفسه، لأنه ليس التقدم بصحة تقدمه أولى من التأخر بصحة تأخره، فوجب أن يدل على فاعل فعله، وصرفه في الوجود على إرادته وجعله مقصورا على مشيئته، يقدم منها ما شاء ويؤخر ما شاء. قال الله تعالى: " فعال لما يريد " وقال: " إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " ويدل على علمنا بتعلق الفعل بالفاعل في كونه فعلا كتعلق الفاعل في كونه فاعلا بالفعل، فإن تعلق الكتابة، والصناعة بالكاتب والصانع كتعلق الكاتب في كونه كاتبا بالكتابة؛ فلو جاز وجود فعل لا من فاعل، وكتابة لا من كاتب، وصورة وبنية محدثة لا من مصور، لجاز وجود كاتب لا كتابة له، وصانع لا صنعة له، فلما استحال ذلك وجب أن يكون اقتضاء الفعل للفاعل ودلالته عليه كاقتضاء الفاعل في كونه فاعلا. لوجود الفعل وحصوله منه، ومن صفات هذا الصانع تعالى أنه: موجود، قديم، واحد، أحد، حي، عالم، قادر، مريد، متكلم، سميع، بصير، باق " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " وستدل على ذلك فيما بعد إن شاء الله بعد البداية بفرائض المكلفين، وشرائع المسلمين مما يقرب فهمه ولا ينبغي جهله، ولا بد للمكلف من علمه والعمل به فإذا أتينا على هذه الجملة رجعنا إلى القول في التوحيد، وإثبات أسماء الله تعالى وصفاته، وذكر ما يجوز عليه وما يستحيل في صفته، وما توفيقي إلا بالله.
وأن يعلم: أن أول نعم الله تعالى على خلقه الحي الدراك خلقه فيهم إدراك اللذات، وسلامة الحواس، ونيل ما ينتفعون به من الشهوات التي تميل إليها طباعهم، وتصلح عليها أجسامهم، ولو أحياهم، وآلمهم ومنعهم إدراك اللذات لكانوا مستضرين بالآلام، وبمثابة الأحياء المعذبين من أهل النار، وهذه نعمة الله سبحانه على جميع الحيوان الحاس، العاقل منهم والناقص، والمؤمن والكافر.
وأن يعلم أن أفضل وأعظم نعمة الله على خلقه الطائعين وعباده المؤمنين خلقه الإيمان في قلوبهم، وإجراؤه على ألسنتهم، وتوفيقهم لفعله، وتمكينهم بالتمسك به. وخلق الإيمان، والتوفيق له نعمة خص الله تعالى بها المؤمنين دون الكافرين، ولذلك قال عز وجل " " فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين " " ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " " ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا " وقال عز وجل " " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " وقال تعالى: " بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين " فلو كانت هذه النعمة له على الكافرين لم يكن لتخصيصه بها المؤمنين وامتنانه على المؤمنين به، إذ كان قد أنعم بها على المردة والكفرة الضالين.
وأن يعلم: أن طرق المباين عن الأدلة التي يدرك بها الحق والباطل خمسة أوجه: كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة وما استخرج من هذه النصوص وبنى عليها بطريق القياس والاجتهاد حجج العقول. قال الله تعالى آمرا باتباع كتابه والرجوع إلى بيانه: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " . وقال عز وجل: " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " . وقال تعالى: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم " وقال سبحانه: " تبيانا لكل شيء " و" ما فرطنا في الكتاب من شيء "
Page 3
وقال عز وجل في المر باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " وقال: " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " وقال: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " .
وقال سبحانه في وصف عدالة أمة نبيه صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعها، والتحذير من مخالفتها: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " وقال: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " وقال: " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " .
وقال في الأمر بالقياس والحكم بالنظائر والأمثال : " فاعتبروا يا أولى الأبصار " وقال: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " وقال النبي صلى الله عليه وسلم لقاضيه معاذ ابن جبل رضي الله عنه حين أنفذه إلى اليمن لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق: بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله عز وجل. قال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد ؟ قال: اجتهد رأيي وأحكم. فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى الله ورسوله. فأقره على الحكم والاجتهاد وجعله أحد طرق الأحكام.
وقال عز وجل في الأمر باتباع حجة العقل: " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " وقال: " أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون " وقال: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب " وقال: " وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم " وقال تعالى: " وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه " فأمرنا بالاعتبار والاستبصار ورد الشيء إلى مثله أو الحكم له بحسب نظيره، وهذا هو الحكم، المعقول والتقاضي إلى أدلة العقول.
وأن يعلم: أن فرائض الدين وشرائع المسلمين، وجميع فرائض المسلمين وسائر المكلفين على ثلاثة أقسام: فقسم منها: يلزم جميع الأعيان وكل من بلغ الحلم وهو: الإيمان بالله عز وجل، والتصديق له، ولرسله، وكتبه، وما جاء من عنده، والعبادات على كل مكلف بعينه؛ من نحو الصلاة، والصيام، وما سنذكره ونفصله فيما بعد إن شاء الله.
والقسم الثاني: واجب على العلماء دون العامة، وهو القيام بالفتيا في أحكام الدين، والاجتهاد، والبحث عن طرق الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وهذا فرض على الكفاية دون الأعيان، فإذا قام به البعض سقط عن باقي الأمة، وكذلك القول في حفظ جميع القرآن، وما تنفذ به الأحكام من سنن الرسول عليه السلام، وغسل الميت، ومواراته، والصلاة عليه، والجهاد، ودفع العدو، وحماية البيضة وما جرى مجرى ذلك مما هو فرض على الكفاية. فإذا قام به البعض سقط عن باقي الأمة.
والقسم الثالث: من الواجبات من فرائض السلطان دون سائر الرعية: نحو إقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وقبض الصدقات، وتولية الأمراء، والقضاة، والسعاة، والفصل بين المتخاصمين، وهذا وما يتصل به من فرائض الإمام وخلفائه على هذه الأعمال دون سائر الرعية والعوام، وليس في فرائض الدين ما يخرج عما وصفناه ويزيد على ما قلناه.
وأن يعلم: أن أول ما فرض الله عز وجل على جميع العباد. النظر في آياته، والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته، وشواهد ربوبيته؛ لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار، ولا مشاهد بالحواس، وإنما يعلم وجوده وكونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة، والبراهين الباهرة.
والثاني: من فرائض الله عز وجل على جميع العباد، الإيمان به والإقرار بكتبه ورسله، وما جاء من عنده، والتصديق بجميع ذلك بالقلب والإقرار به باللسان.
وأن يعلم: أن الإيمان بالله عز وجل هو: التصديق بالقلب، بأنه الله الواحد، الفرد، الصمد، القديم، الخالق، العليم، الذي " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " .
Page 4
والدليل على أن الإيمان هو الإقرار بالقلب والتصديق؛ قوله عز وجل: " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " يريد بمصدق لنا. ومنه قوله عز وجل: " ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم، وإن يشرك به تؤمنوا " أي تصدقوا. ويقال فلان يؤمن بالله وبالبعث؛ أي يصدق بذلك. وكذلك قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة والقدر، وفلان لا يؤمن بذلك، يعني به التصديق، وبنفي الإيمان به التكذيب. وقد اتفق أهل اللغة قبل نزول القرآن وبعث الرسول عليه السلام على أن الإيمان في اللغة هو التصديق دون سائر أفعال الجوارح والقلوب.
والإيمان بالله تعالى يتضمن التوحيد له سبحانه، والوصف له بصفاته، ونفي النقائض عنه الدالة على حدوث من جازت عليه.
والتوحيد له هو: الإقرار بأنه ثابت موجود، وإله واحد فرد معبود، ليس كمثله شيء؛ على ما قرر به قوله تعالى: " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " وقوله: " ليس كمثله وهو السميع البصير " .
وأنه الأول قبل جميع المحدثات. الباقي بعد المخلوقات، على ما أخبر به تعالى من قوله : " هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم " والعالم الذي لا يخفى عليه شيء والقادر على اختراع كل مصنوع، وإبداع كل جنس مفعول، على ما أخبر به في قوله تعالى: " خالق كل شيء " " وهو على كل شيء قدير " .
وأنه الحي الذي لا يموت، والدائم الذي لا يزول، وأنه إله كل مخلوق، ومبدعه ومنشئه، ومخترعه، وأنه لم يزل مسميا لنفسه بأسمائه، وواصفا لها بصفاته، قبل إيجاد خلقه، وأنه قديم بأسمائه وصفات ذاته، التي منها: الحياة التي بها بان من الموت والأموات، والقدرة التي أبدع بها الأجناس والذوات، والعلم الذي أحكم به جميع المصنوعات، وأحاط بجميع المعلومات، والإرادة التي صرف بها أصناف المخلوقات. والسمع والبصر اللذان أدرك بهما جميع المسموعات والمبصرات، والكلام الذي به فارق الخرس والسكوت وذوي الآفات، والبقاء الذي به سبق المكونات، ويبقى به بعد جميع الفانيات، كما أخبر سبحانه في قوله: " ولله الأسماء ا لحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه " وقوله تعالى: " أنزله بعلمه " " وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه " وقوله: " أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة " وقوله " ذو القوة المتين " فنص تعالى على إثبات أسمائه وصفات ذاته، وأخبر أنه ذو الوجه الباقي بعد تقضي الماضيات، كما قال عز وجل " كل شيء هالك إلا وجهه " وقال: " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " واليدين اللتين نطق بإثباتهما له القرآن، في قوله عز وجل: " بل يداه مبسوطتان " وقوله. " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي " وأنهما ليستا بجارحتين، ولا ذوي صورة وهيئة، والعينين اللتين أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن وتواترت بذلك أخبار الرسول عليه السلام، فقال عز وجل: " ولتصنع على عيني " و" تجري بأعيننا " وأن عينه ليست بحاسة من الحواس، ولا تشبه الجوارح والأجناس، وأنه سبحانه لم يزل مريدا وشائيا، ومحبا، ومبغضا، وراضيا، وساخطا، ومواليا، ومعاديا، ورحيما، ورحمانا. ولأن جميع هذه الصفات راجعة إلى إرادته في عباده ومشيئته، لا إلى غضب يغيره. ورضى يسكنه طبعا له، وحنق وغيظ يلحقه، وحقد يجده ، إذ كان سبحانه متعاليا عن الميل والنفور.
وأنه سبحانه راض في أزلة عمن علم أنه بالإيمان يختم عمله ويوافي به، وغضبان على من علم أنه بالكفر بختم عمله ويكون عاقبة أمره، وقد قال تعالى " فعال لما يريد " و" يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " وقال: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون. وقال: " رضى الله عنهم ورضوا عنه " " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " في أمثال هذه الآيات الدالة على أنه شاء، مريد، وأن الله جل ثناؤه مستو عن العرش، ومستول على جميع خلقه كما قال تعالى: " الرحمن على العرش استوى " . بغير مماسة وكيفية، ولا مجاورة، وأنه في السماء إله في الأرض إله كما أخبر بذلك.
Page 5
وأنه سبحانه يتجلى لعباده المؤمنين في المعاد، فيرونه بالأبصار، على ما نطق به القرآن في قوله: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " وتأكيده كذلك بقوله في الكافرين: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " تخصيصا منه برؤيته للمؤمنين، والتفرقة فيما بينهم وبين الكافرين، وعلى ما وردت به السنن الصحيحة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أخبر به عن موسى عليه السلام، في قوله: " رب أرني أنظر إليك " ولولا علمه بجواز الرؤية بالأبصار لما أقدم على هذا السؤال.
وأن يعلم: مع كونه تعالى سميعا بصيرا: أنه مدرك لجميع المدركات التي يدركها الخلق: من الطعوم، والروائح، واللين، والخشونة، والحرارة، والبرودة؛ بإدراك معين، وأنه مع ذلك ليس بذي جوارح وحواس توجد بها هذه الإدراكات. فتعالى الله عن التصوير والجوارح، والآلات.
وأن يعلم: أنه مع إدراك سائر الأجناس من المدركات وجميع الموجودات، غير ملتذ ولا متألم بإدراك شيء منها، ولا مشقة له منها ولا نافر عنها، ولا منتفع بإدراكها ولا متضرر بها. ولا يجانس شيئا منها، ولا يضادها، وإن كان مخالفا لها.
وأن يعلم: أنه سبحانه ليس بمغاير لصفات ذاته، وأنها في أنفسها غير متغايرات؛ إذ كان حقيقة الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما الآخر بالزمان، والمكان، والوجود والعدم. وأنه سبحانه يتعالى عن المفارقة لصفات ذاته، وأن توجد الواحدة منها مع عدم الأخرى.
وأن يعلم: أن صفات ذاته هي التي لم تزل، ولا يزال موصوفا بها، وأن صفات أفعاله هي التي سبقها، وكان تعالى موجودا في الأزل قبلها.
ونعتقد أن مشيئة الله تعالى ومحبته ورضاه ورحمته وكراهيته وغضبه وسخطه وولايته وعداوته كلها راجع إلى إرادته، وأن الإرادة صفة لذاته غير مخلوقة، لا على ما يقوله القدرية، وأنه مريد بها لكل حادث في سمائه وأرضه مما يتفرد سبحانه بالقدرة على إيجاده، وما يجعله منه كسبا لعباده، من خير، وشر، ونفع، وضر، وهدى، وضلال، وطاعة، وعصيان، لا يخرج حادث عن مشيئته. ولا يكون إلا بقضائه وإرادته.
وأن يعلم: أن كلام الله تعالى صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفا به وأنه قائم به ومختص بذاته، ولا يصح وجوده بغيره، وإن كان محفوظا بالقلوب ومتلوا بالألسن، ومكتوبا في المصاحف، ومقروءا في المحاريب، على الحقيقة لا على المجاز وغير حال في شيء من ذلك، وأنه لو حل في غيره لكان ذلك الغير متكلما به، وآمرا وناهيا.
ومخبرا وقائلا: " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني " وذلك خلاف دين المسلمين، وأن كلامه سبحانه لا يجوز أن يكون جسما من الأجسام، ولا جوهرا،، ولا عرضا، وأنه لو كان كذلك لكان من جنس كلام البشر، ومحدثا كهو: يتعالى الله سبحانه أن يتكلم بكلام المخلوقين.
وأن يعلم: أن كلامه مسموع بالآذان، وإن كان مخالفا لسائر اللغات، وجميع الأصوات، وأنه ليس من جنس المسموعات، كما أنه مرئي بالأبصار، وإن كان مخالفا لأجناس المرئيات، وكما أنه موجود مخالف لسائر الحوادث الموحودات، وأن سامع كلامه منه تعالى بغير واسطة ولا ترجمان. كجبريل، وموسى، ومحمد عليهم السلام حق، سمعه من ذاته غير متلو ولا مقرره، ومن عداهم ممن يتولى الله خطابه بنفسه إنما يسمع كلامه متلوا ومقروءا، وكذلك قال الله عز وجل: " وكلم الله موسى تكليما " وقال: " منهم من كلم الله " وأن قراءتنا القرآن كسب لنا نثاب عليها، ونلام على تركها، إذ وجبت علينا في الصلوات. وأنه لا يجوز أن يحكي كلام الله عز وجل ولا أن يلفظ به لأن حكاية الشيء مثله وما يقاربه وكلام الله تعالى لا مثل له من كلام البشر، ولا يجوز أن يلفظ به بتكلم الخلق لأن ذلك يوجب كون كلام الله تعالى قائما بذاتين قديم ومحدث وذلك خلاف الإجماع والمعقول. وأن كلام الله تعالى غير متبعض ولا متغاير، وأن الصفة هي ما قامت بالشيء وأن الوصف قول الواصف الدال على الصفة خلاف ما يذهب إليه القدرية.
Page 6
وأنه مقدر لأرزاق جميع الخلق، وموقت لآجالهم، وخالق لأفعالهم، وقادر على مقدوراتهم، وإله ورب لها، لا خالق غيره، ولا رازق سواه، كما أخبر تعالى في قوله: " الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم " وقال تعالى: " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " وقال: " هل من خالق غير الله " ، وقال: " والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون " .
وأن بيده الخير، والشر، والنفع، والضر، وأنه مقدر جميع الأفعال، لا يكون حادث إلا بإرادته، ولا يخرج مخلوق عن مشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وأنه فعال لما يريد، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا هادي لمن أضله ولا مضل لمن هداه، كما قال: " من يهد الله فهو المهتدي " " ومن يضلل الله فلا هادي له " .
وأنه موفق أهل محبته وولايته لطاعته، وخاذل لأهل معصيته، فدل ذلك كله على تدبيره وحكمته، وأنه عادل في خلقه بجميع ما يبتليهم به ويقضيه عليهم من خير، وشر، ونفع، وضر، وغنى، وفقر، ولذة، وألم، وصحة، وسقم، وهداية، وضلال: " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " " قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين " .
وأنه سبحانه يعيد العباد، ويحيي الأموات، وأنه يقصد يوم القيامة لفصل القضاء، ويجيء الملائكة صفا صفا، ويمد الصراط، ويزن الأعمال، وأنه سبحانه قد خلق الجنة والنار.
وما لا يتأتى الواجب إلا بفعله صار واجبا؛ كالطهارة مع الصلاة، والقراءة في الصلاة، وإمساك جزء من الليل في الصيام ، وإدخال جزء من الرأس في غسل الوجه، إلى غير ذلك مما لا يمكن تحصيل الواجب إلا به صار واجبا.
### || ### || مسألة
وجوب النظر
وإذا صح وجوب النظر فالواجب على المكلف النظر والتفكر في مخلوقات الله، لا في ذات الله، والدليل عليه قوله تعالى: " ويتفكرون في خلق السموات والأرض " ولم يقل: في الخالق، وأيضا قوله تعالى: " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت " فالنظر، والتفكر، والتكييف يكون في المخلوقات، لا في الخالق، وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: تفكروا في الله. وأيضا قوله عليه السلام: مثل الناظر في قدر الله كالناظر في عين الشمس، فمهما أراد نظرا ازداد حيرة. وأيضا: فإن موسى عليه السلام لما سأله اللعين فرعون عن ذات الله، أجابه بأن مصنوعاته تدل على أنه إله ورب قادر، لا إله سواه. إذا نظر فيها وتأمل ولم يحدد له الذات فلا يكيفها؛ لأنه لما قال له: " وما رب العالمين " قال: " رب السموات والأرض وما بينهما " إلى أن كرر عليه السؤال وأجابه بمثل الأول، إلى آخر الآيات كلها، فمهما سأله عن الذات أجابه بالنظر في المصنوعات التي تدل على معرفته.
وقيل: سئل بعض أهل التحقيق عن الله عز وجل ما هو ؟ فقال: إله واحد. فقيل له: كيف هو ؟ فقال: ملك قادر، فقيل: له أين هو ؟ فقال: بالمرصاد. فقال السائل: ليس عن هذا أسألك ؟ فقال: الذي أجبتك به هو صفة الحق، فأما غيره فصفة الخلق. وأراد بذلك أن يسأله عن التكييف، والتحديد، والتمثيل، وذلك صفة المخلوق لا صفة الخالق، ولأن التفكر إذا تفكر في خلق السموات والأرض وخلق نفسه وعجائب صنع ربه، أداه ذلك إلى صريح التوحيد؛ لأنه يعلم بذلك أنه لا بد لهذه المصنوعات من صانع، قادر، عليم، حكيم " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " .
مسألة
العالم محدث
ويجب أن يعلم: أن العالم محدث؛ وهو عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، والدليل على حدوثه: تغيره من حال إلى حال، ومن صفة إلى صفة، وما كان هذا سبيله ووصفه كان محدثا، وقد بين نبينا صلى الله عليه وسلم هذا بأحسن بيان يتضمن أن جميع الموجودات سوى الله محدثة مخلوقة، لما قالوا له: يا رسول الله: أخبرنا عن بدء هذا الأمر ؟ فقال: نعم. كان الله تعالى ولم يكن شيء، ثم خلق الله الأشياء فأثبت أن كل موجود سواه محدث مخلوق. وكذلك الخليل عليه السلام، إنما استدل على حدوث الموجودات بتغيرها وانتقالها من حالة إلى حالة؛ لأنه لما رأى الكوكب قال: هذا ربي، إلى آخر الآيات فعلم أن هذه لما تغيرت وانتقلت من حال إلى حال دلت على أنها محدثة مفطورة مخلوقة، وأن لها خالقا، فقال عند ذلك وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض.
Page 7
مسألة وإذا صح حدوث العالم؛ فلا بد له من محدث أحدثه، ومصور صوره، والدليل على ذلك: أن الكتابة لا بد لها من كاتب كتبها، والصورة لا بد لها من مصور صورها، والبناء لا بد له من بان بناه. فإنا لا نشك في جهل من أخبرنا بكتابة حصلت بنفسها لا من كاتب، وصناعة لا من صانع، وحياكة لا من ناسج. وإذا صح هذا وجب أن تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع صنعها، ومحدث أحدثها، إذ كانت ألطف وأعجب صنعا من سائر ما يتعذر وجوده إلا من صانع.
دليل ثان: ويدل على ذلك أيضا: علمنا بتقدم الحوادث بعضها على بعض، وتأخر بعضها عن بعض، مع علمنا بتجانسها وتشاكلها، فلا يجوز أن يكون المتقدم منها متقدما لنفسه؛ لأنه لو تقدم لنفسه لوجب تقديم كل ما هو من جنسه معه، وكذلك المتأخر منها، لو تأخر لنفسه وجنسه لم يكن المتقدم منها بالتقدم أولى منه بالتأخر، وفي علمنا بأن المتقدم من المتماثلات بالتقدم أولى من بالتأخر، دليل على أن له مقدما قدمه، وعاجلا عجله في الوجود، مقصورا على مشيئته.
ويدل على صحة ذلك أيضا: علمنا بأن الصور الموجودة؛ منها ما هو مربع، ومنها ما هو مدور، ومنها شخص أطول من شخص، وآخر أعرض من آخر؛ مع تجانسها، ولا يجوز أن يكون المربع منها ربع نفسه ، ولا المطول منها طول نفسه، ولا القبيح منها قبح نفسه، ولا الحسن منها حسن نفسه، فلم يبق إلا أن لها مصورا صورها؛ طويلة، وقصيرة، وقبيحة، وحسنة، على حسب إرادته ومشيئته.
ويدل على صحة ما ذكرناه: أن الموجودات لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها، أنا وجدنا منها الموت والأعراض، أعني الجمادات التي لا حياة فيها، لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها ولا لغيرها، لأن من شرط الفاعل أن يكون حيا، قادرا، فبطل كونها محدثة لنفسها بل لها محدث أحدثها.
ويدل على صحة ذلك أيضا: أنا وجدنا أنفس الموجودات في العالم، الحي القادر العاقل المحصل، وهو الآدمي، ثم أكمل ما تكون. تعلم وتحقق أنه كان في ابتداء أمره نطفة ميتة، لا حياة فيها ولا قدرة، ثم نقل إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم من حال إلى حال، ثم بعد خروجه حيا من الأحشاء إلى الدنيا. تعلم وتحقق أنه كان في تلك الحالة جاهلا بنفسه وتكييفه، وتركيبه، ثم بعد كمال عقله وتصوره وحذقه وفهمه لا يقدر في حال كماله أن يحدث في بدنه شعرة ولا شيئا، ولا عرقا فكيف يكون محدثا لنفسه ومنقلا لها في حال نقصه من صورة إلى صورة ومن حالة إلى حالة وإذا بطل ذلك منه في حال كماله كان أولى أن يبطل ذلك منه في حال نقسه، ولم يبق إلا أن له محدثا أحدثه، ومصورا صوره ومنقلا نقله؛ وهو الله سبحانه وتعالى.
### || مسألة
وإذا ثبت أن للعالم صانعا صنعه، ومحدثا أحدثه، فيجب أن يعلم أنه لا يجوز أن يكون مشبها للعالم المصنوع المحدث؛ لأنه لو جاز ذلك لم يخل: إما أن يشبهه في الجنس، أو في الصورة، ولا يجوز أن يكون مشبها له في الجنس؛ لأنه لو أشبهه في الجنس لجاز أن يكون محدثا كالعالم المحدث، أو يكون العالم قديما كهو. لأن حقيقة المشتبهين المتجانسين: ما سد أحدهما مسد الآخر وناب منابه، وجاز عليه ما يجوز عليه، ولا يجوز أن يكون يشبه العالم في الصورة لأن حقيقة الصورة هي الجسم المؤلف، والتأليف لا يكون إلا من شيئين فصاعد؛ ولأنه لو كان صورة لا تحتاج إلى مصور صوره، لأن الصورة لا تكون إلا من مصور على ما قدمنا بيانه، وقد بين ذلك تعالى بأحسن بيان فقال تعالى: " أفمن يخلق كمن لا يخلق " وقد سئل بعض أهل التحقيق عن التوحيد ما هو ؟ فقال: هو أن تعلم أنه باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم.
وقال الجنيد رضي الله عنه: التوحيد إفراز القدم عن الحدوث، فأحكموا أصول العقائد بواضح الدليل ولايح الشواهد.
وقال أبو محمد الحريري رضي الله عنه: من لم يقف على علم التوحيد يشاهده من شواهده، زلت به قدم الغرور في مهواة التلف.
وقال الجنيد: أول ما يحتاج إليه المكلف من عقد الحكمة: أن يعرف الصانع من المصنوع، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث.
وسئل أبو بكر الزاهد رضي الله عنه عن المعرفة ما هي ؟ فقال: المعرفة اسم، ومعناه: وجود تعظيم في القلب، يمنعك عن التعطيل والتشبيه.
وقيل لأبي الحسن البوشنجي: ما التوحيد ؟ فقال: أن تعلم أنه غير مشبه بالذوات ولا بنفي الصفات.
Page 8
مسألة وإذا ثبت أن صانع الموجودات ومحدثها لا يجوز أن يكون يشبهها، فيجب أن تعلم أن محدث العالم قديم، أزلي لا أول لوجوده. ولا آخر لدوامه. والدليل على صحة ذلك: أنه لو لم يكن قديما كما ذكرنا لكان محدثا، ولو كان محدثا لاحتاج إلى محدث أحدثه؛ لأن غيره من الحوادث إنما احتاجت إلى محدث لأنها محدثة. ولو كان ذلك كذلك لاحتاج كل محدث إلى محدث آخر، إلى ما لا نهاية له ولا غاية، ولما بطل ذلك صح كونه قديما أزليا.
وبمثل هذا الدليل: يستدل على بطلان قول من زعم من أهل الدهر أن الحوادث لا أول لوجودها، فافهمه ترشد، إن شاء الله تعالى.
### || ### || ### || مسألة
وحدانية الصانع
ويجب أن يعلم: أن صانع العالم جلت قدرته واحد أحد؛ ومعنى ذلك: أنه ليس معه إله سواه، ولا من يستحق العبادة إلا إياه، ولا نريد بذلك انه واحد من جهة العدد، وكذلك قولنا أحد، وفرد وجود ذلك إنما نريد به أنه لا شبيه له ولا نظير، ونريد بذلك أن ليس معه من يستحق الالهية سواه، وقد قال تعالى: " إنما الله إله واحد " ومعناه: لا إله إلا الله.
والدليل على أن صانع العالم على ما قررناه: قوله تعالى: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " والدليل المعقول مستنبط من هذا النص المنقول، فإنا نرى الأمور تجري على نمط واحد، في السموات والأرض وما فيهما من شمس وقمر وغير ذلك. ولو كانا اثنتين أو أكثر فلا بد أن يجري خلاف أو تغير من أحدهما على الآخر، وقد بينه سبحانه وتعالى فقال: " قل لو كان معه آلهة كما يقولون " إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا " سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.
وأيضا: فلو جاز أن يكون اثنين أو أكثر فيريد أحدهما شيئا ويريد الآخر ضده، فلا يخلو أن يتم مرادهما، أو يتم مراد أحدهما دون الآخر، ولا يجوز أن يتم مرادهما؛ لأن في إتمام مراد أحدهما عجز الآخر، لأنه تم ما لا يريد، وفي ذلك تعجيز لكل واحد منهما؛ لأنه تم ما لا يتم مراد واحد منهما، فقد ثبت عجزهما أيضا. ومن يكون عاجزا فليس بالإله، أو يتم مراد أحدهما دون الآخر؛ فالذي تم مراده هو الإله، والذي لم يتم عاجز ليس بالاله، فلم يكن إلا إله واحد كما ذكرنا.
فإن قيل: فيجوز أن لا يختلفا في الإرادة. قلنا: هذا القول يؤدي إلى أحد أمرين: إما أن يكون ذلك لقول أحدهما للآخر لا ترد إلا ما أريد، فيصير أحدهما آمرا والآخر مأمورا، والمأمور لا يكون إلها، والآمر على الحقيقة هو الإله، أو يكون كل واحد منهما لا يقدر أن يريد إلا ما أراده الآخر ولو كان كذلك دل على عجزهما؛ إذ لم يتم مراد واحد منهما إلا بإرادة الآخر معه. وإذا ثبت هذا بطل أن يكون الإله إلا واحدا على ما قررناه:
مسألة
الحياة
ويجب أن يعلم أن الباري جلت قدرته حي. وهذه المسألة أول مسائل قول الشيخ موصوف بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه فنقول الباري يوصف بالحياة.
والدليل عليه قوله تعالى: " الحي القيوم " وقوله تعالى: " وتوكل على الحي الذي لا يموت " . وأيضا: فإن الفعل يستحيل وجوده من الموات الذي لا حياة له، والله تعالى فاعل الأشياء ومنشئها، فوجب أن يكون حيا.
مسألة
القدرة
ويجب أن يعلم: أنه تعالى قادر على جميع المقدورات.
والدليل عليه قوله تعالى: " وهو على كل شيء قديره " ولأنا نعلم قطعا استحالة صدور الأفعال من عاجز لا قدرة له، ولما ثبت أنه فاعل الأشياء ثبت أنه قادر.
مسألة
العلم
ويجب أن يعلم: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات.
والدليل عليه قوله تعالى: " أنزله بعلمه " وقوله تعالى: " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم " وقوله تعالى: " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور " . وقوله تعالى: " ويعلم ما في السموات وما في الأرض " وقوله تعالى: " فاعلموا أنما أنزل بعلم الله " إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى.
وأيضا: فيدل على أنه عالم: صدور الأفعال الحكيمة المتقنة الواقعة على أحسن ترتيب ونظام وإحكام وإتقان، وذلك لا يحصل إلا من عالم بها، ومن جوز صدور خط معلوم منظوم مرتب من غير عالم بالخط، كان عن المعقول خارجا، وفي عمل الجهل والجا.
Page 9
### || ### || ### || ### || ويدل على صحة
ذلك أيضا: أنه حي، قادر، عالم، أنا لو جوزنا صدور أفعال محكمة متقنة من غير حي، عالم، قادر، لم ندر لعل جميع ما يظهر لنا من أفعال الناس من الكتابة والصناعة وسائر الصنائع لعلها لنا منهم وهم أموات عجزة جهلة، ولعل لنا في هذه المسألة المناظر عليها ميت عاجز.
مسألة
الإرادة
ويجب أن يعلم: أن الله مريد على الحقيقة لجميع الحوادث، والمرادات، والدليل عليه قوله تعالى: " فعال لما يريد " . وقوله تعالى: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون " وقوله تعالى: " والله يريد الآخرة " . وقوله تعالى: " يريد الله أن يخفف عنكم " وقد قيل في بعض الآثار: أنه تعالى يقول: يا ابن آدم؛ تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد.
ويدل على أنه مريد من جهة العقل: ترتيب الأفعال واختصاصها بوقت دون وقت، ومكان دون مكان، وزمان دون زمان؛ وكذلك يدل على أنه أراد أن يكون هذا قبل هذا، وهذا بعد هذا، وهذا على صفة، والآخر على صفة غيرها، وهذا من مكان، وهذا من مكان آخر، إلى غير ذلك.
مسألة
السمع
ويجب أن يعلم: أنه سميع لجميع المسموعات، بصير لجميع المبصرات.
والدليل عليه قوله تعالى: " وهو السميع البصير " . وقوله تعالى: " أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون " وقوله تعالى: " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير " . وقوله تعالى: " ألم يعلم بأن الله يرى " وأيضا: فإنه لو لم يوصف بالسمع والبصر لوجب أن يوصف بضد ذلك، من الصمم والعمى، والله يتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
مسألة
الكلام
ويجب أن يعلم: أن الله تعالى متكلم، وأن كلامه غير مخلوق ولا محدث. والدليل عليه قوله تعالى: " منهم من كلم الله " وقوله تعالى: " وكلم الله موسى تكليما " وقوله تعالى: " وتمت كلمة ربك " . وقوله صلى الله عليه وسلم: فضل كلام الله على كلام الخلق كفضل الخالق على المخلوق. ولا يتصف ببداية ولا نهاية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامة العامة. ومحال أن يعوذ مخلوق بمخلوق، فثبت أنه عوذ مخلوقا بغير مخلوق، إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. ولأنه لو لم يكن متكلما لوجب أن يوصف بضد الكلام؛ من الخرس والسكوت والعي، والله يتعالى عن ذلك.
مسألة
البقاء
ويجب أن يعلم: أن الله سبحانه باق. ومعنى ذلك: أنه دائم الوجود.
والدليل عليه قوله: " ويبقى وجه ربك " يعني ذات ربك وأيضا قوله تعالى: " كل شيء هالك إلا وجهه " يعني ذاته، ولأنه قد ثبت قدمه وما ثبت قدمه استحال عدمه.
مسألة
ويجب أن يعلم: أن الباري عالم بعلم قديم متعلق بجميع المعلومات، ولا يوصف علمه بأنه مكتسب ولا ضروري، وأنه قادر بقدرة قديمة شاملة لجميع المقدورات، مريد بإرادة قديمة متعلقة بجميع الكائنات، سميع بسمع قديم متعلق بجميع المسموعات، بصير ببصر قديم متعلق بجميع المبصرات، متكلم وكلامه قديم متعلق بجميع المأمورات والمنهيات، والمخبرات. فعلمه سبحانه وتعالى لا يوصف بالضرورة والكسب؛ لأن ذلك صفات علم الخلق. وقدرته لا توصف بالاستطاعة؛ لأن ذلك صفات الخلق، وسمعه لا يوصف بأنه يقوم بالحواس كسمع الخلق، وبصره لا يوصف بأن يقوم بالآماق كبصر الخلق، وكلامه لا يوصف بالجوارح والأدوات؛ لأن ذلك صفات كلام الخلق. بل صفات ذاته قديمة أزلية، لم يزل موصوفا بها، ولا يزال كذلك، لا تشبه بصفات المخلوقين، ولا يقال إنها هو ولا غيره، ولا صفاته متغايرة في أنفسها.
والدليل على هذه الجملة: قوله تعالى: " ليس كمثله شيء " وقوله تعالى: " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " فكما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، فكذلك علمه لا يشبه علم الخلق، ولا يوصف بصفة علم الخلق، وكذلك قدرته وإرادته: لا تشبه قدرة الخلق ولا إرادتهم، ولا يوصف شيء من صفاته بصفات الخلق، فاعلم ذلك وتحققه توفق للصواب، بمشيئة الله تعالى.
Page 10