Réveil des narrateurs sur les éveils des grammairiens

إنباه الرواة على أنباه النحاة

Enquêteur

محمد أبو الفضل إبراهيم

Maison d'édition

دار الفكر العربي - القاهرة

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٠٦ هـ - ١٩٨٢م.

Lieu d'édition

ومؤسسة الكتب الثقافية - بيروت

ـ[إنباه الرواة على أنباه النحاة]ـ
المؤلف: جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (المتوفى: ٦٤٦هـ)
الناشر: المكتبة العنصرية، بيروت
الطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ
عدد الأجزاء: ٤
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة التراجم]

Page inconnue

الجزء الأول
[مقدمات التحقيق]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
تصدير
عنى كثير من علماء المسلمين وأدبائهم بجمع كثير من الحقائق المبعثرة فى بطون الكتب، أو التى تلقوها بالرواية والسماع، أو خبروها بأنفسهم. ثم نسقوا هذه الحقائق، ونظموا كل طائفة متشاكلة منها فى سلك واحد؛ فدوّنوا السير وتراجم العلماء والحكماء والأطباء والأدباء ورواة الحديث والقرّاء والفقهاء والنحاة. ووصفوا البلدان والأقطار التى ارتادوها، أو قرءوا عنها أو سمعوا بها؛ كما وصفوا الحيوان والنبات؛ فكان من وراء ذلك كله طائفة كبيرة من كتب السير والطبقات والمعاجم المنوّعة والموسوعات الجامعة فى شتى نواحى العلم؛ حتى أصبحت اللغة العربية من أغنى لغات العالم كلها بمثل هذه الكتب؛ إن لم تكن أغناها. ومع ذلك لم يكن العرب هم أوّل من استحدثها؛ إذ أنهم لم يأخذوا فى مثل هذا التدوين إلا منذ القرن الثانى للهجرة (الثامن الميلادى) عندما وضع أبو بكر بن إسحاق سيرة النبىّ الهاشمىّ- ﵊، ثم اعتمد عليه ابن هشام المتوفى سنة ٢١٣ هـ. ثم جاء ابن سعد وابن سلّام فألف كل منهما طبقاته، وتتابع ظهور أمثال هذه الكتب، وتعدّدت مناحيها وموضوعاتها. وفى القرن السابع زادت وكثرت على الرغم مما حل فيه بالحضارة الإسلامية والثقافة العربية من نكبات؛ فصار لدينا كتب متعدّدة عن كل عظيم نابه، وكل فئة خاصة أو طبقة معينة من العلماء والأدباء فى مختلف القرون أو فى قرن بعينه. وإنّ نظرة واحدة إلى فهارس المكتبات العربية لتقنعنا بالكثرة الوافرة من الكتب التى وضعها العرب فى هذه الناحية من التأليف.

1 / 5

وقد كان لهذه السير والتراجم والطبقات قيمتها للعلم والأدب والتاريخ؛ إذ يسرت للباحث والعالم والمؤرّخ الوصول إلى كثير من الحقائق التى يقوم عليها بحثه، وبيّنت للعالم مدى إقبال المسلمين وكتّاب العربية فى مختلف العصور على البحث والتدوين، وما عانوا فيه من مشقة وجهد علمىّ مشكور؛ كما بينت للخلف مقدار ما تركه له أسلافه من ثروة ثقافية ضخمة يفخر بها كما يفخر كل محب للعلم والبحث.
ومما يؤسف له كل الأسف أن الشطر الأعظم من هذه الثروة العلمية الضخمة قد ضاع فى تلك النكبات التى حلت بالعالم الإسلامى من غزوات متكررة وحروب وثورات ومجاعات وحرائق وسرقات وجهل الحكام وطمع الطامعين.
وإنى لأرجو من الله أن تتاح لنا أو لغيرنا الفرصة لجمع كل أسماء الكتب العربية الموجودة والضائعة التى أشار إليها المؤلفون فيما وصل إلينا من كتبهم، وتنسيقها فى ثبت شامل يكون مرجعا للباحثين وهاديا لهم؛ فلعل التوفيق يوافى طائفة منهم بالعثور على بعضها والاستفادة منها.
ومما يذكر أن القدامى فى الزمن السالف قد درجوا على محو ما لديهم من بعض الكتب ليستغلوا رقوقها فى كتابة تأليف جديد من عندهم، أو تدوين مذكرات خاصة بهم، وقد تكررت هذه العملية مرات؛ لأن قراطيس البردى والرقوق كانت غالية الثمن على الكثيرين.
وإذ قد توصل العلم الحديث إلى إستعادة هذه الكتابة الممحوّة مما تركته وراءها من آثار فى البردىّ أو فى الرقوق، فقد استطاع العلماء الأوربيون الحصول على نسخ من مؤلفات قيمة ظنوا أنها ضاعت، ولا سبيل إلى العثور عليها. ففى المتحف البريطانى مثلا مخطوطات سريانية أخذت من أديار وادى النطرون؛ منها مخطوط ألفه ساويرس الأنطاكى فى القرن التاسع الميلادى كان مكتوبا عليه إلياذة

1 / 6

هو ميروس وإنجيل لوقا، وعلى أوراق كان عليها هندسة إقليدس مكتوبة فى القرنين السابع والثامن. وقد تكون ثمة كتب عربية كثيرة قد أصابها مثل ذلك فمحيت وكتب عليها غيرها أحدث منها وأقل قيمة.
ومهما يكن من الأمر فمن الخير للعلم والإنسانية أن يضاعف العاملون منا جهودهم فى جمع المتفرّق من التراث الثقافىّ العربىّ من مظانه، ونشر القيم منه، وهو كثير حافل، وما لم ينشر منه إلى اليوم لا يزال كثيرا.
فمثلا جمال الدين أبو الحسن على القفطىّ المصرى وزير الأيوبيين فى حلب، المتوفى سنة ٦٤٦ قد خلف لنا قرابة الثلاثين كتابا ضاع أكثرها، ولم يصل الينا منها سوى كتاب واحد كامل، ومختصران له اختصرهما غيره «١»، ومختصر لكتاب «٢» آخر، وقطعة «٣» من كتاب ثالث.
والكتاب الكامل هو الذى بين يدى القارئ الجزء الأوّل منه، وهو يشمل الكثيرين من علماء النحو واللغة وغيرهم، منهم من سبق لنا معرفتهم ومنهم من لم نعرف.
ولما كان الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم قد توفر سنين طويلة على دراسة هذا الكتاب، وكان حضرته قد تمرّس بنشر الكتب وتحقيقها من قبل،

1 / 7

انتهزنا هذه الفرصة وعهدنا إليه بمراجعة هذا الكتاب وإعادة تحقيقه، وإعداده للنشر، فقام بذلك بهمة ملحوظة وأمانة مشكورة، باذلا فيه غاية الجهد، وكان نصيبه التوفيق.
هذا وسيظهر الكتاب في أربعة أجزاء، يشمل آخرها الفهارس المنوّعة التي دأبنا على العناية بها تسهيلا للباحث وتوفيرا لوقته؛ فلا يخفى أنّ كتابا مثل هذا يفقد جزءا كبيرا من فائدته المرجوّة إذا ظهر خلوا من الفهارس.
هذا، وأرجو من كل باحث يعنى بهذا الكتاب أن يتفضل مشكورا ويبعث إلينا بما قد يعنّ له من ملاحظات على هذه الطبعة لنستدركه في الطبعة التالية إن شاء الله؛ فكلنا يسعى إلى الاقتراب من المثل الأعلى في كل ما يعمل.
أيدنا الله بعون من عنده حتى نضاعف جهودنا في سبيل الثقافة العربية، ونحقق بعض ما نصبو إليه من خير لها. والله ولي التوفيق

1 / 8

مقدّمة المحقق
(١) ترجمة المؤلف [١]
حياته:
قفط بلدة بالصعيد الأعلى بمديرية قنا، تبعد قليلا عن الشاطئ الشرقى للنيل، شمالى قوص. وكانت معروفة فى التاريخ المصرى القديم، ودار حولها كثير من القصص والأساطير. ولما كان الفتح الإسلامىّ وارتبطت مصر ببلاد العرب ارتباطا وثيقا صار لها شأن خاص، وأصبحت ممرّا للتجار والرّحالين والحجاج، فى طريقهم ذاهبين إلى عيذاب وجدّة فبلاد العرب والهند، أو عائدين من هذه البلاد إلى مصر والمغرب وبلاد الأندلس. فأثرى أهلها، وحفلت أسواقها، واستفاض العمران بها، واجتذبت إليها كثيرا من العلماء ممن كان يذهب إلى مكة للحج أو يعود. وأقيمت بها حلقات الدروس، وامتلأت مساجدها ونواديها بأفضل العلماء، وجهابذة الأدباء، ونشطت فيها الحركة العلمية؛ كما نشطت فى قنا وقوص وأدفو وأسوان وغيرها من بلاد الصعيد.

[١]. مصادر الترجمة:
إعلام النبلاء ٤: ٤١٤ - ٤٢٦ بغية الوعاة ٣٥٨ تاريخ علم الفلك عند العرب لنلينو ٥٠ - ٦٤ حسن المحاضرة ١: ٢٣٨ شذرات الذهب ٥: ٢٣٦ الطالع السعيد ٢٣٧ - ٢٣٨ عيون التواريخ (مخطوط) وفيات سنة ٦٤٦ فوات الوفيات ٢: ١٢١ معجم الأدباء ١٥: ١٧٥ - ٢٠٤ معجم البلدان ٣: ٥٥ - ٥٦.

1 / 9

فى هذه البلدة ولد الصاحب جمال الدين أبو الحسن على بن يوسف بن إبراهيم ابن عبد الواحد الشيبانىّ، ونسب إليها، وصار يعرف بالقفطىّ فيما بعد، ويلقب بالقاضى الأكرم.
وكان مولده فى أحد ربيعى سنة ٥٦٨ على ما ذكر أخوه إبراهيم مؤيد الدين «١»، وقضى بها شطرا من طفولته، ثم ذهب إلى القاهرة، وتعلم بمدارسها، وأخذ عن شيوخها وعلمائها، ثم عاد إليها فى ربيع شبابه، وقضى بها حقبة من الزمن، نهل من موارد العلم، وقبس من ضياء المعرفة، وتخرّج على من كان بها من العلماء.
وهو عربىّ صريح النسب، كريم النبعة، ينتمى قومه إلى شيبان. وقد نزحوا من الكوفة مع القبائل العربية التى توافدت على مصر بعد الفتح أرسالا، وهاجر إليها أفرادها جماعات، ثم انتشروا فى شمال الوادى وجنوبه، وطاب لهم العيش، وامتدّت بهم أسباب الحياة.
وأبوه يوسف بن إبراهيم الملقب بالقاضى الأشرف. كان كاتبا ناصع البيان، متصرفا فى ضروب الإنشاء، حسن الترسل، مليح الخط. ولد بقفط سنة ٥٤٨، وقضى بها صدرا من حياته، نابه الذكر، مرعىّ المكانة، سامى الرتبة. ولما نشبت الفتنة «٢» بها، وأعلن أهلها خروجهم على السلطان صلاح الدين الأيوبىّ نزح عن البلاد

1 / 10

طلبا للعافية، وإيثارا للسلامة. ثم ذهب إلى القاهرة، واتصل بالملوك الأيوبيين، فأنزلوه منزلة كريمة، وولوه أعمالا بالصعيد ثم بلبيس وبيت المقدس، وناب عن القاضى الفاضل بحضرة صلاح الدين. ولما ملك العادل الشام لم تطب للقاضى الأشرف الإقامة ببيت المقدس، وغادرها إلى حرّان. وهناك استوزره الملك الأشرف موسى بن العادل، ثم استأذنه فى الحج فأذن له على أن يعود؛ ولكنه امتنع من العود، وذهب إلى اليمن، فاستوزره أتابك سنقر، وأقام فى الوزارة زمنا؛ ثم بدا له أن ينقطع عن خدمة الملوك، فذهب إلى ذى جبلة «١»، وآثر العزلة عن الناس، والإخلاد إلى الوحدة. فأقام بها منفردا بنفسه، بعيدا عن الخاصة والعامّة إلى أن توفى سنة ٦٢٤.
وكانت القاهرة حين وفد القفطىّ إليها معمورة بالمدارس، مأهولة بالعلماء، زاخرة بالكتب، فأخلى ذرعه للدرس، وقصر نفسه على العلم، وأحاط منه بقدر صالح كبير. ولقى كثيرا من العلماء وأخذ عنهم؛ وكان ممن لقيه محمد بن محمد بن بنان الأنبارىّ، وكان شيخا فاضلا عالما، تصدّر للإقراء، فلزمه وأخذ عنه سماعاته، وأجازه فى رواياته، وسمع منه كتاب الصّحاح للجوهرىّ.
وترامت إليه أخبار أبى طاهر السّلفىّ نزيل الإسكندرية وعالمها فى ذلك الحين، فارتحل إليه، وانتظم فى حلقة الطلاب الذين وفدوا عليه من أطراف البلاد، وكان صغيرا فى ذلك الحين؛ إلا أنه أفاد منه، وتحدّث عنه فى كتاب الإنباه.
ثم عاوده الحنين إلى وطنه، واشتاق إلى ملاعب طفولته، ومنبت أهله وعشيرته، فسافر إلى قفط، وكان قد اكتمل عقله، وأوفى على الغاية استعداده.
وهناك خالط علماءها، وناظر أدباءها، والتقى بصالح بن عادى العذرىّ نزيلها.

1 / 11

وكان ابن عادى ممن حذق النحو، وتقصّى مسائله، وجمع أشتاته، وأحاط بأصوله وفروعه، ونقّب عن مقيسه وشاذه. فلزمه واستفاد منه، وحمل عنه علما كثيرا.
ثم عاد إلى القاهرة ليقضى بها مدة قصيرة ويرحل عنها فلا يعود. ففى سنة ٥٩١ سافر أبوه إلى بيت المقدس واليا عليها من قبل الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين، فصحبه فى سفره، ونزل معه ببيت المقدس، وطاب له المقام فيها زمانا؛ وهناك عايش أهلها، ولابس رجالها، ولقى عندهم جوارا كريما، ومنزلا طيبا، ولقوا منه رجلا محمود الصحبة، جميل العشرة، لطيف الطبع، أديبا بارعا عذب الموارد، وعالما فاضلا جمّ الفوائد، يتجمّل بالخلق الكريم، والطبع السرىّ النبيل، فأحبهم وأحبوه، واطمأنّ إليهم واطمأنوا إليه. ثم رغبوا إليه فى أن يتولى شيئا من أمور الملك فأبى عليهم، وآثر أندية العلم، ومجامع الأدب والفضل، وزهد فى مجالس الحكم وديوان السلطان.
وعصفت ببيت المقدس أقدار، وتقلبت عليها أهوال، وانتهت إلى أن دخلت فى حوزة الملك العادل ووزيره ابن شكر. ولم يكن أبوه القاضى الأشرف من شيعة العادل، ولا ممن يوادّون ابن شكر، فتوجس منهما خيفة، وخرج منها بليل، وذهب إلى حرّان. وعندئذ تعذّر على القفطى المقام بعد أبيه، ونبا به المنزل، فترك بيت المقدس، وقصد إلى حلب مع من قصد إليها.
وكان السلطان صلاح الدين قد أعطى ولاية حلب لابنه الملك غازى المعروف بالظاهر «١» فى حياته، ثم ظلت فى حكمه بعد وفاة أبيه، وتوارثها أولاده من بعده،

1 / 12

فكانت بعيدة عن الفتن التى شجرت بين خلفاء صلاح الدين، والحال فيها خير من الحال فى مصر والعراق وبقية بلاد الشام؛ فازدهرت فيها الآداب، وأينعت العلوم، ورحل إليها العلماء؛ ممّا طابت له نفس القفطىّ، ووافق هواه، ووجد المكان الذى يطمئن له العيش فيه.
وفى صدر أيامه بحلب كان مصاحبا لميمون القصرىّ صديق أبيه، ورفيقه فى الرحلة إلى حلب، وأحد الولاة الذين صار لهم نصيب من السلطان. فلازمه على سبيل الصداقة والمودّة، لا على سبيل العمل والخدمة. وفى هذه المدّة اجتمع بجماعة من العلماء المقيمين بحلب والواردين عليها، واستفاد بمحاضرتهم، وفقه بمناظرتهم. ثم جدّ فى شراء الكتب وسعى فى اقتنائها وجلبها، واستطارت شهرته بذلك فى الآفاق، وتوافد عليه الورّاقون والناسخون وباعة الكتب، كما توافد عليه العلماء والشعراء وذوو الفضل. وكان ممّن وفد إليه فى ذلك الحين ياقوت ابن عبد الله الحموىّ صاحب معجم الأدباء. فآواه إلى ظله، وأنزله فى داره، وأفرد له مكانا من مجلسه. وعرف فيه ياقوت الفضل والعلم؛ فأذاع بفضله فى كل محفل، وروى عنه فيما صنف من الكتب، وأهدى إلى خزانته كتابه معجم البلدان.
وبينما كان القفطىّ مطمئنا إلى هذه الحياة الهادئة الخصيبة، يجالس العلماء، ويأخذ عنهم ويأخذون عنه، ويقتنى الكتب ويقرؤها ويستوعب ما فيها، ويحصّل العلوم ويؤلف فى شتى نواحيها؛ وإذا بميمون القصرىّ يموت وزيره فيلزمه أن يحل مكانه؛ فيقبل على كره، وفى ذلك يقول ياقوت «١»:
«ألزمه ميمون القصرىّ خدمته، والاتّسام بكتابته، ففعل ذلك على مضض واستحياء، ودبّر أموره أحسن تدبير، وساس جنده أحسن سياسة، وفرغ بال

1 / 13

Réveil des narrateurs sur les éveils des grammairiens | Usul